رب لترضى جـ 2 الحلقة الثامنة | قواعد الطريق إلي الله | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

رب لترضى جـ 2 الحلقة الثامنة | قواعد الطريق إلي الله | أ.د علي جمعة

28 دقيقة
  • الطريق إلى الله سبحانه وتعالى وصفه العلماء عبر القرون، وهو تنفيذ لدرجة الإحسان "أن تعبد الله كأنك تراه".
  • الله مقصود الكل في هذا الطريق، والطرائق على عدد أنفاس الخلائق، فلكل شخص خصوصية في عبادة ربه.
  • طريق الله واحد والخلاف من جهلة المريدين، وكل الطرائق توصل إلى الله كأنصاف قطر في دائرة مركزها الله.
  • الطريق مقيد بالكتاب والسنة، ويتكون من عشر مراحل تبدأ باليقظة ثم التوبة.
  • السالك يجب ألا يلتفت للكشوفات والأنوار والرؤى، فهي ليست المقصود من العبادة.
  • العلم ضروري في السير إلى الله لتجنب الوقوع في شرك الشيطان.
  • النفوس على ثلاث درجات: أمارة بالسوء، ولوامة، ومطمئنة.
  • لا بد أن يكون القلب فوق العقل والعقل فوق الجوارح حتى ينضبط السلوك.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين وسؤال عن معالم الطريق إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ربي لترضى، ومع الشباب كما تعودنا نستمع إلى أسئلتهم ونسير معهم في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

[السائل]: بلال، سيدنا، حضرتك كنت قلت لنا في حلقة سابقة أنه عندما نعرف معالم الطريق سنسير فيه بطريقة أسهل ولن نتعطل كثيرًا، فهل يمكن لحضرتك أن تخبرنا ما هي معالم الطريق إلى الله؟

[الشيخ]: الطريق إلى الله سبحانه وتعالى حاول المسلمون عبر القرون أن يعبروا عنه وأن يصفوه وأن يمهدوا هذا الطريق لمن بعدهم من الناحية الفكرية والعلمية.

درجة الإحسان في العبادة وتقسيمها إلى مرتبتين

وكل ذلك وكأنه تنفيذًا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يتكلم عن درجة الإحسان:

قال رسول الله ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه»

وهي حالة قد لا يصل إليها إلا النخبة.

«فإن لم تكن تراه فهو يراك»

وهي درجة أقل من درجة النخبة التي تعبد الله كأنها تراه.

كتاب منازل السائرين للهروي ووصف الطريق إلى الله في عشر خطوات

الطريق إلى الله سبحانه وتعالى نجد معالمه مثلًا في كتاب [منازل السائرين] إلى رب العالمين بين إياك نعبد وإياك نستعين، لأبي عبد الله الهروي الأنصاري. في هذا الكتاب كتب، وليس وحده الذي كتب، يصف الطريق إلى الله سبحانه وتعالى وكأنه مقسم إلى عشر خطوات أو درجات.

إذا سميناه الطريق إلى الله لأنه كأنه طريق في نهايته الله سبحانه وتعالى ونريد أن نصل إلى هدفنا، فالله هو مقصود الكل.

الحقيقة الأولى والثانية: الله مقصود الكل والطرائق على عدد أنفاس الخلائق

هذه أول حقيقة في الطريق: الله مقصود الكل. ماذا يعني الكل؟ يعني كل السائرين إليه. هل السائرون إليه مختلفون؟ فتأتي الحقيقة الثانية: الطرائق على عدد أنفاس الخلائق.

مهمة، كأن كل شخص منا له خصوصية في عبادة ربه، وكأنه يستقل بمسار يمشي فيه. فعدد المسارات الموجودة في الطريق على عدد أنفاس الخلائق. الخلائق كم واحد سائر إلى الله؟ خمسمائة مليون واحد سائر إلى الله، يبقى خمسمائة مليون مسار بجوار بعضهم هكذا وهم ماشون إلى الله.

اختلاف التجارب الروحية بين السالكين وكل شيخ له طريقة

[السائل]: كل شخص تجربته مختلفة يا مولانا.

[الشيخ]: كل شخص فيه مذاق مختلف الإحساس يعني، هذا الإحساس والتجليات والخطوات والوصولات والإشراقات وكل شيء، كل شخص له طريق مع الله سبحانه وتعالى.

بعد ذلك نقول: كل شيخ له طريقة، هذه هي من معالم الطريق.

طريق الله واحد والخلاف من جهلة المريدين وتشبيه الدائرة

ومن معالم الطريق أن طريق الله واحد والخلاف من جهلة المريدين. ولكي تفهم هذه القاعدة، يقول لك: أنت تعرف الدائرة؟ افترض أنك واقف أنت والخلق على محيطها، فالله هو في مركز هذه الدائرة.

كل الطرائق توصل إلى الله، كل الطرائق في الدائرة تعمل ماذا؟ نصف قطر. نصف القطر هذا متساوٍ، فلا تكون دائرة إلا إذا كان نصف القطر متساويًا. نصف القطر المتساوي معناه أن كل الطرائق في العبادات تصل بك إلى الله سبحانه وتعالى.

فلماذا يتنازع الناس ويقول هذا: أنا لا أعرف، شاذلي، وهذا رفاعي، وهذا كذا؟ قال: والخلاف من جهلة المريدين. هذا يكون جاهلًا، هذا يقول لا أعرف قواعد الطريق. قواعد الطريق أن أصلًا الطرائق على عدد أنفاس الخلائق، وأصلًا أن كل شيخ له طريقة لأنه له مكان في الدائرة، وأصلًا طريق الله واحد والخلاف من جهلة المريدين.

اختلاف الاتجاهات مع وحدة الطريق وتقييده بالكتاب والسنة

وبالرغم من أن طريق الله واحد بمعنى أن كلها أنصاف كثيرة وكلها متساوية، إلا أن اتجاهاتها مختلفة، مشاربها مختلفة. فأنت على يمين الدائرة وغيرك على شمالك، تتوجه إلى الغرب وهو يتوجه إلى الشرق، وكلهم من رسول الله ملتمسٌ غُرَفًا من البحر أو رَشْفًا من الدِّيَم.

وواقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم أو من شَكْلة الحِكَم، فهو الذي تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النَّسَم صلى الله عليه وسلم.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ﴾ [البقرة: 143]

جمع شهيد، شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا. إذن الرسول هو كما يقول الجنيد: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. اكتب هكذا، وانتبه لهذا الأمر أن طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، يعني لا يخرج أبدًا عن الكتاب ولا يخرج أبدًا عن السنة.

من معالم الطريق عدم الالتفات إلى الكشوفات والأنوار أثناء السير إلى الله

من ضمن معالم هذا الطريق الذي يقول الهروي إنها عشر خطوات أو عشر مراحل، أنك وأنت تسير فيه لا تلتفت؛ فإن الملتفت لا يصل. لا تنبهر بكشف الأستار، بالكشف، بالأنوار، بما لا أعلمه. ليس هذا هو المقصود.

أنا لا أعبد الله من أجل أن أنال لذة وسعادة، أنا أعبد الله لأنه يستحق مني العبادة. تأتي اللذات والسعادات وانكشاف الأسرار وتنزل الأنوار، هذه أمور لا تلتفت إليها؛ فهي ليست الأساس، ليست هي الأساس، ولا شأن لي بها.

التحذير من طلب الرؤى والكرامات وأنها ليست هدف الطريق

ولذلك يأتي شخص ويقول لي: أنا في الطريق لكنني لم أرَ رؤى بعد، أريد أن أرى رؤى، أريد أن أشغل هوائي الخاص بي. الله! كان مشايخنا يقولون: هؤلاء لا يريدون شيخًا، بل يريدون حاويًا، يريدون حاويًا يدخل معنا الطريق اليوم أو غدًا يرى رؤى.

القضية أن هذه الأشياء كلها مثل الرؤى وما شابهها هي مجرد بُشرى، أي أنها أمور لا نقف عندها ولا نلتفت إليها ولا نريدها أصلًا.

موقف أولياء الله من الكشف واعتباره ابتلاء لا نعمة

وكان أهل الله إذا كُشف عنه سترٌ معين، أي ستر مثل هذا؟ ينظر إليك هكذا ثم يقول لك: على فكرة، أنت ارتكبت معصية اليوم. لقد كان الأولياء عندما ينظر إليك أحدهم هكذا ويرى كأنه عرف أنك ارتكبت معصية، يبكي ويسجد لله ويقول له: ماذا فعلت؟

كأن الكشف عقوبة، كأنه عقوبة وليس رغبة وشهوة. يقول: طيب أنا فعلت ماذا؟ طيب ما شأني أنا؟ أنا لست معنيًا بأن فلانًا فعل أو لم يفعل، أنا لا شأن لي بالناس. فأنت هكذا يا ربي، كأنك تفتنِّي، ومعنى أن تفتنِّي تعني أني فعلت شيئًا خاطئًا، أرشدني كي لا أفعله، حتى يسد عليه الشيء [أي الكشف].

خطورة الالتفات إلى الكرامات بدون شيخ ووجوب إخلاص النية لله

الذي أحيانًا يصير شخصًا آخر ليس من أولياء الله ولا شيء يفرحون به، فأحيانًا يحدث هكذا. فإذا لم يكن له شيخ يلتفت إلى هذه الأمور فيضيع تمامًا.

لقد قالوا: لا يا جماعة، يجب علينا إخلاص النية لله، والأمور التي تحدث أثناء العبادات هذه لا نلتفت إليها: الرؤى والهواتف المسموعة.

فالشيخ يقول لك هكذا ويدلك على ذلك ويجعلك واثقًا في نفسك أنك لم تترك شيئًا مهمًا. لا أبدًا، إنه يقول لك الحقيقة أن العبادة إنما هي:

﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]

وليس إلا.

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

قصة سيدنا عبد القادر الجيلاني ونجاته بالعلم من فتنة الشيطان

مرة سأحكي لكم حكاية سيدنا عبد القادر الجيلاني، وانظر إلى العلم لأن الطريق إلى الله مسيرته فيها علم، ولولا العلم لما كان حال الإنسان جيدًا.

كان جالسًا في الخلوة يسبح وما إلى ذلك، فيقول: فأضاءت الخلوة نورًا عجيبًا، أحس فيه برهبة وحلاوة. وقال له: فسمعت صوتًا ما سمعت أحلى منه قط: يا عبد القادر. فقال: لبيك. لبيك كلمة في اللغة معناها نعم، لبيك.

فقال: لقد قربناك. قال: فذبت كما يذوب الملح في الماء. ما هذا؟ هذا ملك أم شيء آخر يقول لي: قد قربناك! يعني كثيرة جدًا هذه. وأحللنا لك الحرام.

فقال له: اذهب يا لعين، أنت تضحك عليّ أنا! أحللنا لك الحرام؟! حرام ماذا الذي تحلله؟! ما لو كان الواحد عندما يتطور عند الله ويترقى يُحَلّ له الحرام، كان أُحِلَّ للنبي عليه الصلاة والسلام.

لكن هذا يقول:

﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]

الذي هو الموت، يعني عايش على الدوام في عبادة، كيف هذا الكلام؟ اذهب يا لعين.

قال: فانطفأ النور وسمعت حشرجة ما سمعت أسوأ منها قط. وقال: علمك نجاك يا عبد القادر، أخرجت بمثلها سبعين من ديوان الولاية.

الدروس المستفادة من قصة الجيلاني وتحذير ابن تيمية من فتن العبادة

بسم الله الرحمن الرحيم. ذكرنا قصة سيدنا عبد القادر الجيلاني التي نتعلم منها أن ملتفتًا لا يصل، وإنه لا بد في السير إلى الله من العلم، وأن ليس المقصود أن أسمع صوتًا أو أن أرى نورًا أو أن أشعر بسعادة أو لذة؛ فكل هذه لوافت وفتن يجب أن نحرر قلوبنا منها ونحن نسير إلى الله سبحانه وتعالى.

ولذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول إن بعض العباد، في كتاب له اسمه [الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن]، أو قد يكون بالعكس بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، هي هكذا أو هكذا الفرقان.

قال فيه إن بعض العباد يظهر له كرسي منير في السماء. يحدث هكذا يعني، حدث ما هو أننا جئنا بالتصوف هذا وهو كثير من التجربة سُجلت لكي نتقي الشرور والوقوع في مثل هذه الورطات.

فيظهر له هكذا كرسي نوراني عليه شيء ما ويقول له: أنا ربك فاسجد لي. حسنًا:

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]

يعني:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

كيف؟ قال: فلو سجد كفر؟ لو سجد، فإنه أصبح يسجد للشيطان أو يسجد لشيء كهذا. العلم مهم من معالم الطريق.

سؤال عن كيفية التمييز بين الواردات الربانية والشيطانية وأهمية العلم والشيخ

كما يقول الهروي، أنه [الطريق] مقسم إلى عشر مراحل، عشر مراحل.

[السائل]: نعم سيدي، كيف أعرف؟ يعني جاءني وارد مثلًا، كيف أعرف أنه هذا؟ شيء أو وارد أو شيء كما تحكيه أنت، من أين لي أن أعرف؟

[الشيخ]: أنا لا أعرف. إما أن تتعلم، وإما أن يكون لك شيخ، وإما ألا تسلك هذه الطرق الوعرة في العبادة.

القضية هي أنك أنت، الهدف أن تعبد الله كأنك تراه. والله قال:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

إذن فإما أن تسألوا أهل الذكر.

تفسير أهل الذكر وأنهم أهل القرآن والعلم الرباني

من هم أهل الذكر؟ أهل القرآن.

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

أهل الذكر هم أهل الكتاب، الكتاب الرباني؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ فَسْـَٔلُوٓا أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]

نسأل من يعني؟ اسأل اليهود والنصارى: إن ربنا سبحانه وتعالى كان ينزل ملائكة أم كان يرسل بشرًا؟ فذهبوا وسألوا: يا جماعة اليهود، أنتم نزل عليكم أنبياء ونزل عليكم كتاب، كان ربنا عندما يريد أن يخاطبكم هل كان يرسل واحدًا منكم؟ قالوا لهم: نعم، يرسل واحدًا منا، وهذا مثل الأنبياء موجودون.

أم ينزل ملك؟ لا، ليس ينزل ملك. لا يا جماعة المسيحيين، أنتم الحقيقة أنه عندما يكلم ربنا أحدًا أو يرسل أحدًا إلى قوم، يرسل شخصًا أو يرسل ملكًا؟ الله يرسل واحدًا منا.

هكذا فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. فأهل الذكر هؤلاء ليسوا أنبياء، هؤلاء المذكورون ليسوا رسلًا؛ لأنه لم يكن هناك رسل في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ولا أنبياء. هذا يرشدني إلى أن أذهب وأسأل أهل العلم وأهل القرآن.

المرحلة الأولى من مراحل الطريق العشر وهي اليقظة من الغفلة

بعد ذلك لأن القرآن هو ذكر:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]

حسنًا، فالمراحل عشرة. ما هي أول مرحلة في الطريق؟ اليقظة.

أول مرحلة يقول عنها إنها اليقظة. اليقظة من ماذا؟ من الغفلة. الغفلة من ماذا؟ الغفلة من عدم معرفة حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال وأنها فانية، وأن الله سبحانه وتعالى هو الباقي، وأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة.

وأنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة، لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز العرش.

غفلة الناس عن حقيقة الدنيا وحب الدنيا وكراهية الموت

إن القضية واضحة تمامًا، ولكن بعض الناس نائمون غير منتبهين بالرغم من أنهم يرون الموت كل حين. لكن المرء يكره ذكر الموت ولا يستحضر من هذا الموت إلا حب الدنيا.

ولذلك:

قال رسول الله ﷺ: «ويُلقى في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت»

عندما يعرف المرء حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال وأنه يحب أن تكون في يده لا في قلبه، اليقظة هي أول خطوة من المراحل العشرة، أول مرحلة هي اليقظة.

تقسيم الناس إلى عوام وخواص وخواص الخواص ومراتب النفوس

ويقول لي حقيقة ثانية أن الناس ليست مثل بعضها، ففيهم عوام وفيهم خواص وفيهم خواص الخواص، فتصبح على ثلاث درجات بالإجمال هكذا.

والناس ليست في نفس واحدة، فهذه النفوس أيضًا مختلفة. فهناك نفس أمارة بالسوء:

﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوٓءِ﴾ [يوسف: 53]

في القرآن. وهناك نفس لوامة تلوم صاحبها هكذا وتُشدد عليه لكي تجعله دائمًا يحاسب نفسه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.

وهناك نفس راضية أو يقال عنها الملهمة، راضية مرضية مطمئنة كاملة. فالنفوس مختلفة، والدرجات مختلفة، والمراحل مختلفة.

تفصيل مرحلة اليقظة في حق العوام والخواص والانتقال إلى مرحلة التوبة

الله أدخلها علمًا وبدأ يكلمنا: هذه اليقظة مع المرتبة الأولى، كيف تكون في حق العوام، وكيف تكون في حق الخواص، وكيف تكون في حق خواص الخواص.

وينتقل بنا إلى المرحلة الثانية وهي التوبة، نتوب إلى الله سبحانه وتعالى. وينتقل بنا إلى المرحلة الثالثة، وهكذا يأخذ هذا الكتاب [منازل السائرين] في التدرج وكأنه يسير بك شيئًا فشيئًا.

والمقصد هو أن تتم هذه المعاني حتى تصل إلى أن تعرف الحقيقة كاملة مستقرة، وأن تتعامل بها. لماذا؟ لأن الدنيا فانية، ولأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

ضرورة التطبيق والاستمرار وأن يكون القلب فوق العقل والعقل فوق السلوك

حسنًا، لقد عرفتها وعرفت معناها. لا تكفي المعرفة، لابد من التطبيق. وأنا عندما أطبق هذا أيضًا لا يكفي هذا التطبيق، لابد أن تعيشها، لابد أن تعيشها، تعيش هذه المعاني.

لقد جربت أن أعيشها هكذا يومًا أو شيئًا ما، لا، بل يجب أن تستمر وتملك فؤادك وذهنك.

ويقول: لكي نصل إلى هذه الحالة لا بد أن يكون القلب فوق العقل والعقل فوق السلوك. لا بد أن يكون القلب فوق العقل والعقل فوق الجوارح، فوق السلوك.

صراع النفس الأمارة بالسوء ودور العقل في ضبطها

والإنسان الذي يريد أن يرتكب معصية بجوارحه:

والنفسُ كالطفلِ إن تُهمِلْهُ شبَّ على حبِّ الرَّضاعِ وإن تَفطِمْهُ يَنفطِمِ

فحاذِرِ النفسَ والشيطانَ واعصِهِما وإن هما مَحَّضاكَ النُّصحَ فاتَّهِمِ

ولا تُطِعْ منهما خصمًا ولا حَكَمًا

فأنت تعرف كيد الخصم والحكم. ستتلاعب عليك نفسك، فنفسك تأمرك بأن تفعل السوء، فيقوم العقل بضبطها ويقول لها: لا، انتبهي، هذا الذي ستفعلينه حرام، والحرام معناه أنه يغضب الله، ونحن ليس لنا أحد غير ربنا. اعقلي هكذا واهدئي بالله يا نفس، والله يهديك.

الفرق بين وسوسة الشيطان وإلحاح النفس الأمارة بالسوء

النفس دائمًا ترجع لك هكذا تقول لك: ولكن يعني نفعلها هذه المرة وانتهى الأمر. فتقول لها: لا، اعقلي، هذا لن يحدث شيء. وهي من الصغائر يعني ليست من الكبائر. تقول لها: لا اعقلي، اسكتي، تجاوزيها هذه المرة.

الشيطان يأتي ويلقي إليك وسوسته ثم يهرب ولا يعيدها؛ فهو وسواس خناس، يوسوس ثم يختفي. لكن النفس تعيد دائمًا؛ فهي أمارة، أمارة إنها تصير كصيغة مبالغة يعني تأمر وتأمر مرة أخرى وتأمر مرة أخرى وتلح.

عندما ترى أنها تلح عليك في المعصية، فاعلم أنها من نفسك. ألقيت هكذا وفكرت فيها وجرى، هذه من الشيطان. نفسي تلح عليّ وأنا العقل يضبطها.

دور العقل في تقييد النفس وضرورة أن يتحكم القلب في العقل لا العكس

ولذلك سمي عقلًا. العقل هو ماذا؟ قطعة حبل نعقل بها البعير أو نعقل بها الشيء أو ما شابه هكذا. الحبل يقيّد البعير كي لا يجري هنا ولا يذهب هناك. العقل يفعل معي هكذا أيضًا، يقيدني قليلًا.

لكن ينبغي على العقل عندما يفكر أن يقول: لا. لكن هذا في مصلحة يا صديقي، وفيه مال وفيه دنيا، وأنت ستجلس الآن تخرب بيتي. فيقوم القلب بالتحكم في العقل، وهذا ينبغي هكذا.

لكن أحيانًا السلوك يتحكم في العقل، والعقل هو الذي يتحكم في القلب يُسكته. أسكت! لا، نحن نريد الإنسان السوي، نريد الإنسان الفاضل الذي يسير باليقظة وبمعرفة حقيقة الدنيا.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.