رب لترضى جـ 2 الحلقة الخامسة | الدين النصيحة | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

رب لترضى جـ 2 الحلقة الخامسة | الدين النصيحة | أ.د علي جمعة

26 دقيقة
  • عند شعور الإنسان بالضيق أو الكرب، فاللجوء إلى الذكر والسبحة أمر محمود، وهو مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يفزع إلى الصلاة التي هي ذكر كلها.
  • الإنسان يُصاب بالضيق والهم كجزء من طبيعة الحياة الدنيا، وليس ذلك مرضاً أو خللاً.
  • بعض الأذكار المجربة كقول "يا لطيف" أو "يا واسع" بعدد معين مرات هي من باب التجربة، وليست من السنة في ذاتها.
  • النصيحة تختلف باختلاف الشخص والزمان والمكان والأحوال، وكذلك الذكر يختلف بين المريدين حسب أحوالهم.
  • الله يحب جميع خلقه، مؤمنهم وكافرهم، فهو رحمن الدنيا، ورحيم الآخرة بالمؤمنين خاصة.
  • الرحمة أساس الحب، ومنها يتولد السكينة والمودة في تسلسل رباني.
  • التصوف ركن مهم من أركان الدين ويمثل مرتبة الإحسان، ومن الخطأ الاعتداء عليه.
  • أهمية الشيخ المرشد الصادق في توجيه المريد وتزكية نفسه.
محتويات الفيديو(24 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج رب لترضى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى، نواصل فيها اللقاء مع شبابنا يسألون، ونحاول الوصول إلى إجابات سديدة إن شاء الله.

السلام عليكم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا سيدنا، من معه السؤال اليوم؟

سؤال عن اللجوء إلى التسبيح عند الضيق وهل هو نقص أم كمال

[السائل]: أستأذنك فضيلتك يا مولانا، أحيانًا ينزل على المرء حال ضيق هكذا يسبب له اختناقًا وقلقًا، وأحيانًا يكون بسبب وأحيانًا يكون بغير سبب، وبعد ذلك تجدني عندما ينزل عليّ هكذا، ألجأ إلى السبحة وأمسك بها أبدأ بالتسبيح، هل هذا نقص أم كمال حين أفعل ذلك؟

[الشيخ]: إن الإنسان يعتريه شيء من الضيق وشيء من الهم وشيء من الكرب، فهذا من خصائص الدنيا؛ أي ليست هناك دنيا خالية من الكدر، خالية من الضيق، خالية من الكروب. وهكذا هذا شيء خَلقي طبيعي ليس فيه شيئًا مرضيًا أو شيئًا زائدًا عما خلقه الله سبحانه وتعالى.

فزع النبي ﷺ إلى الصلاة عند الكرب والضيق

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه أمر -يعني ضاق به- أو حصل عارض من العوارض جعله ليس في حالته الطبيعية، حزبه أمر، فزع إلى الصلاة؛ يذهب على الفور مسرعًا إلى الصلاة. هذه الصلاة ليست فرضًا، بل فزع إلى الصلاة في أي وقت كان.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الصلاة، فإذا كان هو [السائل] يفزع إلى الذكر، فذلك لأن الصلاة كلها ذكر؛ بدايتها ذكر ووسطها ذكر وآخرها ذكر. ويقول عنها سيدنا صلى الله عليه وسلم:

«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس شيء، إنما هي تسبيح وتحميد وتكبير» إلى آخره.

يعني قال تعالى:

﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]

أي ساكتين عن كلام الدنيا، مشتغلين بذكر الله سبحانه وتعالى.

الفزع إلى الذكر والسبحة عند الهم والكرب وراحة الصلاة

فكونك أنت اعتدت أن تفزع إلى السبحة، فهذا شيء طيب للغاية. ولا نلتفت ولا يهمنا أيضًا إن جاء الهم أو الكدر أو الكرب أو الضيق فليأتِ، نحن معنا سبحتنا. وهذا إذا تعود عليه الإنسان تجد فيه راحة.

قال صلى الله عليه وسلم في شأن الصلاة:

«أرحنا بها يا بلال»

وليس أرحنا منها أو دعنا ننتهي منها، حاشا لله! أرحنا بها يعني بسببها؛ أي أنه كان يرتاح في الصلاة. فالذكر يُذهب هذا [الضيق والكرب].

النصيحة بين الشرع والتجربة ومصادر المعرفة الحياتية

عندما تسأل شيخك ستجد أيضًا أن الشرع الشريف مؤكد، وهو الذي علمنا كل هذا، لكن أيضًا التجربة لها مكانتها. هل تدرك كيف؟ وهذا ما أمرنا به النبي عليه الصلاة والسلام عندما أمرنا بالنصيحة، فقالوا: لمن يا رسول الله؟ قال:

«لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم»

يعني ماذا؟ يعني النصيحة تأتي من التجربة. فأنا أذهب لأنصح معالي الوزير وأقول له: أيها الوزير، أنت تريد أن تنجح في المكان الفلاني، افعل كذا وكذا. هل هذا موجود في الكتاب والسنة؟ لا، ولكن الموجود في الكتاب والسنة أن نحب بعضنا، والموجود في الكتاب والسنة أن ننصح بعضنا، ما في الكتاب والسنة أننا نسمع بعضنا، ما في الكتاب والسنة أننا نعتصم جميعًا بحبل الله، ما في الكتاب والسنة أننا نكون آدميين، نكون آدميين يعني. هذا ما في الكتاب والسنة.

النصيحة تختلف حسب الشخص والحال والواقع مصدر للمعرفة

حسنًا، فما هي هذه النصيحة إذن؟ هذه النصيحة تختلف حسب الشخص وحسب الحالة وحسب المشروع حسب الأوضاع. بناءً على ذلك، هي في هذه الحالة مسألة حياتية، نعم، فهي تأتي من الواقع.

هل الواقع مصدر لي؟ نعم بالطبع. ففيما أخرجه ابن حبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي عن أنبياء الله، منها حكمة نبي الله داود: أن يكون المؤمن مدركًا لشأنه عالمًا بزمانه، مدركًا لشأنه عارفًا هو من هو وما إمكانياته، عالمًا بزمانه [أي يدرك] تغير الزمان وتغير المكان.

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

التفريق بين منهج النبي الكلي وبين الجزئيات التطبيقية في الذكر

إذن أيها الشيخ [المشاهد]، لقد قدمت لك هذه المقدمة الكبيرة كلها لماذا؟ لأجل الناس الذين يظنون أنهم لا يميزون بين منهج النبي ومسائل النبي، أو بين ما كان على ما علّمناه النبي في التعامل مع الدين وبين الجزئيات.

فيأتي الشيخ وتسأله قائلًا له: إنني أعاني من ضيق الحال، فيقول لك: حسنًا، قل يا لطيف. فتتساءل: لماذا أقول يا لطيف ولا أقول الحمد لله؟ فيجيب: نعم، فهي مجربة. كلمة "يا لطيف" مع الكرب تخفف الضيق، هل تفهم؟ مائة وتسعة وعشرين مرة.

حساب الجُمَّل وترتيب الحروف وأثر العدد في الذكر

ولماذا هذا العدد بالذات؟ لهذه المسألة قصة طويلة فيما يُسمى بـحساب الجُمَّل وترتيب الحروف والتجربة. حساب الجُمَّل وترتيب الحروف هذه قصة طويلة يمكننا قراءتها في الكتب.

لكن في النهاية فإن كل كلمة لها رقم، وهذا الرقم له أثر في الدنيا، في الحياة الدنيا، في التأثيرات الكونية. تقول لك: اقرأ يا واسع مائة وسبعة وثلاثين مرة، طيب حاضر.

هذه تعمل مثل المفتاح وهو يفتح القفل والمزلاج هكذا؛ مثلما لو زدت سنًا فلن يفتح، ولو نقصت سنًا يدور بلا فائدة ولن يفتح، سن واحد فقط.

الذكر بأسماء الله الحسنى اختيار وليس فرضاً من الشريعة

ومن أين يأتي هذا؟ يأتي من الشريعة. يعني لا يا سيدي، ليس جاء من الشريعة [كفرض]، ولا هو فرضٌ عليك أن تفعله أصلًا، إنما هو اختيار؛ إذا أحببت أن تفعله فجرّبه وافعله.

هل اخترته وفعلته ونجح؟ فهل يجب أن أفرضه على غيري؟ لا، سيظل دائمًا في دائرة الاختيار أبدًا. والسبب أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل لي: إذا ضاق صدرك فقل يا لطيف مئة وتسعة وعشرون مرة، أو يا واسع مائة وسبعة وثلاثين. لم يقل هكذا.

من الذي قال؟ النبي لم يقل هكذا، ولذلك ليس سنة في ذاته. إذن من أين أتيت به؟ من العمل [والتجربة]. وهل هذا جائز؟ نعم هو جائز.

مشروعية الرقية بالتجربة وحديث النبي في نفع الأخ بما جُرِّب

النبي عليه الصلاة والسلام علمنا هكذا في المنهج، قال له:

«وما أدراك أنها رقية»

تُعدّ "يا لطيف" من أسماء الله، و"يا واسع" من أسماء الله، ولكن ما الذي أعلمك؟ عرفت بالتجربة. قال:

«علّميها رقية النملة، علّميها»

وقال:

«من استطاع منكم أن ينفع أخاه بشيء فليفعل»

حسنًا، أنا عرفت هذه الفائدة كنوع من أنواع الدعاء، كنوع من أنواع الذكر، كنوع من أنواع العبادة، أقولها ما دامت في إطار ما ورد في كتاب الله وفي سنة رسول الله.

سؤال عن جواز العمل بالذكر المسموع أم لا بد من سؤال الشيخ

[السائل]: أنا سمعتها حضرتك الآن، يعني حضرتك أخبرتنا مثلًا أن نقول يا واسع مائة وسبعة وتسعين مرة، أو يا لطيف مائة وستة وعشرين مرة، فهل يجوز لي أن أكلم شيخًا وأسأله، أم بمجرد ما أخبرتني حضرتك بذلك؟ حسنًا، إذا حدث معي هكذا أفعل كذا.

[الشيخ]: إذا كان لديك شيخ فاسأله وقل له: أنا سمعت من شخص ما، من سيدنا الشيخ -هذا هو أنا- كذا وكذا، هل يصح أن أقولها أم لا يصح؟ وهل تأثيرها يكون أقوى أو تأذن لي بها أو كذا إلى آخره.

أهمية السند وتوارث البركة في الدين الإسلامي

ديننا مبني على السند ومبني على توارث البركة. يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله. ففي حلقات تذهب للبخاري هكذا يقول: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حدثنا علان، حدثنا تركان، حدثنا سلان، حدثنا الصحابة عن النبي. هذا السند تنثال فيه البركة.

«إن هذا الأمر دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم»

هذا شعبة [بن الحجاج] وهو يتحدث عن السند وعن بركة الإسناد في هذه الأمة؛ أن هذا الإسناد دين. فإذن البركة الموروثة بالسند المتصل لا شك مهمة.

فأنت عندما يكون لك شيخ فكأنك قد أمسكت يد من أمسك يد من أمسك يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونعم.

سؤال عن اختلاف الذكر من تلميذ لآخر والجهات الأربعة المؤثرة

بسم الله الرحمن الرحيم، عدنا من الفاصل لنستمع إلى سؤال أحمد.

[السائل]: حضرتك يا مولانا، كنت قد قلت لنا أن النصيحة قد تختلف بناءً على اختلاف الشخص، فهل هذا أيضًا ينطبق على الذكر؟ يعني عندما يعطي الشيخ تلميذه ذكرًا، هل يختلف من تلميذٍ إلى آخر أم لا؟

[الشيخ]: هناك جهات تسمى الجهات الأربعة التي يختلف بها الأمر -أي أمر- وهي: الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال.

فالمريد في البداية ليس كالوسط وليس كالنهاية. المريد ونفسه: نفس أمّارة بالسوء لم يستطع أن يتخلص منها، ليست كما هي نفسه لوامة، ولا كما هي نفسه ملهمة، ولكنها هي نفسه راضية أو مرضية أو مطمئنة أو كاملة.

اختلاف حال المريد وإدراك الشيخ لأحوال تلاميذه

مختلف المريد حتى في حالة مرضه غير في حالة صحته. المريد ليس كما هو في حالة ذكائه وحدة ذهنه، ولا في رقة قلبه، كما هو في حالة غباوته وقسوة قلبه. لا، مختلف.

الشيخ يدرك هذا من ذاك ومن هذا الأمر ومن ذلك، أو من المفترض أن يفعل هذا. أتفهم؟ فطبعًا يمكن أن تختلف الأمور بين مريد وآخر لاختلاف الزمان، لاختلاف المكان، لاختلاف الأشخاص، لاختلاف الأحوال. نعم تختلف.

أهمية الدعاء بأن يرزقك الله شيخاً عالماً صادقاً

ولذلك يحتاج فعلًا هذا [المريد] أن تدعو الله أن يرزقك بشيخ؛ لأنه ليس هناك شيخ، أو أن الله رزقك بشيخ ليس عالمًا، أو أن الله لم يرزقك بشيخ، أو رزقك بشيخ لا يعرف الطريق أو لا يسير فيه.

لأن الشيخ الشعراني -عبد الوهاب الشعراني- اشتكى من أنه قد انتشر الأدعياء في المشايخ، وهذا هو الذي جعل أعداء التصوف يتكالبون عليه. يتكالبون على التصوف لماذا؟ ولكنني لم أرَ الشيخ [الحقيقي].

خطأ هدم مرتبة الإحسان وقاعدة فقدان الوجدان لا يلزم منه فقدان الوجود

فبدلًا من أن يُسلِّم، وبدلًا من ألا يهدم ركنًا من أركان الدين وهو مرتبة الإحسان -وهي الغاية من الإيمان ومن الإسلام-:

«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»

خالف المنطق وخالف المعقول. المنطق يقول ماذا؟ فقدان الوجدان لا يلزم منه فقدان الوجود.

افترض أنك لم ترَ لندن، أتكون لندن غير موجودة؟ افترض أنك لم تذهب للحج، أيعني ذلك عدم وجود الكعبة ولا وجود مكة؟ هذا كلام مجانين! افترض أنك لم ترَ أو لم تصادف أو لم تسمع أو لم يوفقك الله في الشيخ، فهناك شيوخ آخرون. وهكذا، هذا كلام مجانين حقًا.

خطورة الاعتداء على التصوف وظهور الجماعات الإرهابية بسبب ذلك

ولذلك الذين يعتدون على طريق الله وعلى التصوف هم مخطئون، ومخطئون خطأً كبيرًا جدًا؛ لأنهم قصدوا أو لم يقصدوا أن يهدموا جزءًا من الدين.

وفي النهاية ماذا سنجد؟ سنجد الجماعات الإرهابية! هذه ظهرت لنا لأنهم يأخذون النصوص فيفهمونها كما يشاءون ويطبقونها بكل ثقة. ولذلك قال سيدنا النبي:

«أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»

إنها خطيرة جدًا، وكل هذا بسبب فقدان هذه الصلة الضارعة بين القلوب وبين الرحمن سبحانه وتعالى.

خطورة ترك طريق الله والذكر وتخلية القلب وتحليته عند الإمام الغزالي

مسألة في منتهى الخطورة أن نترك طريق الله، وأن نترك الذكر، وأن نترك الفكر، وأن نترك تخلية القلب من القبيح، وأن نترك تحلية القلب بالصحيح.

عندما ألف الإمام الغزالي كتاب [إحياء علوم الدين]، جعل فيه أقسامًا للمهلكات والمنجيات، وقدم المهلكات في الربع الثالث والمنجيات في الربع الرابع. المهلكات هي التي تمثل التخلية؛ تُخلي قلبك من القبيح: من الكبر ومن الحسد ومن البغضاء، وتملأه بالصحيح: الحب والتواضع والرحمة.

حسنًا، وأين هذا ممن يقتلون الناس على الهوية، أو ممن يكرهون الناس وكأنهم قد أُرسلوا عليهم حافظين مسيطرين؟ مع أن الله يصف نبيه ويقول له:

﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]

ويقول له:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

سؤال هل الذكر سبب لحب الله أم أن الله يحب عباده ابتداءً

[السائل]: حسنًا، هل يمكن أن يذكر أحد الله لكي يقول أنا أذكر حتى يحبني الله، أم أنه في الأصل الله يحبه سواء ذكر الله أم لم يذكره؟ يعني حب الله في الأصل ليس له علاقة بالذكر.

[الشيخ]: الله واسع سبحانه وتعالى، وعندما خلق الخلق، فالخلق صنعته، فكيف يكره صنعته؟ ولكن الإنسان خلقه الله وأراد له العلو، فأسجد له ملائكته. انتبه جيدًا للكلام، وجعل الملائكة خدامًا له في الجنة، وأمره ونهاه.

فإذا اتبع أمره، وإذا انتهى عن زواجره سبحانه وتعالى، فإن حبه له لا يقتصر على حب خلقه، بل يتعدى إلى حب إثابته.

معنى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة وشمول رحمة الله للخلق جميعاً

رحمن الدنيا ورحيم الآخرة. وهم يفسرون بسم الله الرحمن الرحيم، يقولون هذه الكلمة الغريبة: رحمن الدنيا، ماذا تعني؟ تعني أنه من حبه في الخلق رحم المؤمن والكافر على حد سواء، والذاكر والتقي والفاجر والذاكر والفاجر على حد سواء.

فربنا يحبنا جميعًا: مؤمنًا، كافرًا، فاسقًا، منافقًا، زنديقًا، وغير ذلك. هذا هو حب الرحمن الذي هو رحمن الدنيا.

ولكن في الآخرة فهذه قضية أخرى.

سؤال هل الرحمة تستلزم الحب وتشبيه حب الله بحب الأم لابنها

[السائل]: سيقول مولانا: يمكن -ولله المثل الأعلى- يمكن أن أكون أنا أرحم شخص لا أحبه؛ أي لمجرد أنني أشفقت عليه لكنني لا أحبه، يعني فقط رحمته خلاص، لا أريد أن أراه مثلًا. فهل الرحمة هنا مُلزمة أن يكون معها حب أيضًا؟

[الشيخ]: الحب شيء آخر. أنت تحب ابنك حتى لو كان عاصيًا. عندما يرزقك الله بالطفل ستعرف أنك تحبه. انظر إلى حب الأم لابنها، فلو عصى تحبه أيضًا، تحبه أيضًا.

ولله المثل الأعلى، فإن الله أرحم بخلقه من هذه الأم بابنها. بخلقه وليس بالمؤمن فقط، بالخلق كلهم. وهو يحب الخلق كلهم، لكن التصنيف يأتي في الآخرة.

﴿وَكَانَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]

إذن "وكان بالمؤمنين رحيمًا" غير الرحمن الرحيم. الرحمن في الدنيا ورحيم الآخرة.

الثواب والعقاب مرتبط بالتكليف والدنيا مزرعة الآخرة

إن الله سبحانه وتعالى يحبنا، إنما الإثابة -الثواب والعقاب- سيأتي حسب التكليف وحسب ما قدم العبد في مزرعة الآخرة. الدنيا مزرعة الآخرة، ماذا قدمت؟ إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر؛ لأنك عصيته ولأنك خالفته.

حسنًا، ماذا تفعل؟ ماذا في ابنك العاصي؟ يمكن أن تؤدبه لكنك تحبه أيضًا. وهذا يظهر في حب الأم لابنها بشكل غير مبرر إلا أن الله قد خلق في قلبها هذا الحب.

سؤال هل رحمة الله في الدنيا تعني الحب أم مجرد الرحمة

[السائل]: حسنًا حضرتك يا مولانا، في الدنيا ربنا سبحانه وتعالى عندما يرحم، هل يعني أنه يحب أم أنه يرحم لمجرد الرحمة لأنه رحيم؟

[الشيخ]: ضع في اعتبارك أن الرحمة هي أساس الحب. وهذه مسألة مهمة للغاية. من أين يأتي الحب؟ يأتي من الرحمة. فلأن الله رحمن رحيم فهو يحب، لكن حبه أنواع، وحبه تجليات، وحبه درجات.

الرحمة يتولد منها دائمًا الحب. هذا الحب أنواع، وهو الرحمن الرحيم. وهذا الحب الذي هو درجات وأنواع وهكذا إلى آخره، يتولد منه السكينة، والسكينة يتولد منها الود.

تسلسل الرحمة والحب والسكينة والمودة في بسم الله الرحمن الرحيم

وهذا الذي يجعل الناس أحيانًا تختلط عليها الرحمة بالحب، أين الأصل؟ وهكذا فربنا أراحنا وبيّن لنا الأصل وقال:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

لكي تعرف أن هذا تسلسل من الرحمة: ففيها الحب، ومن الحب فيها السكينة، ومن السكينة فيها المودة، ومن المودة فيها التنازلات الأخرى.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.