رؤية الهلال لتحديد الشهور العربية | نور الحق | حـ 3 | أ.د علي جمعة
- •الخلاف في تحديد بداية الشهر القمري سببه اختلاف فهم النص الشرعي، وهو أمر مشروع لأن الإسلام يحترم الاجتهاد وحرية الرأي.
- •لفظ "صوموا لرؤيته" يحتمل معنيين: الرؤية البصرية بالعين المجردة، والإدراك والعلم بوجود الهلال.
- •رجح بعض العلماء المشاهدة بالعين لأنها المتبادرة إلى الذهن، ورجح آخرون مطلق العلم والإدراك.
- •الرؤية يمكن أن تكون بالعين المجردة أو المسلحة (بالتلسكوب) أو بالحساب الفلكي الذي أصبح دقيقاً لا يخطئ.
- •تبنت دار الإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية منهجاً وسطياً يجمع بين الرؤية والحساب الفلكي.
- •إذا أثبت الحساب أن الهلال يغرب قبل الشمس، فلا يمكن رؤيته وتُرد شهادة من ادعى رؤيته.
- •وإذا أثبت الحساب إمكانية الرؤية وشهد شاهد برؤية الهلال، قُبلت شهادته.
- •هذا المنهج يراعي التقدم العلمي ويحافظ على وحدة المسلمين وتحسين صورة الإسلام.
مقدمة الحلقة وسؤال عن رؤية هلال رمضان بين الرؤية البصرية والحساب الفلكي
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أهلًا ومرحبًا بك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.
[المذيع]: في الحلقة الماضية مولانا فضيلتك أوضحت لنا الفرق بين الحقائق العلمية وبين النظريات، وأن الشريعة الإسلامية لا تتعارض مع الحقائق العلمية. نريد يا مولانا في حلقة اليوم نتحدث عن، وبما أننا في شهر رمضان المبارك، عن رؤية هلال رمضان. لا يزال في الدول العربية والإسلامية يحدث بعض الخلاف في تحديد بداية الشهر الهجري؛ هل نعتمد على الرؤية البصرية بالعين المجردة أم نعتمد على الحساب الفلكي، ما رأي فضيلتكم يا مولانا؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. سبب هذا الخلاف هو الخلاف في فهم النص، الخلاف في فهم النص، الخلاف في فهم النص أمر مشروع؛ لأن الإسلام يحترم الاجتهاد ويحترم حرية الرأي، ويحترم ما يتوصل إليه المجتهد بعد إعمال أدواته العلمية في فهم النص الشرعي الشريف من قرآن أو سنة.
احترام الاجتهاد والسعي لتجميع المسلمين ومراعاة صورة الإسلام في العالم
أي فعلينا ألا نضيق بهذه الآراء، بل علينا أن نحترمها، وعلينا أيضًا مع هذا الاحترام أن نحتال لله رب العالمين، ونعمل حيلة لوجه الله، حيلة لوجه الله، لوجه الله نحتال حيلة شرعية لتجميع المسلمين، لتحسين صورة الإسلام في العالمين.
لأننا بمقتضيات العصر من الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة أصبحنا كالقرية الواحدة، وأصبح خبرنا معلومًا في كل مكان.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: نتكلم الآن ويُذاع هذا البرنامج فإذا بأهل الأرض جميعًا يرصدونه ويسجلونه ويفهمون، ونتواصل مع بعض.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: ونحن في غرفة مغلقة والعالم يسمعنا. إذا كان هذا الحال لم يكن من قبل صحيحًا، فعلينا أن نختار صيغة، إن صح التعبير، تجمع بين الأمور المختلفة، ونحاول أن نوجد المشترك بين هذه المختلفات.
ملخص أسس التعامل مع الخلاف في رؤية الهلال واحترام الاجتهاد وإدراك الزمان والمكان
يبقى إذن كلامي ابتداءً: احترام الاجتهاد واختلاف الآراء؛ لأن هذا من السعة، ولأن هذا يعطي حرية الرأي وحرية التعبير وحرية الاجتهاد، وأن الإنسان لا بد أن يقول ما اقتنع به بينه وبين ربه.
النقطة الثانية: أن ذلك يتم بأدوات علمية لفهم النص الشريف.
ثالثًا: مراعاة الوضع الذي فيه الإسلام والمسلمون في العالم.
[المذيع]: إدراك الزمان والمكان.
[الشيخ]: إدراك الزمان والمكان في الوقت المعاصر.
[المذيع]: يعني في الوقت، جميل.
تحليل معنى الرؤية في حديث صوموا لرؤيته بين المشاهدة بالعين والإدراك العلمي
هيا بنا إذن نذهب إلى ذات المسألة، أي:
قال النبي ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»
سيدنا يقول هكذا: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فعلينا أن نستعمل الأدوات العلمية. صوموا لرؤيته، الضمير يذهب إلى أين؟ يذهب إلى الهلال.
ما معنى الرؤية؟ لو ذهبنا إلى اللغة العربية لوجدنا أن «رأى» من الأفعال التي تسمى أفعال العلم: أدرك، فهم، علم، رأى.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وأن هذا الفعل معناه أن الإنسان قد شاهد وأبصر وعاين. انظر إلى الأفعال: شاهد وأبصر وعاين، هذا كله بحاسة العين. فيبقى إذن إذا «رأى» تُستعمل في المشاهدة بالعين والإبصار والمعاينة ونحوها.
أي و«رأى» يعني ذهب، يعني علم، يعني أدرك، يعني حصل.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: إذن ما هي؟ هذه لا تقتضي العين فقط، ولكن ليس من الضروري العين فحسب، ليس من الضروري العين. كما نقول: هذا الرأي، هذا الرأي، رأيت كذا ورأيي كذا، والرأي عند الشافعي كذا، يعني رأيه يعني مذهبه، ورأيه يعني مذهبه وما ذهب إليه من فكر وإدراك.
[المذيع]: جميل، ليس شرطًا بجارحة الأبصار التي هي العين.
الاحتمالان في تفسير الرؤية بين المعنى الضيق للمشاهدة والمعنى الواسع للإدراك والعلم
إذن قد نعني بهذه الكلمة، أو قد يعني الشارع الشريف بهذه الكلمة، معنى ضيقًا محصورًا في الأبصار والمشاهدة والمعاينة بالعين المجردة، وإما أن يكون معنى واسعًا جميلًا ومعنى: تيقنت، أدركت، عرفت، فهمت، حصلت، علمت.
لأنه، حسنًا، نرجح أي واحد منهما؟ فواحد يقول من العلماء:
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أنا أرجح المشاهدة بالعين. لماذا؟ قال: لأنها هي المتبادرة إلى الذهن، أي عندما يسمع أحد من العرب دون تفكير «صوموا لرؤيته» يأتي على الفور ذهنه متجهًا إلى المشاهدة بالعين. رؤيته تعني أراه بعيني، أراه بعيني. ما اسمها؟ تبادر الذهن.
يتبادر أي يذهب بسرعة هكذا لهذا المعنى، والتبادر علامة الحقيقة. فالحقيقة هنا أي أن الذهن يتبادر إلى الحقيقة، فحقيقة هذه الكلمة هي المشاهدة بالعين يا أخي، بسيطة جدًا هكذا.
حجة من يرجح معنى الإدراك والعلم في الرؤية لأن الخطاب للهيئة الاجتماعية لا للأفراد
الآخر يقول له: لا، أنت نسيت نقطة بسيطة فنية، أريد أن أناقشك فيها بالهدوء بالجمال بالحلاوة، بأنهم جميعًا يريدون الحق.
[المذيع]: صحيح، أي ليس خصومة.
[الشيخ]: هذا الخلاف ليس خصومة، هذا الخلاف مناقشة علمية هادئة. فيقول له: أنا أرجح الإدراك والفهم. لماذا؟ لأن في نقطة دقيقة. يقول ماذا؟ «صوموا» فيكون بذلك يخاطب الهيئة الاجتماعية وهم جميع المسلمين.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: «يرونه»، هذا واحد، اثنان، ثلاثة، هكذا. أي الذين يرونه عدد محدود، ثم ينقلون هذا الخبر: نحن رأينا. ونحن نثق فيهم لأنهم شهود وعدول ومسلمون وطيبون وكل شيء ومدركون إلى آخره، فنثق فيهم ونصوم جميعًا.
فالذي يصوم تجده مليون مسلم، مليار مسلم، والذي رآه واحد أو اثنان أو ثلاثة. أنت منتبه؟ لماذا يكون إذن ليس كل واحد لازم أن أرى الهلال بعيني كي أصوم؟
الفرق بين المشاهدة بالعين والعلم في تنفيذ حكم الصيام وأثر ذلك على فهم الحديث
يكون رؤيتي هذه، يكون أنا لم أنفذ [الحديث]، لو كانت المشاهدة بالعين يكون أنا لم أنفذ. ولكن لو كان العلم فإنني أكون قد نفذت؛ لأنني عندما علمت أن المفتي يقول إن غدًا رمضان فعلمت، وأنا أثق في المفتي وانتهى الأمر.
وبعد ذلك أكون قد علمت أن غدًا رمضان فأكون قد صمت، وغدًا شوال فأكون قد أفطرت. فإذن الرؤية هنا معناها العلم وليس معناها المشاهدة.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: كلام متردد في هذا الأمر، ولذلك رأينا العلماء أنهم مختلفون في هذا؛ بعضهم يشترط الرؤية البصرية، وبعضهم يقول إنه يكفي العلم بوجود الهلال بعد غروب الشمس بأي طريقة كانت.
طرق إثبات الهلال بين العين المجردة والعين المسلحة بالتلسكوبات والمرشحات الضوئية
ما هي الطريقة التي كانت؟ قال: أولًا العين المجردة، ثانيًا العين المسلحة.
قلنا: حسنًا، العين المجردة فهمناها أنها عين مجردة. قال: ما هي مجردة من أي شيء؟ مجردة من النظارة، مجردة من التلسكوب، من المكبر. حسنًا، ما هو هذا سلاح الإنسان كي يستطيع أن يقرب؟ وعينه ضعفت قليلًا يلبس نظارة وتصبح هذه عينًا مسلحة، معها شيء آخر، معها سلاح، معها سلاح تستعين به.
فالعين المسلحة، العين المجردة والعين المسلحة؛ لأن الذي أراه هذا مكبر. فالمراصد الضخمة التي تكبر لي الهلال وتصطاد ولو كان خطًا رفيعًا لا يُرى بالعين المجردة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: وهناك أشياء تسمى المرشح أو تسمى شيئًا يصفي الأضواء ويجعلنا مركزين على الهلال. فهذه المرشحات الضوئية التي تجعلني أصل إلى الهلال.
العوائق الطبيعية لرؤية الهلال وطرق التغلب عليها قديمًا ومعنى فاقدروا له
أنا يمكن من قليل من الرطوبة وقليل من الغبار وقليل من الغيوم وقليل من كذا يغشى عليّ [أي يحجب الرؤية]، ولذلك أنا أريد شيئًا يوصلني إلى هذه المسألة.
كان قديمًا يذهبون في الأماكن الجافة المرتفعة التي ليس فيها غمام والسماء صحو وصافية، ويبنون بيوتًا صغيرة هكذا هو لكي يرصدوا الهلال، تتشتت [الأضواء] في السماء تمامًا.
وحملوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «فإن غُمّ عليكم فاقدروا له»
«اقدروا» يعني ضيّقوا مسافات الرؤية التي فيها لكي تتمكن أعينكم من رؤيته، تتمكن من رؤيته، فاقدروا له. فالكلام هذا كله هذا علم تجريبي.
الانتقال للحديث عن الحساب الفلكي والفاصل ثم العودة لاستكمال الموضوع
فجاء واحد طيب: والحساب؟ هذا الحساب قطعي.
[المذيع]: طيب مولانا، بعد إذن فضيلتك، هذا الحساب بعد الفاصل.
[الشيخ]: نعم.
[المذيع]: فاصل نعود إليكم فابقوا معنا يا نور الحق أنر لي طريقي لأرى السبيل والمسار.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم نور الحق. أتكلم مع فضيلة مولانا الإمام العلامة الدكتور علي جمعة عن رؤية هلال شهر رمضان. أتفضل يا مولانا، كنا وصلنا إلى أن هناك رؤية، حضرتك وضحت لنا أن هناك رؤية بالعين ورؤية بالفهم، وصلنا للحساب يا مولانا.
[الشيخ]: الذي يقول أن الرؤية هنا بأي طريق كان، يمكن أن يكون بالعين المجردة لا مانع من ذلك، ويمكن أن يكون بالعين المسلحة بالتلسكوب أو بالمنظار أو غير ذلك لا مانع.
دقة الحساب الفلكي وقدرته على تحديد مكث الهلال بعد غروب الشمس
كذلك يمكن أن يكون بالحساب، والحساب الفلكي أصبح دقيقًا لا يخطئ أبدًا ما شاء الله. يحسب كل شيء، يحسب الهلال كم سيمكث بعد غروب الشمس.
وما دمنا هناك في معنى رؤية الهلال: أن الشمس تغرب تحت الأفق والهلال يبقى ربما دقيقة واحدة فقط، لكنه لا يُرى هكذا بالعين المجردة، يُرى بالعين المسلحة.
إنه عشر دقائق أو ثلث ساعة يبدأ يُرى بالعين المجردة. أي لماذا يمكن بعد ذلك؟ لأن الشمس عندما غربت تحت الأفق لا يزال شعاعها قويًا، فيجب أن ينخفض وينخفض هكذا حتى يمكن رؤيته بالعين المجردة.
بالعين المسلحة تستطيع إدراكه ولو كان في دقيقة واحدة.
وسائل رؤية الهلال المتعددة من العين المجردة إلى القمر الصناعي والحساب الفلكي
[المذيع]: صحيح، دقيقة أو نحو ذلك، أي أنه يتبقى دقيقة كما وضح لنا فضيلتكم، باستخدام المرشحات باستخدام التلسكوبات يمكن أن يلتقطه.
[الشيخ]: يستطيع، ولكن مع أن عيني لا تراه، عينك، عيني أنا معي عدسة مكبرة، نظارة مكبرة أراه، والذي بجانبي لا يرونه لأن ليس معهم النظارة المكبرة هذه.
يمكن أن أراه بالقمر الصناعي، القمر في الأعلى ويرى من مستوى الأرض، ومستوى الأرض يمكن أن يظهر لي على الشاشة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: جاء بهذا الشكل، سواء كانت مجردة أم مسلحة أم قمر صناعي أم حساب فلكي، فأنا أدركت أنه موجود. وهكذا فبعضهم قال: فما فائدته إذن؟ ولكن يجب أن نفسر الحديث الذي هو أساس الدين والذي هو مصدر الأحكام.
إن «رأى» هنا معناها علم وليس شاهد.
هل اللغة تحتمل ترجيح معنى العلم على المشاهدة وموقف أغلب العلماء عبر العصور
[المذيع]: نعم، هل اللغة تحتمل ذلك؟
[الشيخ]: نعم تحتمل ذلك. هل هذا أرجح من هذا؟ في النظر يمكن أن يكون أرجح من هذا في النظر.
بعض الناس يقول: لا، أنا لا شأن لي بهذه الضجة كلها، أغلب العلماء عبر العصور كانوا مع أي رأي؟
[المذيع]: رأي أي؟ نقول له كان مع رأي المشاهدة.
[الشيخ]: أنهم ماذا؟ يجب أن يروا. هذا أغلب العلماء.
[المذيع]: ولكن لم يكن هناك مولانا قديمًا، يعني لو من مائة سنة لم تكن هناك الأقمار الصناعية.
[الشيخ]: مناقشة هذه جميلة، مناقشة هذه جميلة. وتريد أن ترجح هذا [الرأي بالعلم والإدراك]، تقول له: لا، الأغلب هذا كان قديمًا حيث كانوا افتقدوا هذا وتشككوا في صدق وقطعية الحساب.
تغير الواقع المعاصر وقطعية الحساب الفلكي والدعوة للأخذ بمطلق الإدراك
لكن الآن لا نتشكك في قطعية الحساب، ولا نتشكك في الأدوات التي موجودة، وكذلك إلى آخره. فلنمضِ مع مطلق الإدراك وليس مع المشاهدة.
أيضًا جدل، يعني أيضًا ما يعني أناس علماء يتكلمون مع بعضهم البعض. فما يعني الكلام الذي يُكتب أحيانًا في الصحافة؟ والقسوة هي نابعة من أننا كأننا نظهر أمام العالمين بمظهر غير جيد.
التي هي التي أقول عنها إنه لا بد علينا أن نراعي مظهرنا وصورتنا في العالمين؛ لأن الناس ليسوا جميعًا يعرفون حقائقنا بشكل صحيح، وإلا فسيقولون إن المسلمين حتى لا يتخاصمون مع بعضهم البعض، ولا يعرفون كيف يتفقون على بداية شهر.
درس النبي ﷺ في مراعاة الرأي العام وعدم قتل المنافقين حفاظًا على صورة الإسلام
لا يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه عليه الصلاة والسلام. هذا هو مراعاة الرأي العام الروماني والرأي العام الفارسي.
[المذيع]: نعم، جميل، والعلاقات الدولية وكيف ستكون صورتنا.
[الشيخ]: هؤلاء أصحابه، ما هؤلاء؟ مجموعة من المنافقين.
[المذيع]: نعم، نقتل المنافق يا رسول الله.
[الشيخ]: لا، حتى لا يقولوا إن محمدًا يقتل أصحابه. على فكرة هذا ربنا أذن له أن يقتل أصحابه هؤلاء المنافقين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وقال:
﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]
قال: لا، لست سأفعل هذا.
[المذيع]: يعلمنا، صحيح.
[الشيخ]: عليه الصلاة والسلام، سيدنا يعلمنا أن الحكاية ليس الأمر كذلك. أي دعونا نتجنب الأخذ بالقوة هكذا، لا أبدًا، أنا لم آخذها بالقوة هكذا، ليس كذلك.
الخلاف الفقهي مشروع ولكن يجب مراعاة صورة المسلمين أمام العالم كما علمنا النبي ﷺ
أي ليس الأمر كذلك يا جماعة، القضية كلها تكمن في أننا نعم يوجد خلاف بين الفقهاء، ولكن أنا وأنت كفقيهين مسلمين، أنا أقول بالرأي الأول وأنت تقول بالرأي الثاني.
فأي الرأيين؟ وهناك من يقول لي: وأنا ما شأني بالناس؟ ألم يقل لنا النبي: اجعلوا لكم شأنًا بالناس.
[المذيع]: جميل.
[الشيخ]: فقال:
قال النبي ﷺ: «لولا أن قومك حديث عهد بالجاهلية لفعلت في البيت كذا وكذا»
والله وأنت تخاف من الناس؟ أليس هذا خوفًا؟ فنحن لن نقول لكل واحد في الشارع، لكل واحد في السوق العالمي: على فكرة نحن جميلون، نحن لسنا سيئين. فأنت يجب أن يكون عملك صحيحًا وليس فيه هذه التأويلات، وإلا فلا يُقال حتى لا يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه.
هذا هو العقل الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تجربة دار الإفتاء المصرية في الجمع بين الرؤية البصرية والحساب الفلكي لأربعين سنة
نعود إلى ذات المسألة، وأنا قلت إننا نريد أن نوفق بين الرأيين بحيث تبقى جميلة. وهكذا عملت دار الإفتاء المصرية تجربة نحن نسير فيها الآن نحو أربعين سنة ما شاء الله، أربعين سنة.
وهي والناس لا تعرف هذه الحكاية، أو كثير منهم يسألني على دلالة أنه لا يعرف أننا نسير بالرؤية المشاهدة أي نسير بالمشاهدة مؤيدة بالحساب.
[المذيع]: انظر الجمع، إذن أنا أقول نجمع بحيث إننا نخرج برأي.
[الشيخ]: نجمع.
[المذيع]: فضيلتكم نجمع بين الرأيين.
[الشيخ]: نجمع بين الرأيين، والحساب أيضًا ومعرفة الاثنين معًا.
الحساب الفلكي قطعي وإذا نفى وجود الهلال فلا تُقبل شهادة الرائي
إذا قال لي الحساب إن الهلال نزل قبل الشمس انتهى، الحساب هو الصادق، الحساب هو الصادق، انتهى الأمر. يعني الحساب قطعي، لا يمكن عندما نزل [الهلال] قبل الشمس وجاءني أحد يقول لي: رأيت، فيبقى رأى شيئًا خاطئًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: فالحساب يقدح في رواية الشاهد، ونقول له حينئذ: أنت لست كاذبًا، أنت مخطئ. أنت رأيت شيئًا توهمت أن ذلك القمر [هو الهلال].
يمكن أن يُرى على فكرة انعكاسات المريخ، أي يمكن أن يُرى عطارد في الوقت نفسه في مكان كذلك، وبعد ذلك يقول: هذا الهلال، هو ليس الهلال.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: معروف الرمش الذي كان مثلًا خاصًا بسيدنا أنس.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهكذا الكلام، يمكن أن يخطئ؛ لأن أضواء السماء كثيرة جدًا، خاصة من كل بصره قبل الغروب جالس ينظر إلى الشمس، ينظر إلى الشمس منتظرًا غروبها، فأجهد الشبكية، فأجهد شبكية العين، يبدأ يرى أهلة.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: سبعة وليس صحيح، ليس هلالًا واحدًا، انعكاسات ضوئية. فأنا لا أكذبه، ولكنني أيضًا بالعلم بالحساب وأقول له: هكذا والله إن الهلال نزل قبل الشمس أو مع الشمس فلا يمكن رؤيته، فلو سمحت أنت لم تره.
إذا أثبت الحساب مكث الهلال بعد الشمس تُنتظر الرؤية ويُجمع بين الأمرين
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: طيب، الهلال الحساب يقول لي سيمكث بعد الشمس خمس دقائق، ثلاث دقائق، عشرين دقيقة، لا أعرف ما هو الشيء، الواحد الذي رأيته ينتظر الرؤية.
[المذيع]: جميل، انتظر الرؤية.
[الشيخ]: ينتظر الرؤية، صدّقه؛ لأن العلم فعلًا يقول [إن الهلال موجود]. فتأتيني الرؤية وتقول لي: نعم نحن رأيناه جميلًا.
ولكن في المكان الفلاني والمكان الآخر لم تروه. نحن في دار الإفتاء المصرية نخرج إلى ثمانية أماكن في الجمهورية، ثمانية مواقع مختلفة: توشكى، وفي قنا، وفي السلوم، وفي القطامية، وفي الفيوم، وفي كذا وكذا.
ثمانية مواقع، والمواقع هذه مختارة من قبل المساحة المصرية لتكون مرتفعة وجافة وبعيدة عن كذا وليس فيها غبار وليس فيها إلى آخره.
التطبيق العملي للجمع بين الرؤية والحساب في دار الإفتاء المصرية
فأجد سبعة من الثمانية يقولون لم نره، وواحد يقول رأيناه. فأرجع إلى الحساب يقول لي: نعم، هذا القمر في هذا المكان، أو الهلال سيمكث ثلاث دقائق بعد الغروب، خمس دقائق.
فلهم حق ألا يروه؛ لأن لديهم غرب [الهلال] بعد دقيقتين أو دقيقة، كان لديهم بعض الغمام أو بعض الرطوبة أو بعض الغبار أو بعض العوائق من العوائق. وفي توشكى لم يكن موجودًا، أو في قنا لم يكن موجودًا، أو هكذا.
أجيء مصدقًا على الفور وأقول: أمام الحساب لم ينفِ [وجود الهلال]، وهناك من رآه. فيبقى إذن أجمع بين الأمرين وأقول بأن الهلال قد ثبت، وتوكلنا على الله، غدًا رمضان أو غدًا شوال.
لم يحدث تعارض بين الحساب والرؤية خلال أربعين سنة وموقف دار الإفتاء لو حدث
فإذا الحساب، وعلى فكرة لم تحدث، يعني أعطينا أربعين سنة، أي لم تحدث هذه الحالة. ما حدث هذا التعارض الذي أنا مستعد له ما حدث.
الذي هو ماذا؟ أن الحساب يقول إن الهلال ينزل قبل الشمس، وبعد ذلك يخرج لي واحد يقول لي: أنا رأيته. هذه ما حدثت هذه لأربعين سنة ما شاء الله.
ولكن لو حدثت سآخذ بالحساب ولن آخذ بصاحبنا [الذي يدّعي الرؤية].
خلاصة منهج دار الإفتاء المصرية ومجمع البحوث الإسلامية في إثبات الهلال وختام الحلقة
[المذيع]: نقدر يا مولانا، لأن وقت الحلقة بعد إذن فضيلتكم يا مولانا انتهى. نستطيع أن نقول إن فضيلتكم دار الإفتاء تعتبر أنه سأصدق الذي يقول لي أنا رأيت، ولكن بشرط أن العلم والحسابات تقول لي في إمكانية هذه المشاهدة؟
[الشيخ]: الحساب نافٍ لا مثبت، نافٍ لا مثبت.
[المذيع]: جميل ما شاء الله.
[الشيخ]: وهذا الذي عليه مجمع البحوث الإسلامية منذ سنة أربع وستين.
[المذيع]: ما شاء الله، ربنا يفتح عليك يا مولانا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا العلم، على وعد بلقاء في حلقات قادمة من برنامجكم نور الحق. في ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
