رب لترضى جـ 2 الحلقة السابعة | درجات الحب | أ.د علي جمعة
- •يناقش مفهوم قوله تعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله"، موضحاً أن الآية تخاطب من يدعي حب الله، وتربط اتباع النبي ﷺ بمحبة الله لهم.
- •حب الله للعباد يتفاوت درجات: حب أصل الخلقة للجميع، وحب خاص لمن يحبه، وحب أخص لمن يحبه ويطيعه.
- •يقدم مثالاً توضيحياً للأب الذي يحب أبناءه الثلاثة بدرجات متفاوتة حسب محبتهم وطاعتهم له.
- •المحب الحقيقي لله يطيعه، فلا يصح ادعاء المحبة مع عدم الطاعة.
- •أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة ناجون، وفق قوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً".
- •ينبغي للمسلم دراسة أفكار غير المسلمين للبحث عن المشترك معهم في الدعوة، وليس قتلهم.
- •البشرية كلها أمة دعوة للنبي ﷺ، والمسلمون هم الأمة المجيبة.
- •الحب هو الأساس في الدعوة إلى الله.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ربي لترضى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ربي لترضى.
نعيش في هذه اللحظات مع مناقشة فعّالة حول تلك الأسئلة التي يطرحها شبابنا، أهلًا يا شباب، اليوم سنبدأ.
إشكالية ربط حب الله بالاتباع في آية قل إن كنتم تحبون الله
[السائل]: أحمد، تفضل. لدي إشكالية في الآية التي تقول:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
يعني هنا ربط حب الله لهم بالاتباع، طالما لا يتبعونه، فهذا يعني أن الله لا يحبهم؟
[الشيخ]: هذا فهم متسرع للآية. هيا نقرأها مرة أخرى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ﴾ [آل عمران: 31]
فهذا يعني أنه يُخاطبنا نحن وليس يتحدث عن نفسه. إنه يقول لنا: تعالوا يا سبعة مليارات الذين على الأرض، من منكم يحب ربنا؟ فهناك مليار من السبعة رفعوا أيديهم وقالوا: نحن. قال لهم: ما دمتم تحبونني، صدّقوا بالرجل الذي أرسلته، هذا الذي اسمه محمد.
الآية تتحدث عن البشر الذين يحبون الله وليس عن حرمان غيرهم من الحب
إذن الآية تتكلم على ماذا؟ على البشر الذين يحبون ربنا. مليار من السبعة يحبون ربنا، وستة مليارات من السبعة لا يحبون ربنا. إذن، ربنا يحب من؟ يحب السبعة.
حسنًا، هل يوجد مثال نقرب به هذه الحكاية؟ إذن الآية لم تقل ما تقوله حضرتك، وها هي النقطة التي دائمًا ننبه عليها ونقول يا جماعة مهلًا:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [محمد: 24]
مهلًا:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ﴾ [آل عمران: 31]
هذا يخاطبنا نحن.
﴿تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 31]
ماذا نفعل؟ نحن نحب الله، رفعنا أيدينا هكذا، نحن نحب الله.
﴿فَٱتَّبِعُونِى﴾ [آل عمران: 31]
الذي هو سيدنا النبي.
﴿يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
الذي يحب ربنا يتبعني، فالله سبحانه وتعالى يحبه.
هل تكلم الله عمن أحبه ولم يتبع النبي وأصناف الناس في الحب والاتباع
هل ربنا تكلم عمن لم يحبه؟ ما الموقف منه؟ يعني هل تكلم ربنا سبحانه وتعالى عن من أحب الله ولم يتبع النبي؟ لنفترض أن هناك شخصًا أحب الله وبعد ذلك لم يتبع النبي وهو يحب ربنا.
يعني هناك ثلاثة أصناف: شخص أحب الله واتبع النبي، وهناك شخص أحب الله ولم يتبع النبي، وهناك شخص لا أحب الله ولا اتبع النبي. أين الكلام فيها؟
ولذلك تعلق الحب بالأخص لا ينفي حب الأعم.
مثال الأب وأبنائه الثلاثة لتوضيح درجات الحب الإلهي
مثال ذلك، ولله المثل الأعلى، إننا نريد أن نفهم كيف تتم الدوائر. أنا لدي ثلاثة أبناء، وهؤلاء الثلاثة أبناء أحبهم لأنهم أبنائي، إلا أن واحدًا منهم يحبني كثيرًا ويطيعني.
فأنا أحبه حبين: حب الأبوة، وحب زائد على الأبوة وهو أنه يحبني، وحب ثالث أنه يطيعني. فيكون هناك ثلاثة أنواع من الحب.
ابني هذا يحبني وأيضًا يطيعني. أنا أحب الثلاثة، لست قادرًا إلا أن أحب الثلاثة، أنا بشر.
الابن الثاني الذي يحب أباه ولا يطيعه والابن الثالث الذي لا يحب ولا يطيع
أما الثاني فيحبني ويتعلق بي كثيرًا، وطوال وقت جلوسه يقول: أنا أحبك، أنا أهيم فيك، أنا أحبك، أنا أموت فيك. حسنًا، أنا أموت فيك يا مولانا، نعم أنا أحبك وأموت فيك يا مولانا، وهو لا يطيعني.
فأنا أحبه أي حب؟ حب أنه ابني، وحب آخر أنه يحبني في الحقيقة، وأنا حزين منه لأنه لا يطيعني أبدًا.
والثالث ابني، يعني أحبه. رأيته وهو صغير هكذا جالس يحبو أمامي، يعني رأيته وهو ينمو ورأيته وهو مريض، جريت به إلى الطبيب. فأنا أحب ابني، إلا أنه لا يحبني ويقول: أنا لا أعرف لماذا جعلك الله أبي.
وبناءً على ذلك لا يطيعني، أقول له: يا ابني امشِ شمالًا فيمشي يمينًا، امشِ يمينًا فيمشي شمالًا، أسكت فيتكلم، يسكت وأنا لست قادرًا يا عيني إلا أن أحبه.
الفرق بين الحب المثلث والمثنى والمفرد ودلالة الآية على نوع واحد من الحب
ما الفرق بين الحب الثلاثي؟ الحب الثلاثي يعني الحب المثلث [حب الأبوة وحب المحبة وحب الطاعة]، والحب المثنى [حب الأبوة وحب المحبة]، والحب المفرد [حب الأبوة فقط]، درجات وأنواع وجهات.
إذن الآية تدل على أحد أنواع الحب وليس على كل أنواع الحب. والآية تبدأ في توجهها بالمخاطَب لا بالمخاطِب:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إذن:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
تصحيح مفهوم الآية وبيان أن الاتباع شرط لنيل حب الله الخاص
[السائل]: حسنًا سيادتكم، الآية تعني أيضًا أن حضرتك صحّح لنا المفهوم، فقد قال:
﴿فَٱتَّبِعُونِى﴾ [آل عمران: 31]
بعد:
﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 31]
يعني شرط: إذا كنت تحب الله اتبعوني، فهو يخاطبنا: إذا كنتم تحبون الله فاتبعوني، وجزاء هذا الاتباع أن الله يحبكم؟
[الشيخ]: فهذا هو، نعم. الله يحبكم من أي نوع؟ الله يحبكم من النوع الأول [الحب الأخص المثلث].
تطبيق مثال الأبناء الثلاثة على أنواع الحب الإلهي ودرجاته
هكذا أنا أقول له: تعالوا أنتم الثلاثة. أنت تحبني؟ قال: لا. قلت له: إذن لا كلام بيني وبينك.
أنت يا ابني الثاني تحبني؟ قال لي: نعم، وطوال النهار أقول لك أحبك، سأموت فيك، وفعلًا أنا أحبك. قلت له: إذن أطعني. قال لي: أطيعك؟ يعني انتقل إلى الحب الثالث [حب الطاعة]. قال لي: لا، لن أطيعك، أنا أحبك فقط. فهو في الحب الثاني [حب المحبة دون الطاعة].
فالجميع في حب، حتى هذا الذي لا يحب ولا يطيع، والثاني في حبين، والثالث في ثلاثة حب. نعم.
وارد قلبي يقول لا تركز على حبك لله بل ركز على حب الله لك
[السائل]: حضرتك يا مولانا، يعني تذكرت واردًا وكما نحن نتحدث مع حضرتك، فكرة هكذا كنت أتحدث مع نفسي دائمًا هكذا، أقول: هل أنا أحب ربنا أم أنني أدعي المحبة؟ يعني فوجدت هكذا معنى يرد عليّ، يقول لي: لا تركز على حُبِّكَ لي، رَكِّزْ على حُبِّي لَكَ. دَعْكَ من أنت من حُبَّكَ الناقص هذا. فهل هذا يعني صحيح أم خطأ؟
[الشيخ]: الواردات أشياء لطيفة، وعندما يأتي الوارد ويقول لك: لا تُرَكِّزْ على حُبِّكَ لي؛ لأنه ربما عندما ترى أنك تُحِبُّه وأنَّ حُبَّهُ طاعة ونوع من أنواع الطاعة ونوع من أنواع الدرجة، تلتفت إلى عملك.
مثل شخص يصلي ومعجب جدًا بنفسه أنه يصلي ويصوم ومعجب جدًا بقليل من صيامه، فيقول لك: لا تلتفت إلى عملك، أنا بأصل الخلقة أنا الذي خلقتك، أنا أحبك.
الله حبيب يحب صنعته وحبه لا يعني بالضرورة أنهم يحبونه
فهذا معنى يؤكد ما نقوله الآن: أن الله سبحانه وتعالى حبيب وأنه يحب صنعته. كما كتب العلماء وقالوا: إن حبه لصنعته لا يعني أنهم يحبونه.
فهذا يجعلهم أناسًا كارهين، أو يعني أنهم يكون لديهم أدب مع الله بأن يحبوه لأنه يحبهم. لكن في يوم القيامة ماذا ستفعل يا مسكين؟ أيها الإنسان المسكين، عندما ترى أن الله كان يحبك فلم تبادله هذه المحبة، كيف ستكون؟
إذا برزته فستكون قد ارتكبت فعلًا قبيحًا، فأحببته ولم تطعه.
المحب لمن يحب مطيع والحب الحقيقي يدفع إلى الطاعة
تعصي الإله وأنت تُظهِر حبه، هذا لعمري في القياس بديع، لو كنت حقًا تحبه لأطعته. وهذا هو النوع الثالث الذي يتمثل في أن المحب لمن يحب مطيع.
فلا يصح أن تقول طوال النهار: أنا أحبك، أنا أحبك، أنا أحبك، ثم لا تطيعيني. هذه حقيقةٌ غريبةٌ جدًا يا أخي.
على فكرة هو واقعٌ حاصل، لكن أريد أن أقول لك: ليس هذا هو الحب الحقيقي. الحب الحقيقي يدفعك إلى الطاعة، فالمحب لمن يحب مطيع.
أهل الفترة الذين يحبون الله ولم تبلغهم الدعوة ناجون عند أهل السنة
[السائل]: بعد الفاصل، نريد أن نأخذ سؤالًا من محمد هذه المرة. حضرتك، بالنسبة لما كنا نتحدث عن درجات المحبة وأن في أناس يحبونه بدرجات معينة، فكما ترى، يوجد أشخاص من بين السبعة مليارات الذين معنا يحبون ربنا، لكنهم لم يعرفوا طريق سيدنا النبي، أو ربما لم يتعرفوا عليه، أو قلوبهم لم تقابله. لكن إذا سألتهم: هل تحب الذي خلقك؟ سيقول لك: نعم، أنا أحبه أحبه.
[الشيخ]: طبعًا، أهل السنة والجماعة يرون أن أهل الفترة ناجون. وأهل الفترة هم الذين لم تبلغهم الدعوة بصورة لافتة للنظر.
وأهل الفترة قال الله سبحانه وتعالى في شأنهم:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]
فإذا لم يكن هناك نذير ولم تكن هناك صورة صحيحة، ولا تبليغ صحيح، لا يوجد بلوغ للدعوة، فهذا يُعد من أهل الفترة.
قصة لقاء مع زعيم الطاوية وإنكاره الإيمان بالله
عندما سرنا في الأرض شرقها وغربها وجدنا أناسًا في منتهى العجب. أتذكر أنني في مرة قابلت أحد كبار الطاوية، وهي ديانة تُسمى الطاوية.
في الطاوية هناك أبحاث تقول إنهم يؤمنون بالله الخالق. هذا الزعيم الديني قال: أنا أتحدى أن تأتوني بنص واحد أننا نؤمن بالله أو نؤمن بالخالق.
يا جماعة، يجب عليكم أن تفهموا وأن تعلموا أننا ملاحدة، وأننا لا نرى في هذا الكون إلا الإنسان، وليس لنا سوى أن نتعامل مع هذا الإنسان وأن نربي فيه الملكات وما إلى ذلك حتى يسعد.
الاختلاف داخل الطاوية وحلم الله على من أنكره من خلقه
إذن هذا رأي داخل هذه الديانة، أو هكذا يرى أنه لا إله. ويقول لك: إذن لماذا لا نجادل كثيرًا، أنا ليس لي تدخل بشيء اسمه إله، طالما لا يوجد إله، انتهى الأمر.
ها هو من السبعة مليارات. والسؤال هو: لماذا لم يخسف الله به الأرض وهو في المحاضرة التي كان يلقيها؟ أو وجدنا مثلًا كرسيه قد نزل؟ يا إخواني، ليس هكذا ربنا، ليس هكذا، والله ربنا ليس هكذا.
هذا ملكه، أنت لا تعرف. ربما هذا الرجل يؤمن بالله. من الذي قال في الدراسات أن الطاوية تؤمن بالله؟ هناك شخص طاوي أيضًا، شخص من نفس هذه الديانة، ويقول: لا، نحن مؤمنون وبالله، ها هو النص. فيقول له: أنت لا تفهم هذا النص، نحن لسنا مؤمنين بالله. مستمرون في حياتهم.
هؤلاء الناس يرزقهم الله رغم جهلهم به ولا يعرفون أن هناك إلهاً ليحبوه
لكن أريد أن أقول لك أن هؤلاء الناس يعيشون، وهؤلاء الناس أصلًا لا يعرفون أن هناك إلهًا أصلًا لكي يحبوه أو لا يحبوه. هم يقولون إنه غير موجود.
والأعجب من ذلك أن هؤلاء الناس يرزقهم الله ويتولى تربيتهم، وقد حصل على دكتوراة في تلك الكلمات التي يقولها هذه.
وهكذا إذا كان هذا الخلق عجيبًا، وكان هذا الشخص وأتباعه أو هو وشعبه أو هو وديانته ليسوا من خلق الله - بل هم من خلق الله - فيجب علينا أن نتدرب على فهم ماهية هذه المسألة.
ضرورة إيجاد مشترك مع الآخر وعدم قتل الزبون في الدعوة إلى الله
لا بد أن يكون هناك مشترك بينك وبينه عندما تتحدث إليه. لو قلت له: لا، أنا فقط سأقتلك، فماذا ستقتله؟ أتقتل زبونك؟ هذا زبونك.
فانظر إلى المأزق الذي نحن فيه كمسلمين، إننا هكذا ليست لدينا فكرة كيف نخاطب الآخر. والقضية كلها أن بعضنا يعرض علينا أن نقتل زبائننا.
الزبون الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام:
قال النبي ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم، خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»
إنها تجارة مع الله. أليس للتاجر سوق؟ أليس هناك سلعة؟
الدعوة إلى الله تقتضي الحكمة لا القتل وأمة الدعوة هم كل البشر
في عندما تحرق السوق وتحرق السلعة، بماذا ستتاجر بعد ذلك؟ أنت تقتل زبونك. هذا الزبون الخاص بك عند الله في الدعوة إلى الله، هذا الزبون الذي ابتلاك الله به لكي تدرس كيف تخضع.
حسنًا يا ربي، هذا الرجل، لن نفتح حوارًا معه إلا بمُشترك. ما هو المشترك؟ إذن يجب أن نقرأ قليلًا عقليته وكتبه وأوضاعه لكي أبحث من أين أجذبه.
منهج ابن عربي في دراسة الأديان والبحث عن النور في كل إنسان
على فكرة، من الأشياء اللطيفة التي أريد ذكرها، أو التي قام بها محيي الدين ابن عربي، أنه درس كل شيء، درس كل هذه الكتب، ثم عرف النور الذي يجذب كل طائفة منها.
فلم يفهموه وقالوا له: أنت واسع زيادة عن اللزوم. كذلك هي فيها نور يا مولانا. انظر يا بني، ما دام هناك إنسان له قلب وعقل وسلوك، فإنه يمتلك قابلية للنور، فهو ليس جمادًا ولا بهيمة أو حيوانًا.
لقد عُرضت عليه الأمانة، وما دام قد عُرضت عليه الأمانة، فقد عُرضت عليه الأمانة بشيء من النور الذي هو فيه. صحيح أنه ليس شمسًا يعني في وضح النهار، لكن فيه نور، وإلا فلا يمكن أن تجذبه إليك.
البحث عن النور في الآخر لجذبه والفتوحات المكية ومفاتيح الفهم
عندما لا يكون فيه نور، ماذا ستفعل حينئذ؟ هل أنت منتبه؟ كيف؟ فإذن أنت تبحث عن النور في من أمامك لكي تجذبه إليك من هذا النور الذي هو فيه.
لو فهمت هذه النقطة تستطيع أن تقرأ الفتوحات [المكية لابن عربي] وأنت مطمئن، التي يغضب منها الناس، ويذهب ليلتقط له كلمة من هنا وكلمة من هناك. أم أن هناك مفاتيح للفهم؟
أمة الدعوة وأمة الإجابة والفرق بينهما عند الإمام الرازي
إذا كان السبعة مليارات هؤلاء هم زبائننا، ولذلك يسميهم الإمام الرازي، فإن هؤلاء الناس كانوا يفهمون أصل الدعوة.
أمة الدعوة هم كل هؤلاء. أمة سيدنا النبي من ناحية ماذا؟ سبعة مليار هم أمة سيدنا النبي. كيف؟ من ناحية الدعوة، أنهم محل للدعوة.
حسنًا، والمسلمون؟ الأمة المجيبة هم الذين أجابوا داعي الله. لدينا ستة مليار على وجه الأرض حاليًا، ربما لم يصلوا إلى سبعة، ستة وكسور يعني، منهم مليار مسلمون والباقي غير مسلمين. أي أن أغلب البشر ثلاثة من كل أربعة ليسوا مسلمين.
الدعوة إلى الله بالحكمة وتحريم الفساد في الأرض وإراقة الدماء
فإذا كنتَ تريد أن تدعو إلى الله:
قال النبي ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
وتريد أن تكون شهيدًا:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
فهؤلاء أمة هذه الدعوة، عملاؤك، فتقتلهم! إذن ما الذي سيبقى لك؟
إن الفساد في الأرض وتدمير ما بناه الله وإراقة الدماء ليست من دين الإسلام في شيء، وليست من العقل في شيء أصلًا، وهي تدل على قلة الحيلة. ولذلك كل من ارتكبها على مر العصور من أي دين كان اصطدم بالحائط ولم ينتصر أبدًا.
قراءة التاريخ تؤكد فشل العنف والحب هو الأساس في الدعوة
قراءة التاريخ كله هكذا. صحيح، يحدث حزنًا وفتنًا وبلاءً ودماءً. أحدث التتار هكذا، وأحدث الصليبيون هكذا، وأحدث غيرهم إبادة شعوب بحالها.
صحيح يحدث ألم، وتحدث انتصارات وهمية، لكنها اصطدمت في النهاية بحائط القدر، اصطدمت في النهاية بمراد الله سبحانه وتعالى من خلقه.
ولذلك الحب هو الأساس، وسنظل نقول إن الحب هو الأساس. وكان جلال الدين الرومي يتبنى مذهب الحب.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
