رب لترضى جـ 2 الحلقة العاشرة | الكون يسبح | أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

رب لترضى جـ 2 الحلقة العاشرة | الكون يسبح | أ.د علي جمعة

27 دقيقة
  • ناقش العلاقة بين الفكر والذكر والتأمل وكيفية تعامل المسلمين مع التجارب الروحية المختلفة.
  • المسلمون يستمدون معرفتهم من مصدرين: كتاب الله المسطور (القرآن) وكتاب الله المنظور (الكون).
  • عند دخول أصحاب التجارب الروحية كاليوغا والتأمل في الإسلام، نقّوا تجاربهم وأخضعوها للكتاب والسنة.
  • التجارب الروحية الشرقية كاليوغا تتضمن مفاهيم مخالفة للعقيدة الإسلامية التي ترى الله مفارقاً للأكوان.
  • علماء المسلمين أخذوا الجانب الوصفي والتجريبي من هذه الممارسات وجعلوها تحت ظلال الشريعة.
  • المسلمون وجدوا ما يسمى باللطائف الخمس (القلب والروح والسر والخفي والأخفى) مقابل الشاكرات السبع في اليوغا.
  • الذكر والعبادة لهما تأثير إيجابي على المجتمع والكون، كما أن المعاصي تؤثر سلباً على البيئة المحيطة.
  • الكائنات والجمادات تتفاعل مع الإنسان وتتأثر بالذكر والعبادة كما ورد في القرآن والسنة.
  • المسلم يتناغم مع تيار الكون عندما يسجد ويعبد الله، ويكون في صدام معه عند التكبر والتجبر.
محتويات الفيديو(31 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج رب لترضى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى، نعيش هذه اللحظات في ظلال طريق الله سبحانه وتعالى مع شبابنا.

العلاقة بين الفكر والذكر والتأمل وتجارب الأمم السابقة

[السائل]: من الذي سيبدأ بالسؤال؟ بلال، تفضل سيدنا. وهل توجد علاقة بين الفكر والذكر والتأمل؟ يعني يقولون إن في الأمم السابقة كانوا يصلون إلى الخدر والجذب عن طريق التأمل والرياضات وأشياء صعبة كهذه، فيقولون إنه في التصوف يصلون إلى هذه الدرجة عن طريق الذكر والتفكر الكثير، فتكون الطريق أسهل قليلًا.

[الشيخ]: هذا ما قام به المسلمون، في دراسة الواقع؛ لأننا قلنا إن كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور كلاهما مصدر للمعرفة، وكلاهما صدر عن الله. كتاب الله المسطور [القرآن] صدر عن الله من عالم الأمر فهو ليس مخلوقًا، ولذلك قلنا القرآن كتاب الله ليس بمخلوق.

ولذلك فهو متجاوز للزمان والمكان وكأنه نزل الآن، والذين يدعون إلى تأريخانية القرآن يريدون أن يحصروا القرآن في زمن نزوله، وعلى ذلك يتخلصون منه بجملة واحدة وهي أنه لم يعد له حاجة في هذا العصر.

كتاب الله المنظور مصدر للمعرفة بالتدبر والتأمل والسير في الأرض

كتاب الله المنظور هو مصدر المعرفة أيضًا، أرشدنا إليها الله سبحانه وتعالى بالتدبر وبالتأمل وبالتفكر وبالسير في الأرض:

﴿قُلْ سِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا﴾ [العنكبوت: 20]

فكلاهما مصدر للمعرفة.

التجارب الروحية للأمم التي دخلت الإسلام كاليوجا والتأمل والزن

عندما دخل الناس في دين الله أفواجًا في الشرق والغرب، كانت لديهم تجارب روحية. من ضمن هذه التجارب الروحية اليوجا، ومن ضمن هذه التجارب الروحية التأمل (المديتيشن)، ومن ضمن هذه التجارب الروحية الزن، ومن ضمن هذه التجارب الروحية تلك التجارب التي كان يقوم بها أهل التبت.

عند دخول المسلمين أو البوذيين أو الشنتو أو الهندوس أو غيرهم، كانت الأمور واضحة أمامهم. وعندما دخل هؤلاء الإسلام، كانت الأمور واضحة أمامهم بأن الإسلام يتحدث عن عقيدة واضحة مفادها أن خالق الأكوان هو الله، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وأنه سبحانه وتعالى فعال لما يريد، وأنه مفارق للأكوان؛ فالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق، كلام واضح.

تنقية التجارب الروحية وتقييدها بالكتاب والسنة عند دخول الإسلام

وعندما دخلوا الإسلام دخلوا ومعهم تجارب، فعرفوا كيف يأخذون منها تجارب الواقع وكيف يتقيدون بالجزء المعياري - إن صح التعبير في لهجة اليوم وأدبياته - من الوحي.

حتى قال سيد الطائفة الجنيد: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.

الشاكرات في اليوجا والفرق بين مفهوم الطاقة الكونية وعقيدة المسلمين

ما الذي كان يحدث في اليوجا؟ الذي يحدث في اليوجا أن هناك أماكن معينة كانت تتأثر بالتأمل تسمى الشاكرات، وهذه الشاكرات قد تُفتح وقد تُغلق وما إلى ذلك، ويتأثر بها.

لكن عندهم عقيدة أخرى تخالف عقائد المسلمين وهي أن هناك طاقة كبيرة للكون. هل هذه الطاقة هي الله؟ حاشا لله، هذه طاقة، هذه مخلوق، لكنها في هذا السياق توضع مكان الله، ويأتي التلبيس والتدليس.

ومن هنا فلا المديتيشن ولا اليوغا ولا الزن، ولا غيرها من أنواع التأملات والتدبرات وما شابهها تنفع المسلمين [بهذه العقيدة المخالفة].

تنقية عباد المسلمين للتجارب الروحية ووضعها تحت ظلال الكتاب والسنة

فقام عباد المسلمين ممن لهم تجارب بتنقية هذه التجارب، أخذوا الجانب الوصفي، أخذوا الجانب الكوني، أخذوا جانب التجربة الإنسانية وجعلوها تحت ظلال الكتاب والسنة.

ماذا يأمر الكتاب والسنة؟ يأمر بأن نعبد الله مفارقًا للأكوان:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

يأمر أن ندعوه بأسمائه الحسنى، يأمر أن نذكره سبحانه وتعالى ذكرًا كثيرًا:

قال النبي ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

فصاروا في هذا الطريق وجرّبوا الأسماء الحسنى وجرّبوا كيفية الذكر، وبنوا من هذه تجارب تحمي العابد في طريقه إلى الله من الانحراف الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الاستفادة من التجربة الإنسانية بشرط موافقتها للكتاب والسنة

هذه التجربة الإنسانية استفادوا من كل شيء إذا وافق الكتاب والسنة، وتركوه إذا لم يوافق الكتاب والسنة.

أما فكرة أن هناك طاقة وأن هذه الطاقة طاقة عظمى كونية يأخذ منها الإنسان هي محل الله، حتى هذا الكلام يؤدي إلى الحلول والاتحاد.

تصفية الذهن في الزن والبديل الإسلامي من السنة النبوية وحكمة الحكماء

ولكن في الزن يقول لك: تريد أن تصفى؟ قم ضع ملاءة بيضاء أمامك. يجدون في السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن شيء مخطط وقال:

قال النبي ﷺ: «شغلتني أعلامها في الصلاة»

هيا قم هكذا، لا مانع أن تكون كما قال الحكماء: الماء والخضرة والوجه الحسن ثلاثة يجلون الحزن. هذه تجربة إنسانية.

منهج المسلم في التعامل مع التجارب الإنسانية وإخضاعها للكتاب والسنة

إذن فالمسلم يأخذ التجربة الإنسانية باعتبارها تجربة وصفية، باعتبارها تجربة إنسانية، باعتبارها واقعًا، لكنه يُدخلها تحت ظلال الكتاب والسنة.

فإن اتفقت معها كان بها وكانت من دائرة المباح المتاح، وإذا لم تتفق معها، رُدّت ورُفضت؛ لأنها تخالف تلك الأوامر الربانية والمنح الصمدانية والتوجهات النبوية.

الفرق بين علاج الروح بالذكر والفكر وعلاج النفس بالتأمل والطاقة

[السائل]: يقول يا سيدي إن هناك فرقًا، يعني التأمل والطاقة تعالج النفس، لكن الذكر والفكر وما شابه يعالج الروح، فالروح تتلاقى، فهذه الروح علاجها الفكر والذكر، والنفس علاجها التأمل والطاقة.

[الشيخ]: وكأنهم قد اطلعوا على الروح، وكأنهم قد اطلعوا على النفس، وكأنهم قد جعلوا هذه الأمور التي يُسأل فيها الأجر يا جماعة.

اليوغا تُعلَّم بمال، والتأمل (الميديتيشن) يُعلَّم مقابل مال، والزن يُعلَّم مقابل مال، ونحن لا نسأل الناس أجرًا.

التوغل في دراسة التأمل والطاقة يعلّم الكبر ويسد الطريق إلى الله

هل هم عرفوا الروح وعرفوا النفس ورتبوا الكلام بجانب بعضه هكذا؟ عندما تتوغل في دراسة هذه الأشياء فإنها تُعلِّم الكِبر وتعلّم الناس التعالي بعضهم على بعض، ولذلك فهو طريق مسدود مع الله سبحانه وتعالى.

أما هؤلاء [العباد المسلمون] فقد جعلوا إخلاص النية لله هو الأساس وهو البداية، وجعلوا اليقظة باعتبار معرفة أن الدنيا فانية، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه لا يكون في كونه إلا ما أراد، هي البداية الصحيحة.

التأمل واليوجا إناء دنيوي بينما الذكر الإسلامي مقصد رباني

ولذلك فإن التأمل أو اليوغا أو الزن أو غيرها، لأن هناك أشياء كثيرة أيضًا من هذا القبيل، هي إناء، ولكنه إناء دنيوي، إناء دنيوي.

لكن هذا [الذكر والعبادة الإسلامية] ليس إناءً دنيويًا، هذا مقصد رباني، هذه هي القصة.

فنعم، الشيء عندما يكون تابعًا لقوانين الدنيا هو في الدنيا، وإذا لم يخالف أيضًا الكتاب والسنة فهو مقبول حتى هذا.

الرد على من يرفض الأخذ من الواقع ويقتصر على الوحي فقط

وهذا هو القدر الذي بعض النابتة يعترض عليه، يقول لك: أنتم من أين تأتون بهذا الكلام؟ نأتي به من الواقع. ولماذا تأخذون من الواقع أصلًا؟ نحن لا نريد هذا الواقع إطلاقًا!

إذن المعرفة تختل وسنسير بالوحي فقط، وهذا ما لم يأمر به الله وما لم يأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لم يفهمه الأئمة العظام.

فهموا أن أمورًا تثبت بالشرع وأمورًا أخرى تثبت بالتجربة وتثبت بالوجود.

الثقة في تجربة المسلمين وكتاب البيروني في دراسة حضارة الهند

فإذا هذا المبحث يصفو عندما تثق في تجربة المسلمين.

ولذلك ترى البيروني يؤلف كتابه الماتع «تحقيق ما للهند من مقولة مرذولة في العقل أو مقبولة». بالطبع الكتاب يدرس حضارة الهند ويقبل ويرفض وينقد وينقض ويتفاعل معها. بأي أداة؟ بالإسلام.

اللطائف الخمس عند أهل الذكر الإسلامي بديلاً عن الشاكرات السبع

هذه الشاكرات السبع التي تحدثت عنها اليوجا، عندما بدأ أهل الذكر يذكرون ويتبعون الذكر الإسلامي بالكلمات العشر الطيبات وأسماء الله الحسنى والأدعية وما إلى ذلك، والوظائف المختلفة وما إلى ذلك، وجدوا ما يسمى باللطائف الخمس.

فليست الشاكرات ولا تحتاج إلى طاقة كبرى، تختلط مع بعضها بإيماننا بالله، ولا تحتاج كل هذا. وإنما هذه اللطائف هي: لطيفة القلب والروح والسر والخفي والأخفى، وسمّوها ووضعوا لها أسماء، وهذه الأسماء موجودة في القرآن.

اللطائف الخمس في عالم الملك والملكوت واستمرار التجربة الإنسانية تحت ظلال القرآن

وبعد ذلك عن طريق التجربة الروحية أيضًا جعلوا الخمسة هذه وكأنها في عالم الملك، وأن هناك الملأ الأعلى في عالم الملكوت تنعكس هذه الخمسة، فيبقى هناك القلب الملكوتي وكذا إلى آخره حتى نصل إلى أنهم عشر درجات.

لكن هذه الشاكرات تحدثوا فيها على أنها خمسة وليست سبعة. ما هذا؟ هذا استمرار للتجربة الإنسانية تحت ظلال القرآن والسنة.

الذكر والفكر ليسا بديلاً عن التأمل بل هما طريق آخر مختلف

[السائل]: يعني يا سيدي هكذا الذكر والفكر ليسا بديلًا عن التأمل وما إلى ذلك؟

[الشيخ]: الذكر والفكر طريق آخر، والتأمل وضعية أخرى.

سؤال عن علم الطاقة وتأثير طاقة الإنسان على من حوله وعلاقتها بالعبادة

بسم الله الرحمن الرحيم، عدنا من الفاصل، وكان محمد يريد أن يسأل قبل الفاصل سؤالًا عن طاقة الإنسان.

[السائل]: يعني فكرة علم الطاقة وكيف أن الشخص يمكن أن تتأثر طاقته على من حوله، وهذا يعني علم يتحدثون عنه، فهل هذا متعارض مع ما كنا نتحدث عليه؟

[الشيخ]: لا، الذي نحن نتحدث عنه وهو نوع من أنواع السلوك إلى الله سبحانه وتعالى بالعبادة والذكر والدعاء والقرآن.

لكن الطاقة الإنسانية التي في جسم الإنسان وكوامنها التي تصل في بعض التدريبات إلى ما يشبه الكهرباء الاستاتيكية، هذه موجودة في كل إنسان بغض النظر عن كونه مسلمًا أو غير مسلم.

الطاقة الإنسانية وتدريبات الجسد عند عباد التبت والهندوس

وهذه الطاقة وهي مؤلف فيها كثيرًا ولها تدريبات، إذا درَّب الإنسان كإنسان جسمه عليها فإنه يصل إلى هذا الحد.

وهكذا نجد في عبَّاد التبت وفي عبَّاد الهندوس من يدرب نفسه على أن ينام على المسامير، أو يدرب نفسه على أن يأكل الزجاج، أو يدرب نفسه على أشياء خارجة عن المألوف. وهذا من خصائص الأجساد، وليس له علاقة بالعبادة كعبادة.

ما يريده الإنسان من صفاء الذهن والشفاء رسمه الكتاب والسنة وأولياء الله

لكن ما الذي يريده الإنسان؟ يريد صفاء الذهن، يريد الشفاء من المرض، يريد استقرار الحال.

يريد لنا طريقًا لهذا، وهذا الطريق رسمه لنا الكتاب والسنة، ورسمه لنا أولياء الله الصالحون، ورسمه لنا أولئك الذين دخلوا الإسلام بتجاربهم الروحية، فنظموها وجعلوها تحت الكتاب والسنة وأهدوها إلى الناس.

هل للذكر تأثير على المجتمع أم يقتصر على الشخص الذاكر فقط

[السائل]: نعم يا مولانا، إن صح السؤال: هل للذكر تأثير على المجتمع؟ يعني هل تأثير الذكر توقيفي يقتصر فقط على الشخص الذاكر أم له أيضًا تأثير على المجتمع المحيط به بشكل أو بآخر؟

[الشيخ]: كل الطاعة والعبادة والذكر وقراءة القرآن لها أثر في الجو العام للمجتمع، وكل المعاصي لها أثر معاكس في المجتمع.

قصة قاتل المائة نفس والدليل الشرعي على تأثير البيئة في الإنسان

إذا كنت تسأل عن الدليل الشرعي لهذا ستجده موجودًا في ذلك الرجل الذي تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم ذهب إلى عابد فسأله: هل لي توبة؟ فقال له: تسع وتسعين نفسًا ويبقى لك توبة؟! فقتله فأتم به المائة.

ثم ذهب إلى عالم فقال: ما الذي يمنعك من التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى؟ ثم تنبه العالم إلى معنى فساد المجتمعات وأثرها السيئ على هذا المجتمع فقال: ولكن أراك بأرض قوم سوء.

يعني كيف تركوك تقتل تسعة وتسعين نفسًا؟

أثر البيئة الموبوءة بالمعصية وضرورة الانتقال إلى بيئة صالحة

من غير عقوبة ومن غير [محاسبة]، لا بد أنهم يظنونك بطلًا ويتركونك ويُعينونك على هذا الفساد وهذا البلاء، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه.

إذن فأنت في مجتمع تأثر بالمعصية، ارحل إلى أرض كذا فإن فيها أقوامًا أو قومًا يعبدون الله؛ لأنني تبت من قتل المائة.

تعلم لو استقريت في الوسط الموبوء، من الممكن أن أعود مرة أخرى. فأراد العالِم أن ينتزعه من الوسط الموبوء إلى وسط مساعد، يساعده هذا الوسط الجديد على الاستمرار في التوبة وعلى الخروج من الظلمات في المدينة الأولى أو القرية الأولى إلى النور في القرية الأخرى.

وبقية الحديث يمكن أن تعرفونه جميعًا.

الذكر والعبادة يؤثران في المجتمع وذرات الكون وعقيدة تسبيح الكائنات

إذن الإجابة على هذا السؤال، نعم، الذكر والقرآن والدعاء والعبادة والصلاح والخير يؤثر في المجتمع ويؤثر في ذرات الكون.

لدينا عقيدة في الإسلام أن هذه الكائنات التي حولنا تسبح:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

والنبي ﷺ من معجزاته أن سبح الحصى في يديه، سمعه الصحابة.

حنين الجذع للنبي ﷺ دليل على تفاعل الكائنات مع العبادة

وحنَّ له الجذع الذي كان يقف عليه في الخطبة بعد ما نحّاه، فاحتضنه لما سمعوا له نحيبًا، نزل من المنبر واحتضن الجذع فسكن.

قيل إنه تكلم معه كلامًا، فقالوا: يا رسول الله، ماذا قلت له فسكن هكذا؟ فقد كان يبكي وسمعناه في أرجاء المكان.

فقال:

قال النبي ﷺ: «قلت له: ألا يرضيك أن تكون معي في الجنة؟ فسكن»

فما هذا؟ الكون الذي حولنا بنص القرآن والسنة، كون في اتجاه العبادة؛ فهو يسجد ويركع ويذكر ويخاف ويبكي:

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29]

عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال دليل على تفاعل الكون

وعندما تتتبع هذا المعنى في القرآن:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب: 72]

هي تأبى أن تحملنها وأشفقنَ، هي تُشفق منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا.

إذن نحن في وسط عالم تفاعلي، ربنا لا يقول لي أن هذه مجموعة من الجمادات هكذا، لا، هذه أشياء تفاعلية.

تفاعل الكون مع الذكر والعبادة والسجود مع تيار الكون أو ضده

هذا التفاعل يتفاعل مع الذكر، ويتفاعل مع الحب، ويتفاعل مع البغض، ويتفاعل مع الكبر والفساد والإلحاد، ويتفاعل مع الإيمان ومع العبادة.

عندما أسجد فإنني مع تيار الكون الذي يسجد لله رب العالمين. عندما أتجبر وأتكبر فإنني ضد تيار الكون، في صدام يؤدي في النهاية إلى المعيشة الضنك كما قلنا في حلقة ماضية.

القرآن يصف الأكوان وكأنها تسبح مع الإنسان وجبل أحد يحبنا ونحبه

تأمل القرآن تجد أنه يصف الأكوان وكأنها معك تسبح، الريح والطير والجبال:

﴿يَـٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ﴾ [سبأ: 10]

وألنا له الحديد. ما هذا؟ وأي جبال هذه التي تؤوب؟

إذن، إذا كان ربنا سبحانه وتعالى [يخبرنا بذلك]، انظر إلى كلام سيدنا [رسول الله ﷺ]:

قال النبي ﷺ: «أُحُد جبل يحبنا ونحبه»

وما زلنا الآن ونحن نزور سيدنا حمزة ننظر إلى جبل أُحُد ونقول هكذا: أُحُد جبل يحبنا ونحبه. هل أُحُد يحب؟ نعم، هو النص هكذا.

النبي ﷺ دلنا على ما وراء المنظور وأن كل شيء في عبادة الله

فالنبي عليه الصلاة والسلام يعني دلنا على ما وراء هذا المنظور، وأن كل ما هنالك إنما هو في عبادة الله.

نعم، الذكر والصلاة والعبادة وكل هذا يؤثر تأثيرًا مباشرًا في ذرات الكون، في ذرات الكون.

تأثير البيئة الصالحة والفاسدة على الإنسان والانسجام مع الكون

فلما يؤثر، إما أن يؤثر في تلك البيئة التي رضيت بأن يُقتل مائة نفس، وإما أن يؤثر في هذه البيئة الصالحة التي تستقبل التائبين وتساعدهم على التوبة وعلى العبادة.

[السائل]: حضرتك تتحدث معنا يا مولانا، فتشعرنا وكأننا في انسجام مع الكون.

[الشيخ]: أحسنت، بالتأكيد نحن في انسجام مع الكون هكذا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.