رب لترضى جـ 2 الحلقة الثانية عشر | طبائع النفوس وتغيرها | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

رب لترضى جـ 2 الحلقة الثانية عشر | طبائع النفوس وتغيرها | أ.د علي جمعة

27 دقيقة
  • التخلية من الصفات القبيحة تستدعي التحلية بالصفات الحسنة، فالقلب لا يقبل الفراغ.
  • تتم عملية التخلية من خلال ثلاثة إجراءات: المعرفة والمراقبة والهمة.
  • المعرفة تعني أن يعرف الإنسان حقائق الصفات القبيحة كالكبر والحسد والرياء.
  • المراقبة هي مراقبة النفس ومحاسبتها قبل أن تُحاسب، كما قال النبي ﷺ.
  • الهمة تعني العزيمة القوية والقرار الحاسم في ترك المعاصي والقبائح.
  • الذكر يعد بمثابة وقود يساعد على التخلية، فهو ينشئ بيئة تجعل القلب قابلاً للتخلي عن الصفات القبيحة.
  • التوبة لها درجات: توبة من المعاصي، وتوبة من التعلقات، وتوبة من السوى.
  • الثقة بالنفس واحترامها أمر ممدوح، بينما الكبر والتعالي على الخلق صفات سلبية.
  • لا يجب ترك العمل الصالح خوفاً من الرياء، كما لا ينبغي المجاهرة بالمعاصي.
  • المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير.
محتويات الفيديو(28 أقسام)

مراجعة منهج التخلية من القبيح والتحلية بالصحيح وأدواتها

بسم الله الرحمن الرحيم، رجعنا من الفاصل حتى نكمل المسيرة في كيف نجعل قلوبنا خالية من القبيح. وفي حلقة سابقة قلنا أنه بمجرد التخلية من القبيح فعلًا ستتم التحلية بالصحيح، وتبقى تحتاج فقط إلى دفعة بسيطة أن نتعلم هذا الصحيح.

مثل التواضع الذي يقابل الكبر، ومثل الحب الذي يقابل الكراهية والبغض، مثل الصفاء الذي أمام الشحناء، مثل هذه الأشياء. فنركز على التخلية ونقدمها حتى في الذكر وفي الدراسة وفي النظر؛ لأن التخلية والتحلية وجهان لعملة واحدة، والعالم لا يعرف الفراغ.

الهمة العالية شرط أساسي لتحقيق التخلية من القبائح

والسؤال الذي بدأنا به هو: كيف تتم عملية التخلية؟ قلنا أولًا بالمعرفة، وقلنا ثانيًا بمراقبة الذات، وثالثًا بالهمة.

تخلية [القلب من القبيح] تتم بهذه الخطوات. النقطة الثالثة هي أن يكون لدى المرء همة عالية. بعض الناس يأتيني ويقول: أنا أريد ذكرًا يُحدث لي همة.

وأتذكر عندما كنا شبابًا صغارًا، كنا نذهب إلى سيدنا الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري ونسأله هذا السؤال: أليس هناك أذكار تجعل لنا همة هكذا؟ فكان يضحك ويقول: لا، ليس هناك، ليس هناك أذكار تصنع هذه الهمة.

الهمة قرار إنساني حاسم وليست نتيجة أذكار فحسب

هذه الهمة كأنها سر التكليف، فالله كلفك لأجل أن تعمل وليس لأجل أن تذكر الأذكار فقط، بل لأجل أن تعمل. فالأذكار هي التي ستؤثر فيك وستجلب لك معينًا معك. لا، فالهمة هذه قرار من الإنسان، هو الذي يقرر.

سأتوقف عن التدخين، حسنًا توقف عن التدخين، وارمِها الآن علبة السجائر هذه. سأتوقف عن التدخين يعني سأتوقف نهائيًا، إنه قرار حاسم بعزم وهمة.

والآخر تجده كأنه يفعل كيف؟ مثل البسكويت في الشاي، ها! فنقول له: لا، شد حيلك قليلًا، شد حيلك قليلًا.

المؤمن القوي خير من الضعيف وقصة حسان بن ثابت في رقة الطبع

هذا يذكرنا بقول النبي عليه الصلاة والسلام:

قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير»

أيضًا الضعيف يعني لسنا سنكفره ولا سنفسقه ولا سنرميه، بل إن الضعيف أيضًا فيه خير. فيذكرنا بسيدنا حسان بن ثابت من ناحية الهيجاء والحرب وما شابه ذلك، فهو ضعيف ولكنه كان شاعرًا، والشاعر تجده رقيق الحاشية.

فعندما جاءت السيدة صفية عمة النبي صلى الله عليه وسلم وجاء اليهودي ليفعل [ما يريد]، قالت له: انزل فاقتله. قال: لا، لا، أنا لا أستطيع، لا أعرف كيف أقتل. فقتلته [السيدة صفية بنفسها].

قصة حسان بن ثابت مع السيدة صفية ورقة طباعه رغم إيمانه

فقالت: حسنًا، انزل واسلبه، يعني كانوا يخلعون منه الأشياء التي يرتديها وما شابه. رفض. قالت له: هذا رجل وأنا سيدة، فاستحييت أن أخلع ملابسه، انزل أنت. قال: بعد أن مات!

فهذا يدلك على رقة الطباع جدًا، ولكن بالرغم من ذلك سيدنا حسان بن ثابت هذا شاعر الرسول، هذا النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان يقول له:

«قل وروح القدس تؤيدك»

كل هذا يجعلنا نعرف أن هناك مؤمنًا قويًا وهناك مؤمنًا ضعيفًا.

قصة نعيمان وضعف بعض المؤمنين مع بقاء محبتهم لله ورسوله

سيدنا نعيمان عندما كان يذهب ليشرب الخمر، كان لديه ضعف، ويرتكبون بعض المخالفات وبعض الخطايا وكذلك في ضعف، ولكن قالوا إنه يحب الله ورسوله.

[السائل]: ففي جزء ثانٍ محمد، حضرتك سيدي يعني حضرتك حكيت لنا قبل ذلك عندما أول شيء نقوم به عندما نذهب إلى الشيخ، يعني عادة هو يعطينا الأذكار وهكذا، فيبدو لي أنه يعطينا هذه الأذكار وأنه يصب علينا من الخير، يعني يُجمّلنا بالأذكار وأنها تُنظّف الداخل، ولكن حديثك يقول لنا: لا، يجب علينا أن ننظّف أولًا، وبعد ذلك...

[الشيخ]: لم أقل أولًا، حسنًا، لم أقل أولًا. نعم، حضرتك لم تقل أولًا، هل انتبهت؟ أنا أسحبها.

العمليات الإجرائية للتخلية هي المعرفة والمراقبة والهمة

[السائل]: بلال يسأل: كيف؟ ما هي العمليات الإجرائية التي إذا تمت تُحدث عملية التخلية؟

[الشيخ]: فقلت له المعرفة، وقلت له المراقبة، وقلت له الهمة. هي هذه فعلًا العمليات التي تتم لكي نخلي القلب من القبيح.

عندما نذكر الله، فإن هذا الذكر ينشئ بيئة حولي تجعل قلبي قابلًا للتخلي عن هذه الصفات القبيحة، وتجعل في داخلي نور بصيرة أدرك به تلك المعرفة، وتجعل وقودًا لهذه الهمة التي نتحدث عنها.

تشبيه الذكر بالأرض والصلاة بالشجر في تزكية القلب

فقد مثّلت لك قبل ذلك في حلقة سابقة الذكر بالأرض، وقلت لك لكن المقصود ليس أن أمتلك أرضًا، المقصود أن آكل وأشرب عن طريق الشجر، فلا بد أن ننبت الشجر فيها. فالشجر هذا الذي هو الصلاة، لكن الشجرة تأخذ كم من الأرض؟ قطعة صغيرة. ماذا الكبير؟ الأرض الذي هو الذكر.

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

أثر الصلاة هكذا: الصلاة الصحيحة تامة الأركان التي فيها خشوع تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

تشبيه الذكر بوقود السيارة والتخلية بتنظيفها في المحطة

فالأمر أن هذا الذكر هو بمثابة وقود السيارة، لكنه يسألني عن ماذا عن السيارة [نفسها]؟ فعندما تذهب إلى الشيخ فيعطيك البنزين الخاص بالسيارة لكي تضعه فيها. حسنًا، إذا وضعت البنزين في السيارة وأدرتها فستعمل وسرت بها.

هل تعلم إلى أين أنت ذاهب بها؟ أنت تسير بها إلى المحطة لتنظيفها. إذن، ما سبب التنظيف هنا؟ أو ما هي أسبابه؟ أو كيف استطعت الوصول إليه؟ بالبنزين.

فهذا الذكر هو بنزيننا الذي هو وراء أو يؤثر فيه المعرفة، والذي يؤثر فيه المراقبة ويساعد عليها، والذي يؤثر فيه اشتعال الهمة ووجودها.

كيف تُدفع عملية التخلية بالذكر والفكر لتؤتي ثمارها

فكيف تتم التخلية؟ تتم التخلية بهذه الإجراءات. سيسأل سؤالًا بعد ذلك يقول: كيف أساعد هذه العملية المكونة من تلك الإجراءات لكي تندفع وأن تنطلق؟ وأن تؤتي ثمارها بالذكر.

وعلى فكرة وبالفكر الذي هو أساس الطريق. فلو كانت السيارة موجودة وليس فيها وقود، فهي موجودة ومصنعة ومركبة جيدة لا بأس بها وصحيحة، لكنها لن تتحرك وستبقى كما هي.

أما إذا كان فيها وقود فستعمل، حتى لو لم تكن جميلة جدًا، أو حتى لو كانت ليس منظرها جميلًا، أو حتى لو كان فيها غبش أو فيها أمور أخرى إلى آخره، لكن ستمشي.

العلاقة بين التوبة والتخلية ودرجات التوبة الثلاث

[السائل]: أحمد، حضرتك هكذا في ترادف في المعنى بين التوبة وبين التخلية.

[الشيخ]: التوبة درجات، التوبة درجات ومراحل ولها شروط. فهناك توبة من المعاصي، وهناك توبة من التعلقات، وهناك توبة من السوى، في ثلاث مراتب.

التوبة من المعاصي هي التخلية، أي أنني أترك هذه المعاصي التي ذكرناها: الكبر والغل والحسد والرياء إلى آخره.

التوبة من التعلقات وعبادة الله لذاته لا طمعاً ولا خوفاً

لكن هناك توبة ثانية وهي التوبة من التعلقات، أن أعبد الله لأنه يستحق مني العبادة، لا طمعًا في جنته ولا خوفًا من عذابه. بالرغم أن الطمع في جنته والخوف من عذابه معتبر معتمد، لكن أنا تجاوزت هذا بأنني أعبده لذاته.

أما التوبة من السوى فهي التوبة من هذه الأكوان وإخراجها من القلب، على حد قول الصالحين: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا. وحينئذ لا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود.

التخلية جزءًا من التوبة وهي درجة عالية، تستطيع أن تسمي كل هذا توبة.

ختام الحلقة وافتتاح حلقة جديدة حول خطوات التخلية والتحلية

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى مع شبابنا.

[السائل]: نبدأ السؤال ببلال، تفضل يا بلال. سيدنا، كيف يقوم المريد بعمل التخلية والتحلية؟ يعني ما الخطوات التي أقوم بها؟ كيف أبدأ بالتخلي وبعد ذلك أتحلى؟

[الشيخ]: أول درجات التخلي المعرفة، أن أعرف القبيح، لابد أن أعرف ما معنى الكِبْر.

الفرق بين الكبر المذموم والثقة بالنفس الممدوحة شرعاً

ومرةً تعرضنا سريعًا للفرق بين الكِبْر الذي هو غمط الحق وبين الاعتزاز بالنفس أو الثقة في النفس. الثقة في النفس من الأخلاق الحميدة؛ لأن اليد المرتعشة في اتخاذ القرار، ولأن التردد والحيرة ليست من صفات الكمال، هذه من صفات النقص.

ولذلك فإن الاعتزاز والعزة واحترام النفس والثقة بالنفس أمر ممدوح. ولكن الكِبْر بمعنى العناد والغباوة في التعامل والإصرار على الخطأ والتمادي فيه والتكبر على الخلق والترفع عليهم، كل هذا صفات سلبية.

فأول شيء لا بد أن نعرف حقائق هذه المهلكات.

مراقبة النفس ومحاسبتها على مصداق حديث النبي ﷺ

ثاني شيء لا يمكن أن تتم عملية التخلية إلا بعملية المراقبة، وهذا على مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»

[السائل]: مراقبة ماذا يا مولانا؟

[الشيخ]: مراقبة النفس. وكان سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] قد وصل إلى حد ما يسمى بمراقبة الأنفاس، يعني المراقبة على مستوى دخول النفس وخروج النفس.

مراقبة الأنفاس عند سيدنا عمر واستحضار الموت في كل لحظة

فكان [سيدنا عمر] عندما يدخل نَفَسًا - طبعًا هذه درجة عالية جدًا لا تُحَصَّد إلا بالتدريب المستمر وباليقظة المستمرة - لا يأمل أن يخرج. الله! ما هو كذلك، داخله من الممكن ألّا يخرج، حتى أموت.

حسنًا، عندما تعلم أنك ستموت الآن حالًا في هذه اللحظة، أتعصي؟ أتفسد في الأرض؟ أتتكبر؟ ستنشغل بروحك بمصائبك التي أنت فيها وبقصورك وتقصيرك إلى آخره.

ولا يخرج نفس ويأمل أن يدخل، يقولون: السلام عليكم، أنت آخر نفس عندي، آخر نفس خارج.

عظمة الصحابة في المراقبة وعلامات الساعة في سب أول الأمة

هذا الشيء العالي جدًا هذا، هذا مثل المثال الأتم على قليل. وهذا الذي جعل الناس تعظم سيدنا أبا بكر، تعظم سيدنا عمر، تعظم هؤلاء الناس. وصلت [هذه المراتب] إلى مراتب يعني لن نتمكن من الوصول إليها.

والناس تستغرب: لماذا هؤلاء؟ ألا تخبرونا بشيء مما هم عليه الآن؟ فهؤلاء المعاصرون أفضل! ولذلك يقول لك إنه من علامات الساعة أن يسب آخر هذه الأمة أولها ويتكبروا عليهم.

أما من العلامات الخيرية أنك تعرف أن هؤلاء الناس، خاصة صحبة سيدنا صلى الله عليه وسلم، قد وصلت إلى درجات عليا في التدريب.

الصحابة نموذج للتنمية البشرية الحقيقية من الجاهلية إلى نور الإسلام

[السائل]: في ما يسميه محمد التنمية البشرية.

[الشيخ]: نعم، هذه ألفاظ جديدة لكنها على فكرة موجودة. هؤلاء الناس كانوا في جاهلية فخرجوا إلى نور الإسلام وحصلت لهم تنمية بشرية، حصلت لهم التخلية من القبيح والتحلية بالصحيح.

فلكي تخليه [القلب من القبيح]، يجب أولًا أن تعرفه. ثانيًا، لابد أن تراقب نفسك.

كيفية مراقبة النفس عملياً والتأمل في حديث النفس عند الصلاة

[السائل]: قد تتساءل: كيف أراقب نفسي عمليًا يا مولانا؟ فأنا لست مستوعبًا لهذا الأمر تمامًا.

[الشيخ]: المقصود هو أن تركز وتنتبه لذاتك، وتتأمل هل تقع في خطأ أم لا، عندما تتعامل مع الآخرين أو مع نفسك.

فمثلًا، عندما تصلي ركعتين أو صليت الظهر، فإنك تحدث نفسك قائلًا: هل أقوم لأصلي السنة لكي يراني الناس أم أنني لا أصلي السنة؟ هذا حديث نفسٍ عليّ أن أراقب حديث النفس هذا.

مراقبة النية في صلاة السنة والتمييز بين الإخلاص والرياء

حسنًا، لن أصلي السنة حتى لا أكون قد فعلت شيئًا أمام الناس في المسجد وأنا لا أفعله عادةً. فأنا كل يوم أصلي الظهر هكذا بدون سنته، فلماذا الآن؟ أتعجب!

أقوم أصلي السنة وأنت تراقب نفسك. فالمعرفة الآن تخبرك بماذا؟ الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه [تلبيس إبليس] يقول لك: هذا من تلبيس إبليس الذي يقول لك: لا تصلِّ؛ لأنك إذا صليت ستكون مرائيًا.

قل له: لا شأن لك! انظر إلى القوة، انظر إلى الثقة بالنفس، قل له! لا شأن لك، منافق منافق، ما دخلك إن كنت منافقًا أم غير منافق.

لا تترك فعل الخير خوفاً من الرياء فإن الترك أيضاً رياء

المهم ألا يمنعك ذلك من فعل الخير، حتى لو كان فيه رياء. هو يلقي إليك هذا الأمر موهمًا أنه لا يوجد فيه رياء ولا شيء. قم وصلِّ الركعتين ولا تهتم بأحد، حتى لو كان فيها رياء.

هذه ملقاة إليك من داخلك، هل قال لك أحدٌ أنك صليت ركعتين؟ كلنا نصلي الركعتين ونصلي الأربع ركعات، ولم يسأل أحدٌ عن أحد. هل يوجد أحدٌ يراقبك ويعرف إن كنت صليت الركعتين أم لم تصلِ؟ هذه أوهامك بينك وبين نفسك.

فانظر إلى المعرفة وانظر إلى مراقبة النفس ماذا ستؤدي إليه.

نصيحة ابن الجوزي بعدم ترك العمل لأجل الناس فإن تركه أيضاً رياء

وانظر إلى معلومة الشيخ أبو الفرج [بن الجوزي] هو الذي قال لنا فيها: لا تهتم، قم وصلِّ الركعتين. لا تترك العمل لأجل الناس، ولكنك أيضًا هكذا، على فكرة، تركت الركعتين لأجل الناس.

فإذا كنت تظن أن فعلهم رياء، فتركك لهما أيضًا رياء. ماذا فعلنا إذن؟ لماذا تحيروننا؟

لا، انظر إلى جانب الفعل واعمله.

الصدقة في السر والعلانية وعدم ترك الخير بسبب وساوس النفس

إن أردت أن تتصدق، فالصدقة قد تكون في السر وقد تكون في العلانية. فقد يأتي مستحق الصدقة وأنا لا أريد أن أعطيه الصدقة أمامكم، فإذا ذهبت ولم أعطه صدقة، ماذا حدث؟ لا يا أخي، خذ الصدقة هنا أمام الناس؛ لأنها في السر والعلانية لا مانع منها.

وهناك أيضًا حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، فهناك هذا وهذا. ما الفائدة من الصدقة العلنية؟ هي أن تقلدني وتضع يدك في جيبك وتعطيه، فيصبح الرجل بهذا الشكل أو يستفيد السائل، فنكون قد فعلنا الخير.

دائمًا نفعل الخير ولا يهمنا أمر هذه الإلقاءات النفسية. مِمَ تخاف؟ أتخشى أن يكون رياءً؟ حسنًا، جميل هكذا، افعل إذن. هل أنت منتبه؟

العمل الصالح هو الذي يحدد خلو القلب من الرياء لا الوساوس

إذن أنا أهتم بهذه الأمور وأجعل دائمًا العمل هو ما سيحدد لي في النهاية أن قلبي ليس فيه رياء ولا شيء؛ لأنني عملت ولأنني فعلت الخير.

[السائل]: أحمد، حضرتك هذا الكلام ينطبق أيضًا على الكف عن المعصية، يعني أنا أرتكب معصية ولا أريد أحدًا يراني، يعني يخاف أن يراني أحد فيقول عني أنني أرتكب معصية.

[الشيخ]: فليس معنى ذلك أن أبتعد عنه حتى لا يراني وأستمر في ارتكاب المعصية، ولا أتوقف عنها إلا لأنني أخشى أن يراني ويقول عني أنني أعصي، وليس لأنني أخاف من الله.

المجاهرة بالمعصية فيها ذنبان والستر أساس الشريعة

هم درجات عند الله. المجاهرة بالفحشاء فيها ذنبان: ذنب الفحشاء والذنب، وذنب أنك أنت جاهرت به.

قال رسول الله ﷺ: «إذا بُليتم فاستتروا»

أتفهم كيف أن الستر هو أساس الشريعة؟ فإذا حدثتني نفسي أن أرتكب ذنبًا وغلبتني على نفسي، فلا أرتكبه أمام الناس.

ارتكابي له عليه إثم في الخفاء، أما ارتكابي له أمام الناس ففيه مصيبة أكبر وهي الاستهتار بالإثم.

حديث النبي ﷺ في ذم المجاهرة بالذنوب وعقوبتها المضاعفة

وعندما أقوم بالمجاهرة، فإن ما أفعله في السر يكون عليه ذنب وإثم ومعصية وعقاب، أما أمام الناس فالعقاب مضاعف: واحد للذنب وآخر للاستهانة أو للمجاهرة.

ولذلك يقول سيدنا [رسول الله ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «يغفر الله للجميع إلا للمجاهرين»

قالوا: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال:

«الرجل يفعل الذنب بالليل، من ضعف كل ابن آدم خطّاء، فيُصبح فيقول: فعلتُ كذا وفعلتُ كذا»

الشفافية المزعومة في المعاصي من تلبيس إبليس والأمر بالستر

بعض الثقافات المعاصرة تقول لك: هذه شفافية. أنت تنتبه؟ لا، هذا تلبيس إبليس. لماذا؟ لأننا مأمورون بترك المعصية أفرادًا وجماعات، يعني نحن كمجموع مأمورون بتركها، ونحن أفراد مأمورون بتركها.

عندما نأتي لنفعلها في السر فكأن المعصية ليست موجودة في الجميع. فهل يوجد شخص عاقل يشرب الخمر؟ هذا غير معقول يا أخي! هل يوجد شخص عاقل يزني؟ لا، هذا غير معقول. هل يوجد شخص عاقل يسرق؟ لا، هذا غير ممكن أبدًا.

الرد على دعوة الاعتراف بالسرقة باسم الشفافية وقبح هذا المنهج

فيرد عليك الآخر قائلًا: أنتم هكذا تكذبون أو تحتجون، لا بد أن تسرق مرة. واحد من علماء الاجتماع هذا، أحدُ عملاءِ أمريكا يقول: ليعترف كل شخصٍ من أين يسرقُ.

أي أنه اعترف بأنه لصٌ ويدعو الناس إلى أن تكون لديهم شفافية ويُصرِّحوا بمصدر سرقاتهم. قُبحًا لهذا!

بعد الفاصل نواصل.