رب لترضى جـ 2 الحلقة السابعة عشر | اسماء الله الحسني 2 | أ.د علي جمعة
- •الكون هو مجلى لأسماء الله الحسنى، حيث تظهر تجليات هذه الأسماء في الأحداث والوقائع اليومية.
- •تتجلى أسماء الله للجميع، لكن عمق إدراكها يختلف حسب القلوب الضارعة المتعلقة بالله.
- •الدعاء هو العبادة نفسها، وفي رواية أخرى "الدعاء مخ العبادة"، والاستمرار عليه يولد القلوب الضارعة.
- •القضايا المتعلقة بالقدر والاختيار تنقسم لمستويين: مستوى البشر الذين لهم اختيار وإرادة، ومستوى الألوهية حيث الله خالق كل شيء.
- •سر القدر لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، فالرابط بين الاختيار والقدر غير مدرك للبشر.
- •يجب على الإنسان العمل بما لديه من اختيار وترك الخوض في سر القدر.
- •لكل ذكر من أذكار الله تأثيره الخاص وتجلياته المختلفة، ثبت هذا بتجارب العابدين.
- •الدين مرن يصلح لكل زمان ومكان، وهو لا يأمرنا بالتوقف عند لحظة زمنية معينة، بل باتباع المنهج.
- •من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.
مقدمة الحلقة وسؤال عن معنى مجلى أسماء الله الحسنى في الكون
[السائل]: ربنا يخليك يا مولانا، حضرتك كنت تتحدث لنا في الحلقة الماضية عن أسماء الله الحسنى، وتأتي مواقف معينة هكذا للمرء وهو يعيش، يعني تجد لقطة هكذا تُذكّر المرء باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته. يعني نرى منظرًا جميلًا هكذا فنشعر بالكريم، يعني الرزاق هكذا، تأتيني مشكلة رغمًا عني فأجد القهار هكذا قهرني. يعني ماذا أسمي هذه؟ أسميها تجلي أم ماذا أسميها؟ تأمل في هذه اللقطة، أو ماذا أقول يعني؟ ما اسمها؟ شيء هكذا ما اسمها.
[الشيخ]: لكي تعرف كيف تنطقها باللغة العربية: مَجْلَى. والمَجْلَى تعني أن هذا الكون المحيط بنا هو مَجْلَى أسماء الله.
أمثلة على تجلي أسماء الله الحسنى في مشاهد الحياة اليومية
فعندما ترى العصفورة وهي خارجة في الصباح، لا تعرف من أين ستأتي ولا كيف سترزق، تغدو وتروح. الغداة التي هي الصباح هكذا، غدًا تلقاه، يعني من الغد، فتغدو خماصًا جائعة وتروح بطانًا شبعانة. عندما تتأمل هذا الموقف، هو أمر تشعر فيه باسمه الرزاق والرازق.
عندما ترى الشاب الذي في عز الفتوة يصاب بحادث ويموت، أو يموت فجأة كما يقولون بلا سبب، وترى الرجل الطاعن في السن غير القادر على الحركة من سريره وقرب المائة وما زال حيًّا. عندما ترى الطبيب المعالج يموت والمريض يتعافى، فيتجلى عليه [اسم من أسماء الله].
الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وانعكاس صفاته سبحانه وتعالى
أي إن هذا الكون بما يحدث فيه من أحداث ووقائع وترتيبات وعلاقات وهكذا، هو مظهر لأسمائه الحسنى. فمرة تشعر بالكريم، ومرة سترى بعينك الرزاق أو المحيي أو الحي أو القيوم أو العليم أو آخره.
فإذا هذه تحفظها: أن الكون هو مَجْلَى. مَجْلَى يعني ماذا؟ يعني تجلت عليه تلك الأسماء فظهرت فيه. نحن لم نرَ ربنا بالعين، ربنا ليس تحت الحس، ولكنه سبحانه وتعالى له أسماء وصفات، وهذه الأسماء والصفات قد تجلت أو انعكست أو ظهر أثرها على تلك الأكوان. فهذا الشعور الذي تشعر به هو مَجْلَى أسماء الله الحسنى.
هل تجليات أسماء الله تظهر للذاكرين فقط أم لأي شخص
[السائل]: الذي يذكر بأسماء الله الحسنى يا مولانا هو الذي يرى هذه التجليات، أم أنها تظهر لأي شخص؟
[الشيخ]: تظهر لأي شخص، تظهر لأي شخص. ومن ضمن أي شخص هؤلاء يكون الذاكر؛ لأن الذاكر يُعَدّ ضمن أي شخص. ولكن هي تظهر لأي أحد، إنما مرات ظهورها وكيفية ظهورها وعمق إدراك معناها يختلف.
واختلافه قادم من إرادة الله للهداية لهذا الإنسان. أراد الله أن يُشعره بهذا، وعادة ما تتعلق هذه التجليات بالقلوب الضارعة. لكن أيضًا يوجد قلب ضارع على الدوام، ويوجد قلب ضارع نصف الوقت، ويوجد قلب ضارع مرة واحدة هكذا يعني وانتهى.
معنى القلب الضارع وعلاقة الدعاء بالعبادة والتضرع إلى الله
[السائل]: ماذا تعني كلمة ضارع يا مولانا؟
[الشيخ]: متعلق بالله، يتضرع إلى الله، يعني يلتجئ إلى الله، يعني مرتبط بالله، يعني متعلق بالله.
فالقلوب الضارعة هذه، الضراعة تأتي من أين؟ من كثرة الدعاء. والحكمة الكبيرة إذن يقولها سيدنا [رسول الله ﷺ]:
قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»
انتبه، في رواية أخرى:
«الدعاء هو العبادة» أخرجه الأربعة عن أبي هريرة
«الدعاء مخ العبادة»
يعني أعلى شيء في العبادة هو الدعاء، لكن الثانية هذه هي العبادة نفسها.
القلوب الضارعة تدعو الله تعبدًا لا لمجرد طلب الدنيا
القلوب الضارعة هذه تدعو الله سبحانه وتعالى تعبدًا، لا تدعوه لأجل أن يفعل لها شيئًا أو لكي تنال. هي تطلب أمورًا متعلقة بالآخرة كالغفران والرحمة والستر: اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
وأما إنك تطلب شيئًا في الدنيا، ولكن بالرغم من ذلك إلا أنها في النهاية عبادة. سواء طلبت للدنيا رزقك أو لم تُرزق، استجاب للدعاء فورًا أو أخَّره أو ادخره، في النهاية هو عبادة. فالاستمرار على الدعاء يولِّد القلوب الضارعة التي نتحدث عنها.
هل التجليات واردة على المرء أم مكتسبة والفرق بين الكسبي والوهبي
[السائل]: يا مولانا، يعني هذه تأتي واردة على المرء هكذا أم يكتسبها؟ يعني ممكن مثلًا أن يجد المرء نفسه في موقف معين فيفكر بالاسم مثلًا أو المَجْلَى في هذا الموقف.
[الشيخ]: انتبه، أي شيء من هذه المعاني فيما يسمونه كسبي وفيما يسمونه وهبي. الكسبي يعني ما تفعله أنت وتملك الإرادة فيه وتحاول أن تنسبه لنفسك. ووهبي أنه من عند الله، وهبة من عند الله.
في الحقيقة أن الكل من عند الله حتى الكسبي من عند الله، ولكن بالرغم من ذلك إلا أن الالتفات إلى جهة الإنسان تُظهر له معنى الكسبي: أنه شخص لديه اختيار.
حقيقة الاختيار البشري بين الكسب الإنساني وخلق الله لكل شيء
يصلي أو لا يصلي، فاختار الصلاة؛ يتأمل أو لا يتأمل، فاختار التأمل؛ يفكر بهذه الطريقة أو لا يفكر. فالله سبحانه وتعالى ترك له الاختيار.
حقيقة الحقيقة أنه [الله] خلقه وما يعمل، ولكن أنت تدخل المسألة من أي جانب؟ من جانب الله للبشر أم من جانب البشر لله؟ فلو دخلت من جانب البشر إلى الله سيكون هذا كسبيًّا لأنك أنت الذي اخترت. وإن كانت من قِبَل الله للبشر، هو الذي خلق فهو متفضل على كل شيء.
فقوانين البشر واضحة لا خلاف فيها: أننا عقلاء، وأننا عندنا اختيار، وأن هذا الاختيار يعني أن لدينا به إرادة. هذه حقيقة واضحة جدًّا.
الفارق بين قوانين البشر وقوانين الألوهية وسر القدر
نحن نرى ذلك، وليس هناك من يجبرنا على أن نفعل أو لا نفعل، فأنا الذي أقرر هكذا. والذي هو في سبيل الله له قوانين أخرى: فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.
الله خالق كل شيء، لا إشكال في أن يجلس المرء هكذا فيصف ربه بأنه خالق لكل شيء وقادر على كل شيء، وأنه لا يُظلم عنده أحد أبدًا. ويتأمل الإنسان فيراه مختارًا مريدًا إلى آخره.
المشكلة في الجمع بين الاثنين: على مستوى البشر مفهوم تمامًا لا يوجد أي إشكال، وعلى مستوى الإله هو مفهوم ولا يوجد أي إشكال.
سر القدر الذي لم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب
تقول لي: كيف هو خلقني إذن وأنا ليس لي كسب وليس لي أي شيء، وسيعذبني ويعطيني ثوابًا؟ لماذا؟ هذا يسمونه سر القدر. الذي هو الوصلة بين الاثنين هي سر القدر.
النبي عليه الصلاة والسلام قال لك: آمِن بها. آمِن بها يعني ماذا؟ يعني آمِن بالصفات الإلهية التي هي واضحة وليس فيها خلاف، وآمِن بالصفات البشرية التي هي واضحة وليس فيها خلاف.
وسر القدر لم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب. لماذا؟ لأن نحن ندرك البشر، نراهم لحمًا ودمًا وعقلًا وعصبًا وجسمًا وروحًا وكل شيء نراه أمامنا، ثم عندما تخرج الروح يموت الإنسان ونرى كل شيء.
إدراك سر القدر يوم القيامة وعجز العقل عن الإحاطة بالذات الإلهية
في حين أن الإله لا نراه، وعندما نأتي يوم القيامة سندرك سر القدر الذي آمنا به بالعقل، آمنا به بالمنطق؛ لأنه ما دمت لا تعرف الطرفين فيعني أنه لا يمكن أن تعرف كيف توصل إلى هذا الأمر.
ولأنه سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، ولأنه متعالٍ على الكائنات وأن يكون تحت الحس، فلا يمكن أن ندرك العلاقة بينهما. حتى أن النبي لا يعرف سر القدر، ولا النبي ولا جبريل.
المعرفة تحتاج إحاطة، والإحاطة غير موجودة، ولذلك لا نقدر [على إدراك سر القدر].
حرية الاختيار البشري وعدم الإكراه في الإيمان والعبادة
بسم الله الرحمن الرحيم. رجعنا من الفاصل وكنا نقول قبله أنه لا يوجد خلاف عند البشر في مقتضيات البشرية. نعرفها ونعلم أننا مختارون على فكرة، ولا يوجد نزاع لأننا نرى من أنفسنا هكذا أنه لا يوجد أحد يرغمنا على الصلاة ولا يرغمنا على الصيام ولا يُرغمنا على شيء.
فالذي يريد أن يصلي فليصلِّ، والذي لا يريد أن يصلي فلا يصلِّ.
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
حتى في الإيمان والكفر لا أحد يضع مسدسًا عندي ويقول لي آمِن وإلا سأقتلك، أبدًا.
المشكلة في الجمع بين قدرة الله المطلقة والمصير البشري وسر القدر
في قضية الألوهية: الله على كل شيء قدير، مقبولة. والله خلق كل شيء، مقبولة، لا توجد مشكلة. إنما تأتي المشكلة في نهاية الأمر في قضية المصير والمخيَّر والقدر وما إلى ذلك. يأتي الوصل بينهما.
حسنًا، كيف يكون ذلك مع كلمة "مع"؟ هي إذن مع هذا هكذا يبدو أن ظاهرها لا يستوعبه كثير من الناس، مما اضطرهم إلى أن يفككوها بألفاظ معينة. كلما بحثت فيها تجدها، فلماذا تبحث فيها أصلًا؟
عِش حياتك التي تراها والتي تعرفها والتي اخترتها. هل أجبرك أحد؟ هل ضغط عليك أحد؟ هل هناك شيء يوجهك بجهاز التحكم عن بعد؟ لا.
دعوة للعمل وترك الخوض في سر القدر لأن العقل يأمر بذلك
إذن، لماذا لا تعمل؟ ما الذي يجعلك قاعدًا تجلب إليَّ المشكلة التي ليس لها حل؛ لأننا لا نملك إدراكًا للإله؟ ولماذا تُحضرها لي في عملي؟
أنا سأعمل لأنني مختار، وسأعمل لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بذلك. وقد تأكدت عن طريق ما وصلني من الوحي والمرسلين والكتب المنزلة التي اقتنعت بها وآمنت بها وتمسكت بها، أن الله يرضى عن هذا وأن هذا فيه خلاص.
اعمل إذن، اذكر، افعل الخير، صلِّ، زكِّ، صم، وهكذا. لماذا تتعطل؟
رفض الخوض في سر القدر لأن العقل لا يدرك ذات الله تعالى
فهذا هو الحاصل: إننا نرفض الخوض في البحث عن سر القدر؛ لأن العقل يأمرنا بذلك. العقل يقول لنا: ما دمت لا تعرف الطرف الثاني ولا تعرف ذات ربنا، ماذا تعني؟ لن تستطيع أن تصل إلى شيء.
أما الذي موجود معنا فهو الذي ستتمكن من الوصول إليه، وهو أن هناك اختيارًا وإرادة وعقلًا وحرية وغير ذلك.
هل يختلف تأثير ذكر أسماء الله الحسنى عن تأثير الأذكار الأخرى
[السائل]: هل هناك تأثير مختلف للذي يذكر بالأسماء الحسنى عن تأثير الأذكار الأخرى العامة، أم كلها سواء؟ تأثير واحد على النفس مثلًا لمن يذكر؟
[الشيخ]: دائمًا كل شيء له أثره. سبحان الله لها أثر، الله أكبر لها أثر، يا كريم لها أثر. كريمٌ كريمٌ كريمٌ كريمْ لها تجليات أخرى.
الله الله الله الله لها تجليات، اللهُ اللهُ اللهُ اللهُ الله له تجليات أخرى. هو الله لها تجليات ثالثة مختلفة. يا حيّ يا قيّوم غير حيّ أو قيّوم. كل واحدة لها تجلياتها ولها أثرها.
مصدر معرفة تجليات الأذكار من تجربة العابدين لا من النص الشرعي المباشر
عرفنا هذا الكلام من أين؟ هل هو مكتوب بهذه التفاصيل في الكتاب أو السنة؟ لا، إنه بتجربة العابدين الأتقياء الأنقياء الأصفياء.
حسنًا، وهذه التجربة نعتمد عليها اختيارًا وليس شرعًا. اختيارًا يعني أناس جربوا. يقول الإمام السيوطي: ليست شرعًا، يعني ليست شيئًا مأمورًا به عموم المسلمين.
لكن هل يجوز لي أنا أن أقلد شخصًا آخر في دعاء لطيف لا يخالف الشريعة؟ نعم يجوز. هل يجوز أن أفرضه فرضًا على الناس؟ لا يجوز. الاختيار.
تأييد الإمام السيوطي لاعتبار التجربة الصوفية في الأذكار والتجليات
فيقول، ومما يبين الإمام السيوطي في كتابه [تأييد الحقيقة العلية في الطريقة الشاذلية]، له كتاب اسمه تأييد الحقيقة العالية، يقول: الذي يؤكد أن هذه الاختيارات معتبرة وإن كانت قد جاءت إلينا من الوجود والتجربة، أن أقوامًا قد توصلوا بها إلى مرادهم وإلى إحداث الشعور بالمَجْلَى هذا أو التجلي.
عبر المصور [الزمان] في أماكن مختلفة وهم لا يعرفون بعضهم. هل أنت منتبه لهذا؟ كيف تأتي لهم تلك الفكرة عن الإحساس؟
التجربة والتكرار أساس بناء القواعد المعرفية كمثال النار المحرقة
كيف في النار؟ قليل من النار هكذا، كقدر النار. فعندما وضع طفل يده فيها احترق، فقلنا: حسنًا، ربما أمه وضعت يدها فيها فاحترقت. قلنا: حسنًا، ربما الأطفال والنساء والرجال لا [فرق بينهم]، فوضع الرجل يده فيها فاحترق.
ماذا بعد ذلك؟ وضعنا فيها شايًا فغلى المياه، فذهبنا ووضعنا فيها دجاجة فاحترقت. فذهبنا واضعين قاعدة آتية من أين؟ من التكرار.
من التكرار، انظر إلى الولد والمرأة. قلنا: حسنًا، ربما المصريون فقط هم، فجاء الرجل من إفريقيا ووضع يده فلسعته، ومن أوروبا وضع يده فلسعته. فذهبنا عاملين ماذا؟ قاعدة: النار محرقة.
التجربة المتكررة تبني القواعد وفقد الوجدان لا يلزم منه فقد الوجود
التجربة من أين تأتي؟ التجربة تأتي من التكرار. لقد تكررت، فعندما كرروا هذه الأشياء تكونت لديهم قواعد مثل: النار محرقة. هذا شعور بديهي.
ثم جاء شخص ينكر فقال: في الحقيقة أنا لم أضع يدي في النار، ولا أريد أن أضع يدي في النار، وهذه النار تكون يوم القيامة فقط وليس لي شأن بها. أصبحت تنكر الحسّ!
وهذا ما جعلهم يقولون: فقد الوجدان لا يلزم منه فقد الوجود. أنت لم ترَ لندن، فهذا لا يعني أنه لا يوجد مكان اسمه لندن. لم تذهب للحج، فهذا لا يعني أنه لا توجد مكة. موجودة حتى لو لم ترها أو تعرفها، وأمريكا موجودة حتى لو لم تسمع عنها.
جواز الأخذ بالتجربة في الأذكار بشرط عدم مخالفة الشريعة
إذن التجريب الذي عند بعض الناس هذا، هل يجوز أخذه؟ طبعًا، كل العلوم هكذا. يجوز أخذ التجربة.
والسؤال هو: عندما أذكر الله هل فيها ما يخالف الشرع؟ هل عندما أدعو بهذه الأدعية فيها ما يخالف الشرع؟ هكذا الأسئلة التي نحن نسألها لدى أهل السنة والجماعة، أهل التصوف السني، أهل الله الذين يريدون تطبيق الشريعة على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم.
خطأ سحب الماضي على الحاضر والتوقف عند لحظة زمنية معينة في فهم الدين
ثم يقول [البعض]: هذا ممن يريد سحب الماضي على الحاضر. أنا لن أعيش إلا في عالم الأشياء الذي عاش فيه النبي، ولن أعيش إلا في عالم الأشخاص الذي عاش فيه النبي، ولن أعيش إلا في الألفاظ [التي كانت في عصره]. يريد أن يسحب الماضي إلى الحاضر فيخلق مشكلة كبيرة.
لماذا هي مشكلة كبيرة؟ لأن الدين ليس هكذا. الدين لا يقول أن هذه اللحظة من الزمان هي التي يجب علينا ألا نغادرها أبدًا. إن الدين يقول لك: اعمل. والدين مرن يصلح لكل زمان ولكل مكان ولكل الناس.
مرونة الصحابة في تغيير الأزياء عند دخول فارس كما ذكر ابن الجوزي
ولذلك يقول أبو الفرج ابن الجوزي هكذا: عندما دخلت الصحابة فارس صلوا في سراويلهم وغيروا الأزياء سريعًا، ولبس الصحابة السروال الفارسي.
لم يكن السروال من الملابس الشائعة، نعم كان يأتيهم وكل شيء، لكن لم يكن شائعًا. بل كان الإزار هو من الملابس الشائعة؛ فالجو حار في مكة أو في المدينة أو نحو ذلك، حَرٌّ شديدٌ.
فالسراويل التي هي خاصة بفارس والتي هي مناسبة للأجواء الباردة قليلًا، على عكس إزار الجنوب الذي هو حارٌّ نوعًا ما. فعندما دخل الصحابة فارس صَلّوا في سراويلهم، أي سراويل فارس.
النبي أمرنا باتباع المنهج لا التوقف عند لحظة زمنية ومفهوم السنة الحسنة
والنبي لم يأمرنا أن نتوقف عند لحظة زمنية معينة من العصر النبوي، بل أمرنا أن نأخذ مناهجه. أَمَرَنا أن نتّبع سُنّته وسُنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، ولم يذكر أسماءهم.
ولذلك عندما جاء عهد عمر بن عبد العزيز اعتُبِر الخليفة الراشد الخامس. وأثناء حُكم الملوك والسلاطين، عندما يأتي رجلٌ تقيٌّ نقيٌّ وعالمٌ جيد، يُقال عنه أنه كان من الراشدين.
إذن النبي عليه الصلاة والسلام انظر كيف وسّع المفهوم وقال:
قال رسول الله ﷺ: «من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيء»
معنى البدعة في الشريعة والفرق بين السنة الحسنة وما ليس من الدين
تكرّ [السنة السيئة] على الشريعة يعني بالبطلان.
قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»
فإذا هناك سنة حسنة وليس كل [جديد مردود]. لا، فالنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال:
«كل محدثة بدعة»
معناها ما حُكم عليه في الشريعة بالبطلان، وهو ما قصده بقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه». أما ما كان منه فهو سنة حسنة.
الكتاب والسنة والتجربة الوجودية مصادر للمعرفة ولا تعارض بين الدين والعلم
الناس جعلت الكتاب والسنة مصدرًا للمعرفة وسقفًا لها، وجعلت الوجودية [التجربة] سقفًا للمعرفة ومصدرًا للمعرفة. وهكذا بقي ديننا، ليس هناك أي تعارض بين الدين والعلم، ولا بين حقائق الأكوان وما أنزله الرحمن.
إلى لقاء آخر، استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
