رب لترضى جـ 2 الحلقة (20) | التعلق باسماء الله وصفاته | أ.د علي جمعة
- •ناقش الشيخ أسماء الله الحسنى وفق تقسيم الشيخ عبد القادر الجيلاني لها إلى أسماء أصول (سبعة) وأسماء فروع (ستة)، وهو تقسيم ناتج عن تجربة شخصية وليس حكماً شرعياً ملزماً.
- •بيّن أنه من الطبيعي أن ينجذب الذاكر لاسم معين من أسماء الله الحسنى، ويمكنه الاستمرار في ذكره طالما شعر بالتعلق به.
- •أوضح أن الأفضلية بين الأسماء أو الآيات نسبية وليست مطلقة، وتختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمكان والأحوال.
- •فرق بين الوضع والاستعمال في اللغة، موضحاً أن الضمير "هو" يصلح للذكر كونه أعرف المعارف.
- •حذر من استخدام لفظ "الإله" في الذكر لاشتراكه بين المعبود بحق والمعبود بالباطل.
- •أشار إلى أن الأسماء المشتركة بين الخالق والمخلوق تطلق بالاشتراك اللفظي وليس بالتشكيك أو التواطؤ.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج رب لترضى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضى.
كما تعودنا، نستمع إلى أسئلة الشباب الحاضر معنا ونحاول أن نجيب عنها، وأظن السؤال مع السيد أحمد، تفضل يا أحمد.
سؤال عن التعلق باسم معين من أسماء الله الحسنى أثناء الذكر
[السائل]: حضرتك يا مولانا، كنت حدثتنا عن أسماء الله الحسنى: الجمال والكمال والجلال، كنت أريد أن أسألك: هل يمكن لمن يذكر أسماء الله الحسنى أن يتعلق باسم معين أكثر من غيره؟ أن يشعر بأن هذا الاسم يؤثر فيه أكثر أو يحبه أكثر من غيره أم لا، وهل من الممكن إذا حدث ذلك أن يستمر فيه أم يجب أن يرجع إلى الشيخ، أو يتوقف ويكمل بقية الأسماء، أم ماذا يفعل؟
[الشيخ]: أسماء الله الحسنى، تأملها وتأمل كمالها وجلالها وجمالها. الشيخ عبد القادر الجيلاني رأى أن هناك أسماء سماها بالأسماء الأصول، وكأنها هي الأسماء التي سيُبنى عليها، أو يمكن أن تكون مدخلًا لأسماء الله الحسنى.
لا أريد أن أستعمل بعض الألفاظ مثل أن تكون مختصرًا لأسماء الله الحسنى، لا، هي ليست مختصرًا، هي أساس، هي مدخل لأسماء الله الحسنى في جماله وجلاله.
الأسماء الأصول والفروع عند الشيخ عبد القادر الجيلاني وطبيعة تجربته
ثم وجدها [الشيخ عبد القادر الجيلاني] سبعة [أسماء]، قال: لكن هذه السبعة تحتاج إلى تكملة، فسماها الفروع. يعني ابتداءً أن هذه السبعة عليها ستة؛ فالسبعة نسميها الأصول والستة نسميها الفروع.
وكل هذا من التجليات التي حدثت على قلب سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني. أحدهم يسألني: هل هذا وحي؟ لا، ليس وحيًا، هذا تجريب. يعني هل هو لازم؟ لا، ليس لازمًا.
كلمة "لازم" هذه ستذهب هناك في الأحكام: طلب لازم أم طلب، قضية أخرى تمامًا. إنما هذه تجربة، عندما نأتي لنتبعها، نتبعها على أنها تجربة شخص صالح، فأنت تتبعه وتتبع هذا الصالح في صلاحه.
منهج ذكر الأسماء الأصول والفروع والتسعة والتسعين والتعلق باسم معين
لأنه [الشيخ عبد القادر الجيلاني] عندما ذكر بهذه الأسماء وكذا، حسنًا، فمع تأمله وتعمقه في أسماء الله الحسنى، خرج بسبعة أسماها الأصول، وبنى عليهم أيضًا ستة أسماها الفروع.
فعندما تأتي لتدخل الطريق فيقول لك: اذكر الأصول أولًا. حسنًا، انتهينا من الأصول، فاذكر الفروع. تذكر الفروع، أثناء هذه الرحلة من الأذكار، تجد نفسك قد تعلقت باسم معين بعدما تنتهي منها.
يقول لك الشيخ: اقرأ الآن الأسماء التسعة والتسعين، وابنِها عليه. وأنت تقرأ كل يوم اسمًا من الأسماء التسعة والتسعين، أي أنهم ينتهون في تسعة وتسعين يومًا.
التمسك بالاسم الذي ينجذب إليه القلب وقاعدة حيثما تجد قلبك
فينجذب قلبك إلى اسم معين، ترتاح له وتشعر بسعادة غامرة من قراءته وراحة منه، فقم بالتمسك به. وشيخك يقول لك: تمسك بهذا الاسم ما دام حدث معه هذا التعلق.
لأن القضية كلها كما قالوا: حيثما تجد قلبك، انظر أين قلبك. يسأل بعض الناس: هل الأفضل أن أطيل في القراءة في صلاتي أم أن أطيل الركوع أم أن أطيل السجود؟ فقال: حيثما تجد قلبك يميل.
يقول لك: هل الصلاة أفضل؟ فأصلي في اليوم عشرين ركعة أو مائة ركعة أو نحو ذلك؟ أم الصيام أفضل؟ أم العمرة أفضل؟ حيثما تجد قلبك. الذكر أفضل ولا القرآن أفضل، حيثما تجد قلبك، أين تجد قلبك؟
تنوع العبادة بحسب القلوب وانقسام السؤال إلى شقين
تنوعت العبادة لأن الله خلق لكل قلب ما يشغله، والقضية هي حيثما تجد قلبك، انظر أين قلبك وكن معه.
وسؤالك ينقسم إلى شقين: الشق الأول أن شخصًا لديه شيخ ويذكر، هل ينجذب إلى اسم دون آخر؟ نعم، ينجذب إلى اسم دون آخر، وأحيانًا ينجذب [إلى] الاسم ما هو موجود في الأسماء الحسنى التي في رواية الإمام سيدنا أبي هريرة.
فيعني هو موجود نعم في الكتاب أو في السنة، لكن ليس موجودًا هنا [في رواية التسعة والتسعين]، مثل "قدير"، فكلمة "قدير" ليست موجودة في الأسماء التسعة [والتسعين]، هو ينجذب لـ"قدير".
الشق الثاني من السؤال والحالة الثالثة حين لا يتحرك القلب مع أي اسم
أو ما في شيخ، هذا الشق الثاني: إذا كان هذا الكلام يحدث والشيخ موجود، فيحدث أيضًا والشيخ غير موجود، فهي هي، فيستمر فيه، نعم يستمر فيه.
حسنًا، هناك حالة ثالثة لم تذكرها، سواء أكان هناك شيخ أم لم يكن، وانتهى من السبعة وانتهى من الستة وانتهى من التسعة والتسعين وقلبه لم يتحرك.
هذه حالة أخرى، يعني أنت تفترض أن قلبه مع اسم من الأسماء، لا، هذا أصبح قلبه لم يتحرك، فعلى الفور يقول لك: يكون "الله" [لفظ الجلالة]. يعني كان لفظ الجلالة "الله" هو الأساس، هو الأساس.
الشعور بتأنيب الضمير عند التعلق باسم معين وبيان نسبية الأفضلية
[السائل]: حضرتك، عندما يتعلق [الذاكر] باسم معين ويستمر في ذكره، ينبت داخل قلب المرء شعور بالذنب صغير، كأنه يرى أن الاسم هذا أفضل من الأسماء الأخرى، فيصبح المرء خائفًا هكذا. كما لو كان شخص يحب آية معينة في القرآن، فيشعر أن هذه الآية يراها أفضل من بقية الآيات لأنه يحبها هي بالذات، فتصبح هناك مسألة تأنيب ضمير صغيرة هكذا. فهل يعني ذلك أن الأسماء الأخرى ليست جميلة؟ أنا أذكر دائمًا.
[الشيخ]: فهذه الجزئية، تأنيب الضمير هذه، لأنه لم ينتبه إلى أن الفضل والأفضلية نسبية.
قصة الصحابي الذي كان يحب سورة الإخلاص وبيان نسبية الأفضلية
جاء رجل إلى سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا رسول الله، هذا الرجل أمره غريب، دائمًا يقرأ
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]
ولا يرضى أن يقرأ غيرها. فدعاه وقال له: ما الأمر؟ أتقرأ "قل هو الله أحد" على الدوام؟ قال: أحبها يا رسول الله. قال:
«حبك لها أدخلك الجنة»
ففي الواقع الأفضلية نسبية. النبي يقول مثلًا أن سورة الإخلاص هذه - سبحان الله - تعادل ثلث القرآن، نعم، من جهة معينة. ولذلك كان مشايخنا يقرؤونها ثلاث مرات كأنهم ختموا القرآن، وقد وردت [في ذلك أحاديث] كبيرة جدًا.
أمثلة على نسبية الأفضلية بين سور وآيات القرآن الكريم
وبعد ذلك يقول لك: "ياسين" مثلًا قلب القرآن، ويقول لك مثلًا آية الكرسي هي سنام القرآن، وهكذا. إذن، الأفضلية هنا نسبية.
فهل هناك تفاضل بين آية وآية؟ أليس كله قرآنًا وكله كلام الله؟ نعم، من هذه الناحية، من ناحية أن كله هو كلام الله، أجل. إنما الأفضلية نسبية.
نسبةً إلى أيّه؟ قال: تجدوا قلبي عندها، هذه هي النسبية. قال: الحُكم الخاص بها فتح ذهني. أنا أقرأ كثيرًا، لكن هذه الآية بالتحديد هي التي أنارت لي طريقي.
الأفضلية النسبية ليست وهماً بل حقيقة تتغير من شخص لآخر
هذا ليس كلامًا عن الآيات الأخرى، هذا الكلام عن هذه الآية بالذات، فضلها نسبي من جهة أنها هي التي أنارت لي طريقي. هذا وهم وليس وهمًا، هذه نسبية.
لا أقصد وهمًا أن يظن أنها أفضل من الآيات الأخرى، هي ليست وهمًا. إنها أفضل من الآيات الأخرى من ناحية معينة وهي أنه تفاعل معها، أتنتبه؟ هي ليست وهمًا، هذه حقيقة.
نظره أنها أفضل، لماذا هو يراها هكذا؟ لأنها نسبية. هل أنت منتبه؟ إنها تتغير، من شخصٍ لآخر. شخص يقول لك: والله أنا أرى شيئًا آخر، وشخص ثالث يقول لك: أتعلم، كنت أحب هذه الآية كثيرًا، لكنني أصبحت أحب هذه الآية الأخرى أكثر، أو هذه السورة أكثر، أو هكذا أكثر، فهذا نسبي.
الأفضلية النسبية لا تعني ضرب الآيات ببعضها وتتغير بالزمان والمكان والأشخاص والأحوال
هو وهو يحب هذه أكثر، نعم فهو يحب هذه أكثر من تلك، إذن ليس وهمًا، فهو صحيح وجيد جدًا، ولكنها نسبية بحيث أن غيره الذي يحب تلك أكثر، إنها نسبية أيضًا. نحن لم نضرب بعض الآيات ببعض، هذه عملية نسبية.
مادام قلنا إنها نسبية فلنتذكر على الفور الأمور الأربعة التي ذكرناها كثيرًا: الزمان، المكان، الأشخاص، والأحوال. ستجد أن الزمن يختلف، وستجد أن المكان يختلف، وستجد أن الأشخاص تختلف، وستجد كذلك، فهي نسبية.
إذن الأفضلية هنا لا تتعب نفسك ولا تهتم بها؛ لأنها أفضلية غير مطلقة، إنها أفضلية نسبية.
سؤال عن الضمير هو وهل يعتبر من أسماء الله الحسنى
[السائل]: نعم يا محمد، الضمير "هو" حضرتك، يعني هو هذا من ضمن ما كان في ثلاثة عشر اسمًا وأخبرتنا حضرتك أننا نأخذه في الأوراد وما شابه، فهل يعتبر هذا من أسماء الله الحسنى؟
[الشيخ]: هو في اللغة العربية وفي النحو يسمونه ضميرًا، ويسمون الضمير أعرف المعارف. هل أنت منتبه؟
فأيضًا إذا أُطلِقت كلمة "هو" دائمًا تُشير إلى الله سبحانه وتعالى. وربنا استخدم ضمير الشأن هذا، يقول:
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]
"قل هو"، أي مَن هو؟ الحاضر في كل وقت وحين، الله أحد. "قل هو"، أتفهم؟ فالضمير هذا يكون كأنه أعرف المعارف.
الضمير أعرف المعارف في جميع اللغات وأمثلة على استعماله
وهذا الكلام للعلم غير موجود في اللغة العربية فقط، لكن هذا موجود في اللغات كلها. سأعطيك مثالًا بسيطًا: عندما أقول لك "كم هي الساعة؟" أو "كم الساعة الآن؟" فـ"هي" تعني كم الساعة؟
وعبارة "من هي؟" تعني "من هذه؟" والدنيا هي الدنيا التي نحن فيها هكذا. "كم الساعة الآن؟" فتقول لي: الساعة كذا. "كم الساعة؟" "كم هي؟" أين ذهبت الدنيا؟ وهل يوجد أحد ينكر الدنيا أو لا يعرفها أو ما شابه ذلك أبدًا؟
إذن، الضمير أعرف المعارف. بعد الفاصل نواصل.
سؤال عن جواز الذكر بلفظ الإله قياساً على الضمير هو
دعونا نعرف موضوعنا قبل الفاصل، نتكلم وما زلنا نتكلم عن أسماء الله الحسنى. من عنده سؤال؟ تفضل يا أحمد لو سمحت.
[السائل]: قياسًا على الضمير، هل يمكن أن نقول أيضًا أنه يمكننا أن نذكر بلفظ "هو"؟ إذا قلنا "الإله" ينصرف الذهن إلى ربنا سبحانه وتعالى، فهل يمكن أيضًا أن نذكر بلفظ "الإله"؟
[الشيخ]: لو كان صحيحًا هكذا، لكن هل هو كذلك؟ "الإله"، هل هو مختص بالمعبود بحق أم أن لفظ "الإله" يُستعمل في قوله تعالى:
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]
إذن نستعمل [لفظ "الإله"] في غير المعبود بحق.
حكم الذكر بلفظ الإله وضرورة وضوح القصد عند الذاكر
فهل هو [لفظ "الإله"] عندما نطلقه هكذا ينصرف الذهن إلى الإله المعبود بحق؟ إذا كان كذلك، وإذا كان هذا صحيحًا، فسينفع الذكر به. لكن إن لم يكن كذلك فلا ينفع.
إذن لابد أن نجعله واضحًا معنا أن الذي يذكر يجب أن يكون في ذهنه أنه الله، هذا لا جدال فيه. أي عندما يقول "إن الإله" يعرف ما في باله، فماذا سيقول؟ الله. "الإله، الإله، الإله"، هذا لا يصح.
لا يصح هذا الكلام، سأخبرك لماذا لا يصح قبل أن تسألني عن السبب، وهو أنه عند الإطلاق، لفظ "الإله" يُطلق على المعبود بحق وعلى المعبود بغير حق كالأوثان وما إلى آخره، فنحن لا نفعل هذه [الشرك].
سؤال عن لفظ رب وتعدد معانيه في اللغة العربية
[السائل]: حسنًا، "رب" يا مولانا لها معانٍ كثيرة في اللغة العربية، هل أنت منتبه لها؟
[الشيخ]: منها رب البيت، ومنها ربة البيت، ومنها بمعنى الملك:
﴿ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: 42]
يعني عند ملكك. ومنها رب العالمين، وهكذا. فكلمة "رب" لها معانٍ كثيرة في اللغة.
سؤال عن انصراف الضمير هو إلى غير الله والفرق بينه وبين لفظ الإله
[السائل]: نعم يا بلال، نعم الضمير يا مولانا أيضًا يمكن أن ينصرف إلى أي شيء آخر، يعني "هو" أو "هي" أو "هم" أو "هو"، يعني أي شيء آخر غائب، أي شخص غائب. لكن عندما أذكر أنه "هو" الله، ليس أصبح أصل "هو" أي شخص آخر، شخص آخر، فأيضًا يكون ماذا؟
[الشيخ]: الفرق، يعني الفرق كبير بين السماء والأرض. كيف؟ هناك حالة تسمى الوضع. ما هذا الوضع؟ الذي جعل اللفظ بإزاء المعنى.
ومن الذي فعل ذلك؟ من الذي سمى هذا الشيء الذي فوقنا سماءً، والشيء الذي تحتنا أرضًا، والشيء الذي في يدي عصا؟ من الذي سمى هذه الأسماء؟ والألفاظ هذه تم وضعها مع هذه المعاني، كيف؟
واضع اللغة هو الله وتعليم آدم الأسماء كلها
فواضع اللغة هو الله، قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]
فيكون أول شيء أن نعرف أن هناك شيئًا اسمه الوضع وهو جعل اللفظ إزاء المعنى، وأن الذي قام بهذه العملية هو الله.
طيب، الله سبحانه وتعالى وضع الأسماء بإزاء المعاني، حتى قال ابن عباس: علّمه حتى القصعة والقصيعة. علّمَ آدمَ، قال له: هذا الطبق اسمه قَصْعة، والصغير اسمه قُصَيْعة.
لغة سيدنا آدم والوضع اللغوي وخصوصية الضمير كلي الوضع جزئي الاستعمال
[السائل]: القَصْعة، ما كانت لغة سيدنا آدم يا مولانا؟
[الشيخ]: لغة آدم يبدو أنها كانت العربية، لكن ليست هي القضية. هي اللغة كلغة، فالوضع جعل اللفظ بإزاء المعنى.
عندما نأتي إلى الضمير سنجد هناك أمر غريب جدًا لاحظه العلماء. ما هذا الأمر الغريب؟ قال: أنه كلي وضعًا، جزئي استعمالًا.
ماذا يعني ذلك؟ يعني عندما جاء واضع اللغة - نستطيع أن نقول هنا وقد اخترنا أن واضع اللغة هو الله - نقول واضع اللغة سبحانه وتعالى يضع كلمة إزاء معناها، وضعها للمعنى كلي. ماذا معنى كلي؟ يعني أي شخص نستطيع أن نقول عنه "هو".
الفرق بين الكلي والجزئي في الوضع والاستعمال مع أمثلة توضيحية
إنه كلي، الأشياء الكلية مثل كلمة "إنسان" لها أفراد. عندما أقول لك: اذهب ونادِ لي إنسانًا، يمكنك أن تحضر لي أي شخص: رجلًا، امرأة، كبيرًا، صغيرًا، مصريًا، إفريقيًا، آسيويًا، أي شيء.
فيكون "هو" كلي الوضع. عندما آتي لأستعملها، يجب أن أستعملها على واحدة، جزئية الاستعمال وليست كلية الاستعمال.
انظر إلى كلمة "إنسان"، فهي كلية الوضع وكلية الاستعمال. فقلتُ لك: أحضر لي إنسانًا، فذهبت تحضر إنسانًا، أي إنسان. لكن ليس هذا ما أقصده [في الضمير]، فأنا أقول لك "هو"، بما أني نطقتها بلساني، أصبحت جزئي ومعناها كلي.
الفرق بين جواز الذكر بالضمير هو وعدم جواز الذكر بلفظ الإله
فما هو السؤال الذي سألته؟ إنه الخلط بين الكلي والجزئي، الخلط بين ما في الذهن وما في الخارج هو الذي حيّرك، فقلت: الله.
طيب، ما [يخص] "هو" كلي، ما الفرق بينها وبين أن تقول لي هذه جائزة وهذه ليست جائزة؟ إن هذه ["الإله"] ليست جائزة لأن إطلاقها لا يخصصها ولا يجزئها ولا يجعلها جزئية. لكن هذه ["هو"] جائزة لأن استعمالها يجعلها جزئية.
فيكون إذن الوضع كليًا لكن الاستعمال أصبح جزئيًا.
سؤال عن صفة الكرم وهل استعمالها كلي أم جزئي في الذكر
[السائل]: حسنًا، لنأخذ مثلًا صفة مثل "الكرم" بناءً على الكلام الذي ذكرته حضرتك، فيكون استعمالها أيضًا كليًا، لأنه لو قلنا إن عندنا خمسة أشخاص جالسين نعرف أنهم كرماء، فيمكن مثلًا لو قلت لحضرتك: يمكن لأي شخص من الكرماء الموجودين هنا، أو "كريم" منهم، فيكون استعمالها كليًا. لكن عندما أذكر بها فأقصد الله سبحانه وتعالى، فيكون اللفظ أيضًا كلي الاستعمال، لكنني قصدت عند الذكر أن أخصصه على الله سبحانه وتعالى، ما المانع أن هذا أيضًا يكون على لفظ الإله؟
[الشيخ]: "كريم" ليس لها معنيان، واحد سلبي وواحد إيجابي. أما "إله" فلها معنيان: واحد سلبي وواحد إيجابي.
الفرق بين لفظ الإله ولفظ كريم من حيث السلب والإيجاب وإثبات الألوهية لغير الله
لكن الله تعالى نفى الألوهية عن غيره فعُلِمَ أنه لا إله إلا الله. لا إله، فأصبح هو فقط الإله. ربنا أثبت الألوهية لغيره وقال:
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]
فكيف يكون نفاه هكذا؟ لا، هذا هو: "الإله" له إما أن يكون معبودًا بحق أو معبودًا بغير حق. فهو استعملها في الاثنين لأنها تصلح للاثنين، فهي سلب وإيجاب.
عندما تقول حضرتك "إله"، لا أعرف ماذا تقصد وما هي قضيتك. لكن عندما تقول "هو" أعرف أنك في هذه الحالة إما تقصد الله في مقام الذكر وهو أعرف المعارف، أو تقصد المخلوق مثلًا.
الفرق بين كريم ومتكبر في الأسماء المشتركة بين الله والمخلوق
حسنًا، لكنها [كلمة "هو"] ليس فيها معنى سلبي. "كريم" ليس لها معنى سلبي. طيب، لو حذفنا "كريم" ووضعنا "متكبر" مثلًا، يمكن أن يكون لها معنى سلبي إذا أردت بها الإنسان.
وبعدين، يا "متكبر"، هنا أنت تنادي من؟ فهكذا يجب أن تضع في ذهنك الفرق بين الكلي والجزئي، والفرق بين الوضع والاستعمال، والفرق بين السلب والإيجاب.
انظر إلى هذه السلسلة وتدبرها وأخبرني ما هي القصة عندما تقول "يا متكبر".
الأسماء المشتركة بين الله والبشر والفرق بين الاشتراك والتواطؤ
لأن هذا، يا مؤمن، الله سبحانه وتعالى في أسمائه، الأسماء المشتركة، وهذه الأسماء المشتركة هي التي تطلق على الله وتطلق على البشر، لكنها تطلق بالاشتراك وليس بالتشكيك أو التواطؤ.
ماذا يعني ذلك؟ لا علاقة بين وصف الله بالمتكبر ووصف المخلوق بالمتكبر، فهذا مشترك لفظي. فالرب رب والعبد عبد.
وماذا يعني هذا؟ يعني أن هناك ألفاظًا أفرادها مختلفة وفي تحقيق معناها [مختلفة]، وهناك ألفاظ لها معنيان، وهناك ألفاظ لها معنى واحد متحقق.
عنوان الحلقة القادمة التواطؤ والاشتراك والترادف والعموم والخصوص
وهذا الذي سيكون عنوان الحلقة القادمة: التواطؤ والاشتراك والترادف والعموم والخصوص من وجه، والعموم والخصوص المطلق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
