رب لترضى جـ 2 الحلقة (26) | علاقتنا بالقرآن (2) | أ.د علي جمعة
- •تناول النص موضوع الجمع بين القراءات القرآنية وله أربع صور: الأولى جائزة كالقراءة بقراءة مختلفة في كل ركعة، والثانية الخلط في ركعة واحدة وتجوز إذا كان المصلون خلفه يعرفون القراءات، والثالثة للإجازة والاختبار، والرابعة قراءة الآية بعدة قراءات متتالية وهي ممنوعة عند أغلب العلماء.
- •تطرق النص لرأي الإمام مالك في عدم تعيين إمام ثابت للمسجد النبوي حرصاً على عدم انتشار الخطأ.
- •نوقشت مسألة قراءة الفاتحة في الصلاة، وحكم الأمي الذي لا يحسنها، وحكم الصلاة خلفه.
- •أكد النص على أهمية شهر رمضان وارتباطه بالقرآن الكريم، ومشروعية الاجتهاد في قراءة القرآن فيه.
- •بين فضل قراءة القرآن بتدبر على القراءة السريعة، وأشار إلى منهج الصحابة في حفظ القرآن خمس آيات مع تطبيقها قبل الانتقال لغيرها.
مقدمة البرنامج والترحيب بالمشاهدين في حلقة جديدة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا وأهلًا بكم في حلقة جديدة من حلقات رب لترضي، وكل عام وأنتم بخير.
معنا الشباب، وكان هناك سؤال من الحلقة الماضية.
حكم الخلط بين القراءات في نفس السورة داخل الصلاة وخارجها
[السائل]: قال السيد أحمد: كنت أود يا مولانا أن أعرف - بعد إذن حضرتك - هل يجوز الخلط في القراءات أم لا؟ يعني لو كان شخص يقرأ برواية حفص عن عاصم، هل يجوز له أن يكمل قراءته في نفس السورة في نفس الوقت - في الصلاة وخارجها، سواء متعمدًا أو ناسيًا يقرأ بقراءة أخرى أم لا يجوز؟
[الشيخ]: هذه مسألة تسمى عند العلماء بالجمع بين القراءات، والجمع بين القراءات له صور، بعضها قد يكون صحيحًا.
الصورة الأولى: كأن يقرأ بقراءة الكسائي في الركعة الأولى، وبقراءة ابن كثير في الركعة الثانية مثلًا، وهذا أجازه العلماء.
الصورة الثانية من الجمع بين القراءات وحكمها عند العلماء
الصورة الثانية: أن يقرأ في ركعة واحدة آيات من سورة البقرة مثلًا برواية ابن كثير، ثم ثلاث آيات بعدها برواية عاصم، ثم بثلاث روايات بعدها برواية حمزة وهكذا.
وهذا الخلط قالوا: هل المصلي الذي خلفك من علماء القراءات؟ يعني أنت لماذا تفعل هكذا؟ الذي خلفك هل هو عارف بالقراءات؟
نعم، كان كل الذين خلفي عارفين بالقراءات وعارفين ماذا أفعل.
قالوا: إذن فهو جائز. الذين خلفي لا يعرفون هذا، إذن فهو ممنوع.
الصورة الثالثة من الجمع بين القراءات وهي القراءة من أجل الإجازة
الصورة الثالثة: في القراءة من أجل الإجازة، والقراءة من أجل الإجازة معناها أن أنا شيخ وأنت التلميذ الخاص بي، فأنا أريد اختبارك فأقول لك: اقرأ.
فتقرأ، ولكي لا نأخذ وقتًا كثيرًا فتقرأ بطريقة معينة؛ تقرأ نافع، ثم تقرأ مثلًا الأول نافع، وبعد نافع تقرأ أبا جعفر، أبو جعفر تقرأ عاصم وهكذا.
تعود نفس الآيات مرة أخرى، وذلك من أجل التدريب والاختبار وجمع القراءات أثناء الإجازة الاختبارية؛ حتى أقول نعم أنت هكذا فهمت الفرق بين القراءات العشر، أتقنت القراءة وعرفت كيف تخرج من قراءة إلى أخرى إلى أخرى بترتيب معين وهو متفق عليه بين القراء كنوع من أنواع الإجراء، فهذا حلال.
الصورة الرابعة من الجمع بين القراءات وحكم تحريمها عند أغلب العلماء
الصورة الرابعة: أنه يجلس في مأتم أو في فرح أو في أمر ما وهو يقرأ القرآن، فيقرأ الآية ثم يعيدها مرة ثانية بقراءة أخرى، ثم يعيدها مرة ثانية بقراءة ثالثة وهكذا.
وهذه أغلب العلماء من القرّاء يمنعونها، ويقولون إن هذا جمع غير جائز؛ لأنه سينتج قراءة جديدة ليست موجودة أصلًا، أنه يقرأ الآية الأولى بقراءة والثانية بقراءة ثانية والثالثة بقراءة ثانية آية، فيخرج شيء لم يكن، فيحرمونها.
وألّف فيها الشيخ الحداد - خلّف الحداد - كتابًا لطيفًا اسمه الآيات البينات في امتناع جمع القراءات، لأبي بكر الحداد، وهو كان من مشايخ مشايخنا.
عارَضَهُ الشيخ مسعود الجنايني، ولكن نحن نميل إلى كلام الشيخ الحداد؛ لأنه هو الذي عليه جماهير الناس.
سؤال عن نشأة علم التجويد والقراءات وتأسيسه وقصة الإمام مالك مع المنصور
[السائل]: نعم يا محمد، هل حضرتك يا مولانا، علم التجويد وعلم القراءات الذي تم تبويبه والعمل فيه وتأسس في أي قرن يا مولانا؟
[الشيخ]: كان الإمام نافع والإمام أبو جعفر موجودون في عهد الإمام مالك، فلما جاء أبو جعفر المنصور وتولى الحكم، قال للإمام مالك: أنا أريد عمل ثلاثة أشياء.
قال له: ما هي؟
قال: أحمل الناس جميعًا على الموطأ؛ لأن الموطأ يعجبني كثيرًا. الأمر الثاني، أحوّل المنبر النبوي إلى منبرٍ من اللؤلؤ والمرجان. الأمر الثالث، أنني أعيّن نافعًا إمامًا للمسجد النبوي.
نحن الآن نتحدث في حدود، لأن الدولة العباسية جاءت سنة مائة واثنتين وثلاثين، يعني نحن نتحدث في حدود مائة وأربعين أو مائة وخمسين هجريًا تقريبًا، فنافع موجود.
رفض الإمام مالك لمقترحات المنصور الثلاثة وحكمته في ذلك
فالإمام مالك قال له: لا، أنا لا أرى هذا في الثلاثة.
قالوا: لماذا؟
قال له: ستحول المنبر ومرجان، والناس لا تريد لا اللؤلؤ الذي لك ولا المرجان، هي تريد الشيء الذي لمسه رسول الله، فهو أهم عندهم من اللؤلؤ والمرجان اللذين لك، فلا أرى أن تحرم الناس بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والأمر الثاني، أنك ستلزم الناس بالموطأ وقد خرج الصحابة وانتشروا وذاعوا في الأقطار وأنا في المدينة، فأنت بهذا ستحمل الناس كلها على فقهاء المدينة، دع الناس تختلف؛ لأن هذا الخلاف سيكون فيه سعة ورحمة.
ثالثًا، ستعين لي نافعًا إمامًا للمدينة، والحجاج قادمون ويعرفون أنه إمام القراءة نافع مشهور ومعروف وليس محتاجًا.
خطورة تعيين إمام مشهور في المحراب وأهمية التركيز في الإجازة
حسنًا، افترض أنه أخطأ وهو في المحراب، والمحراب له هيبة، يقول: شيبتني المحاريب، يحملها الناس عنه قراءة، فهو الإمام، وهي خطأ، فلا يصح.
يجب أن يكون الإمام جالسًا هكذا في حالة من التركيز وما إلى ذلك، ولا يوجد شيء اسمه أنه يقرأ ويستحضر، لا، يجب أن يكون جالسًا في أمانة الله حتى تكون الإجازة صحيحة.
فرجع المنصور عن رأيه، والإمام مالك بسعة أو بحدة ذكائه أدرك أن هذا هو من الظاهر أنها مسألة جيدة، أي ستعين من يكون إمام الحرم، لكنها تشتمل على خطورة عظيمة.
اللؤلؤ والمرجان شيء جميل جدًا أن تعظم منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجمله وتقيمه، لكن سأضيع على الناس البركة الأصلية التي هي البكاء العيدان التي لمسها النبي، هي جيدة.
موقف الإمام مالك من وحدة الفقه وحكمته في قبول الاختلاف الفقهي
بعض الناس الآن يدعون إلى وحدة الفقه، كيف تكون وحدة الفقه؟ كيف؟
دع الناس تختلف؛ لأن نسبهم ومصالحهم مختلفة، لا ينتبه إلى ما يريد أن ينجزه، يعني هكذا، ها هي كلمة وردٌ غطاها، وبعد أن نضع الكلمة سيعترضون، يقول لك الله ولكن هذا لا يحقق مصالحي بهذا الشكل.
فكان الإمام مالك أحكم وأولى من هذا.
سؤال عن حكم من أخطأ في قراءة الفاتحة وتعريف الأمي في الفقه الإسلامي
[السائل]: تفضل يا بلال، سيدي، حضرتك قلت لنا في الحلقة السابقة أن قراءة الفاتحة لازم نقرأها صحيحة، طيب لو أنا أخطأت، هل أعيد الصلاة ثانية؟
[الشيخ]: الذي لا يعرف أن يتقن الفاتحة نسميه في الفقه اسم غريب قليلًا، غريب أن يُسمى به، ولكنه ليس غريبًا: الأمي.
أنت أستاذ في الجامعة، لكن أمام من هو الأمي؟ عند الفقيه هو من لم يُحسن الفاتحة ولو كان أستاذًا في الجامعة.
فالأستاذ في الجامعة ماذا يعني؟ يعني عنده علم كبير في علوم شتى أو في العلم الذي هو متخصص فيه، ولكنه أمي [في قراءة الفاتحة].
حكم الصلاة خلف الأمي وحكم صلاة الأمي لنفسه وللمثله
ويترتب عليه مسألة الصلاة خلف الأمي؛ فعندما تكون أنت لا تحسن قراءة الفاتحة وتعلم من نفسك أن هناك حرفًا فيها أو أنك لا تعرفها، فلا تتقدم للإمامة.
أما بالنسبة لصلاتك نفسها، فأنت تنطق بشكل خاطئ، ومع ذلك فصلاتك في حد ذاتها مقبولة، أو صلاتك لمثلك أمي أيضًا هو الثاني.
لا، ولأنه إذا تقدم فهو خطأ، والثاني إذا تقدم فهو خطأ.
حسنًا، هذا يولد لنا مسائل كثيرة وهي أن الرجل تقدم وكان معه أخوه في الصلاة الذي مثله، وصلوا معًا، جئت فصليت وراءهم، اكتشفت أن الرجل الذي أمامي هذا أمي، أنوي المفارقة.
حكم الركعات التي صلاها المأموم خلف الإمام الأمي قبل اكتشاف حاله
أنوي المفارقة [أي أنني في قلبي قررت أنني خلاص قطعت القدوة مع هذا الرجل وسأصلي وحدي].
حسنًا، لو الركعات التي صليتها معه مثلًا - هل أعيدها - هل أحتسبها أم لا؟
الأمر عادي؛ لأنك اكتشفت أنه غير مؤهل، فأنت لم تؤدِ شيئًا لو كنت قد نويت ذلك في صلاة سرية، فأنت لن تعرف أصلًا هو أخطأ أم لم يخطئ.
لكن في الجهر ستعرف هل أخطأ أم لم يخطئ، فإذا أول ما تسمعه أخطأ، تنسحب، أنت صليت والله صلاة سرية، خلاص مقبولة إن شاء الله.
وهكذا بعد الفاصل نواصل الأسئلة حول علاقتنا مع القرآن الكريم.
سؤال عن العلاقة بالقرآن في رمضان وفضل الاجتهاد في العبادة فيه
بسم الله الرحمن الرحيم، رجعنا من الفاصل، كان هناك سؤال مع محمد، تفضل يا محمد.
[السائل]: بارك الله فيكم مولانا، بالنسبة لحضرتك، علاقتنا بالقرآن ورمضان، يعني نحن لدينا عُرف سائد هكذا، وهو أن الذي يقرأ القرآن قليلًا طوال السنة يُخرِج المصحف في رمضان ويقرأ، ويكون هناك جهد عام هكذا أننا يجب أن نؤدي الطاعات في رمضان ونجتهد ونعمل وهكذا، فهل هذا الموضوع صحيح أم هل نحن نعمل يعني رمضان هذا جاء لكي نعمل فيه عملًا أم جاء لكي تنزل نفحاته علينا كل شيء؟
[الشيخ]: والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل هكذا، كان إذا دخل رمضان شد المئزر وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون عندما يأتي رمضان، كان كالريح المُرسلة.
وفرض الله علينا صيام نهاره، وسنَّ لنا رسوله قيام ليله، وهو شهر القرآن؛ فمن المناسب أن نختم القرآن فيه.
رمضان شهر القرآن وفضل ختمه مرات متعددة في التراويح والتهجد
وقد ختم النبي القرآن على جبريل كل سنة في رمضان، فهو إذن شهر القرآن فعلًا، ليس فقط لأنه نزل فيه القرآن، بل أيضًا لأنه عُرض عليه القرآن في [رمضان]، حتى إذا كانت السنة الأخيرة عُرض عليه مرتين.
فهناك أناس يحبون أن يختموه مرتين: مرة مع الإمام في التراويح ومرة بمفردهم، أو مرة مع الإمام في التراويح ومرة في التهجد في العشر الأواخر من رمضان، ومنهم من يحب أن يختمه ثلاث مرات.
كل هذه من أعمال الخير، كل هذه من الأعمال التي وردت في السنة والتي هي من سنة النبي، فلا نتفلت عنها، بل بالعكس إذا دخل رمضان شدّ المئزر، وهي كناية عن أنه يجمع نفسه ويصبح مستعدًا للعبادة أو لمزيد من العبادة.
فضائل رمضان ونفحاته وقول الإمام الشافعي في أفضلية الصوم للمسافر
في رمضان تُصفَّد الشياطين، ورمضان أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.
رمضان شهر القرآن، رمضان شهر الصيام والصيام سر بين العبد وربه، رمضان فيه نفحات.
ولذلك الإمام الشافعي قال: المسافر أفضل له أن يصوم وليس أفضل له أن يفطر.
قالوا: كيف يعوض نفحات رمضان؟ هذا يجوز له أن يفطر على فكرة، لكن أفضل له أن يصوم.
﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]
نعم، أي أن قراءة القرآن في رمضان أفضل من أفضل الأعمال، يعني أفضل مثلًا من قراءة الكتب أو أفضل من الصلاة مثلًا.
حكم من يقرأ القرآن في رمضان فقط ويتركه بقية السنة وتحذير من وساوس الشيطان
فشيء أقرأه في رمضان فقط وبقية السنة لا أقرأه، يكون شكلي غير حسن، يعني لا.
عليك يا أخي، شكلك حسن أو غير حسن، اقرأه؛ لأنك أنت لا [تعلم] ماذا سيحدث بعد رمضان، وكيف ستكون هداية الله؟
فهذه من ألاعيب الشيطان، يأتي ليقول لي: لا تقرأ الآن، لماذا تقرأ؟ لأنك لن تقرأ بعد ذلك.
ما شأنك أنت؟ سأقرأ الآن، وربما أموت، فسأقرأ الآن، وربما يقدر الله لي أن أقرأ لاحقًا، سأقرأ الآن وقد أتوقف بعد ذلك، أكون قد ربحت الآن.
وهكذا يعني من كل وجه لابد أن نقرأ، أما التسويف فهذا يكون من تلبيس إبليس، هذا التسويف.
ميزة رمضان في الشعور الجماعي بالعبادة وأثره في تيسير الطاعات
رمضان ميزته أن هناك شعورًا جماعيًا حولك في بلاد المسلمين خاصة، فالنظام كله مبني على الصيام، يعني تجد الناس ينصرفون من العمل من أجل الإفطار، وسيقول له: مواقيت العمل يختلف، والمواصلات تختلف، والجو العام يختلف.
كل هذه الأشياء تساعد على أن تعيش جوًا روحانيًا وتتمكن فيه من أنك عندما تأتي لتقول لشخص ما وتعطيه موعدًا، تقول له: حسنًا بعد صلاة التراويح، فيكون إذا أديت صلاة التراويح في أمان الله وقابلته بعد التراويح.
وتجد أن هذا مقبول بشكل عام، لن يقول لك أحدٌ لماذا تذهب إلى صلاة التراويح، فالتراويح سنة، نعم صحيح أن التراويح سنة، لكن لن يقول لك أحدٌ ذلك أبدًا، بل سيقول لك: ولماذا تفطر؟ شربة ماءً وكفى؟
لا، بل يقول لك: حسنًا، بعد العشاء إن شاء الله، بعد التراويح، بعد الإفطار، بعد كذا، تجد أن الدنيا كلها تسير على هذا البرنامج، فهذا يساعد.
الحث على اغتنام رمضان وعدم إضاعته في النوم بل في التشمير للعبادة
وأنا لا أترك هذه الفرصة؛ الشياطين مصفدة والبركات تتنزل، وأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، والدنيا كلها واقفة معي، وأتركه وأقول: لا، هذا وقت النوم؟
لا، ليس وقت النوم، هذا وقت التشمير.
[السائل]: هل صحيح يا مولانا أن صحة الأثر الذي يقول أن السنة فيه الثواب فرضٌ، والفرض فيه الثواب أعلى من الفروض وارد؟
[الشيخ]: هذا في أنه سبعين، أنه الثواب فيه سبعين وكذا إلى آخره، وارد، نعم موجود في مصنف ابن أبي شيبة وكذا، نعم ورد هذا.
سؤال عن حكم من يكتفي في رمضان بأورداه المعتادة دون زيادة هل هو كمال أم نقص
[السائل]: نعم، لو سيدي أن واحدًا جاء وقال: أنا يعني أنا لدي مثلًا أوراد ولدي عبادات أقوم بها، سآتي في رمضان وسأكمل في ما أقوم به بالضبط كما أجتهد في عملي، فخلال رمضان سأجتهد في عملي داخل رمضان، وكما أؤدي أورادي سأقوم بها داخل رمضان أيضًا، هل هذا من الكمال أم من النقص؟
[الشيخ]: إنه من النقص؛ لأن رمضان مُعَدّ (لأمر خاص) للزيادة، في رمضان مهيأ للمنطلق أنك تبدأ فيه منطلقًا جديدًا.
فكون أنه يريد أن يسير كما هو، جائز، وأنت تسأل: هل هذا كمال أم نقص؟ لا، إنه نقص؛ لأنه تفويت للفرص على نفسي، فهذه فرصة لا تُعوَّض.
وإذا بالفرصة التي لا تُعوَّض قد تعاملت معها معاملة هينة لينة، كان فيها نوع من أنواع عدم الاهتمام، فالحاصل أن هذا يعدّ من علامات النقص.
سؤال عن أيهما أفضل القراءة السريعة لختم القرآن أم القراءة بتأنٍ للتدبر
[السائل]: سيد بلال، سيدي، أيهما أفضل أن أقرأ بسرعة لكي أنهي القرآن بأسرع وقت وأحصل على حسنات أكثر، أم أن أقرأ بتأنٍ لكي أتدبر أكثر؟
[الشيخ]: التدبر طبعًا ثوابه أكبر بكثير، فالقراءة السريعة أقل ثوابًا وأقل فائدة من البطء مع التدبر.
سؤال عن منهج الصحابة في حفظ القرآن خمس آيات وتطبيقها قبل التجاوز
[السائل]: نعم، قبل ذلك سمعنا يا مولانا أن الصحابة لا يحفظون آيات جديدة أو لا يعملون بها إلا بعدما يعملوا بما حفظوه قبل ذلك أو ما عرفوه سابقًا، فهل أولًا هذا الكلام صحيح عن الصحابة؟ وهل إذا كان صحيحًا، فهل من المناسب أن نفعل مثلهم؟
[الشيخ]: سيدنا عمر عندما حفظ سورة البقرة وآل عمران أقام احتفالًا كبيرًا، ومنهم أخذوا إقامة الاحتفالات عند إتمام شيء ما، مثلًا عندما ننتهي من دراسة صحيح البخاري في المسجد، أو عندما ننتهي من كتاب رياض الصالحين، نقوم بإقامة حفلة.
من أين أتينا بهذه العادة؟ كان الصحابة يفعلون هذا الأمر، وكانوا يسمونها حذاق من الحذق، هو حاذِقٌ يعني ماهر، فلما أتمّ هذا يُذبَح ذبيحة، وهذه الذبيحة تُسمّى الحِذاق.
طريقة الصحابة في تعلم القرآن بحفظ خمس آيات وتطبيقها قبل الانتقال
والناظم قال:
قالوا الحِذاق قالوا الحِذاق على الوليمة الخاصة بالكُتب هذه قالوا الحِذاق لحفظه وبيانه
يعني لأنه حفظ وأصبح فصيحًا لما قرأ أو لما حفظ أو لما كذا إلى آخره.
فكانت للصحابة طريقة هي طريقة نحن أرشدنا إليها، ما هي هذه الطريقة؟ أن يعيش القرآن، فكان يحفظ خمس آيات خمس آيات لا يتعداها إلا إذا طبقها.
وإذا طبقها، فماذا يكون قد فعل؟ تأملها، فهمها، استخلص منها برنامجًا للعمل، طبق هذا البرنامج، فيكون قد عاشه.
وورد في البيهقي: من حفظ القرآن خمسة لم ينسَ.
ولذلك كان مشايخنا يأمروننا بحفظ القرآن خمس آيات خمس آيات، ولكن طبعًا هناك حفظ خمس آيات مع ماذا؟ مع التنفيذ.
قصة سيدنا عمر في حفظ البقرة وآل عمران وأهمية التطبيق قبل الانتقال
بعد مدة مديدة حفظ سيدنا عمر البقرة وآل عمران، مع أنه كان قادرًا على أن يحفظ القرآن كله في ثلاثة أو أربعة أشهر، لكن لا، هو يحفظ خمس آيات ثم يفهمها ويستخرج معانيها ومنهاجها ثم يحول المنهاج إلى برنامج عمل يُطبق، وبرنامج العمل يطمئن لهذا ويحفظ الخمسة التي تليها، فاستغرق مدة طويلة في هذا.
[السائل]: محمد، مولانا، إذن على هذا الأساس لا يجب على المرء أن يضع فكرة حفظ القرآن يعني أنه يجب علينا جميعًا أن نحفظ القرآن، هل لا بد من الحفظ؟
[الشيخ]: حفظ القرآن له فوائد كثيرة، من ضمنها إصلاح اللسان، ومن ضمنها القيام في الصلاة، ومن ضمنها التدبر في القرآن، ومن ضمنها الثواب.
فحفظ القرآن شيء عظيم ومطلوب ومرغوب فيه، لكن ليس هو الأساس، الأساس هو التطبيق، الأساس هو التطبيق.
الحفظ وسيلة لا غاية وخطر اتخاذه غاية بدون تطبيق وحكم نسيان القرآن
هذا لا يمنعك من الحفظ، لكن لا تجعل الحفظ هو كل شيء فيتحول من وسيلة إلى غاية.
بمعنى ماذا؟ بمعنى أن أنا أريد حفظ القرآن، حسنًا، حفظت القرآن، ماذا فعلت بعد ذلك؟ هل عملت بما حفظت أم لم تعمل بما حفظت؟ إذا كنت لم تعمل بما حفظت، فأنت في ورطة.
ما هو الحفظ؟ ليس هو كل شيء، إنه وسيلة، فلا بد علينا أن نتخذ الحفظ وسيلة ولا نتخذ الحفظ غاية، خطأ أن نتخذ الحفظ غاية.
[السائل]: والحفظ عليه حسنات يا مولانا، الحفظ عليه حسنات، طيب لو نسي المرء يا مولانا، هل عليه وزر؟
[الشيخ]: طبعًا عليه وزر، ولذلك ينبغي على الحافظ أن يديم القراءة؛ لأن القرآن أشد تفلتًا من البعير.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
