رب لترضى جـ 2 الحلقة (28) | القرآن والسنة (2)| أ.د علي جمعة
- •السنة تعد مفسرة للقرآن وموضحة لأحكامه، وهناك آيات كثيرة تؤكد مكانتها، منها "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزل إليهم" و"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".
- •السنة قد تأتي بأحكام مستقلة غير مذكورة تفصيلاً في القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.
- •فهم القرآن يتطلب التقوى والخشوع والتدبر، كما قال تعالى: "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر".
- •من الصحابة البالغ عددهم 114 ألفاً، لم يفتِ إلا 125 شخصاً فقط، ولم يرو الحديث إلا 1800 صحابي تقريباً.
- •سماع المديح النبوي والاستماع للقراء المجيدين أمر محبب، وكان النبي ﷺ يحب سماع المديح ويحب أيضاً سماع القرآن من غيره.
- •التراويح صلاتها عشرون ركعة، وقد صلى النبي ﷺ ثماني ركعات، وجمع أُبي بن كعب المصلين على عشرين ركعة.
مقدمة البرنامج والترحيب بالمشاهدين في حلقة ربي لترضى
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ربي لترضى مع شبابنا.
نبدأ الأسئلة، تفضل يا بلال.
سؤال عن الأحكام الواردة في السنة وليس لها أصل صريح في القرآن كحد الرجم
[الأستاذ بلال]: حضرتك يا سيدي في الحلقة السابقة قلت لنا أن السنة مفسرة للقرآن وكل شيء في السنة له أصل في القرآن، ** ولكن هناك أحكام تكون خارج القرآن وتكون أحكامًا كبيرة مثل حد الرجم؟
[الشيخ]: القرآن فيه:
﴿أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]
فإذن الطاعة كررها مع الله والرسول، وجاء في أولي الأمر لم يكررها. لم بقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم.
في القرآن يقول:
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]
ونزلنا إِليك الذكر الذي هو ماذا؟ السنة.
الآيات القرآنية الدالة على حجية السنة النبوية وطاعة الرسول
في القرآن يقول:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ [النجم: 3-5]
في القرآن يقول:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
في القرآن يقول:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
يعني إذا الرسول يأمر وينهى، وفي السنة يقول:
قال النبي ﷺ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»
إذن هناك أشياء فعلها رسول الله ﷺ بطريقة معينة، هي تفصيل لما كان في القرآن.
السنة النبوية تفسير وتفصيل للقرآن الكريم وأسوة حسنة للمؤمنين
عندما يقول الله تعالى:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وعندما يقول سبحانه وتعالى:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى﴾ [آل عمران: 31]
ولكن الأسوة الحسنة هذه كيف نتبعها؟ إذا نحن أمام أمر مباشر من الله باتباع الرسول ﷺ، فالرسول يفسر لنا ما هذا الأمر، وكأنه يشرح القرآن.
لكن هناك أشياء في السنة ليست موجودة في القرآن أصلًا.
تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في السنة وعلاقته بمنهج القرآن
القرآن يقول:
﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾[النساء: 23]
﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾[النساء: 24]
﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء: 24]، انتهى الأمر، أي هذا فقط.
فيأتي في السنة فيُحرِّم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، ويقول:
قال النبي ﷺ: «فإنه أقطع للرحم»
إذن كأنه يرشدنا بهذا إلى أن تحريم الأختين ليس تحريمًا عليهما فقط، بل هو تحريم معلَّل بعلة؛ إن وُجدت وُجد الحكم في صور أخرى، وهو أن تجمع بين امرأتين يكون الجمع بينهما أقطع للرحم كالأختين.
تطبيق قاعدة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وضرب الأمثلة
مثلًا: البنت وعمتها، والبنت وخالتها فقط؟
قالوا: لا يجوز الجمع بين امرأتين - انظر، هذا الكلام ليس موجودًا في الكتاب ولا في السنة، لكنه موجود في المنهج.
المنهج يقول ماذا؟ القرآن يقول لي: أختين، فالنبي ﷺ أسأله: يا رسول الله، هل هذه حالات أم علل؟ هذا النص حالات أم علل؟
فأجابني بأنه علل. يا رسول الله، العلة إن وُجدت وُجد الحكم، وإن انتفت انتفى الحكم. قال: وهو كذلك، إنه يعلمني أن هذه علل وليست حالات.
فيقول: يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها.
الفرق بين الحالات والعلل في الفقه الإسلامي وأثره على استنباط الأحكام
وما دام علل، هكذا علّمني أنها علة وليست حالة؛ لأنه لم يكتفِ بقوله تعالى:
﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ﴾ [النساء: 24]
لو كانت حالات محددة لا يمكن أن أضيف إليها، ولكن لو كانت عِلَلًا يمكن أن أضيف إليها.
فنقول: يحرم الجمع بين كل امرأتين إذا فرضنا إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى، يحرم الزواج بينهما.
وبعد ذلك نضيف من الطرفين.
[مزيد شرح]: البنت وعمتها؛ البنت اسمها فاطمة وعمتها اسمها زينب. فاطمة لنجعلها ولدًا، ماذا يعني ذلك؟ إنه أخوها، يعني إذا تحولت إلى ولد تصبح أخاها.
تطبيق قاعدة الجمع بين المرأتين بضرب مثال فاطمة وزينب وحسن وحسنين
بنت هذا الرجل وبنت هذه السيدة هي هي نفسها، فأصبحت فاطمة [حسن].
هل يجوز أن يتزوج حسن عمته؟ لا.
حسنًا، زينب العمة لنجعلها أخاها [حسنين]، هل يجوز أن يتزوج حسنين ابنة أخيه التي هي فاطمة؟ لا، ليس جائزًا.
إذن لا يجوز أن نزوّج أو نجمع - أنا واحد من الناس - لا يجوز أن أذهب وأتزوج فاطمة وزينب في ذمة واحدة هكذا. لماذا؟ لأننا لو افترضنا أن فاطمة رجل، فسيحرمان على بعضهما، وستحرم عليها زينب. ولو جعلنا زينب رجلًا لحرُمت عليه فاطمة.
ما رأيك أن أجعلها مرة واحدة وانتهى الأمر؟ قال: لا، لو فعلتها مرتين هكذا لم ينفعا.
اشتراط إجراء اختبار التحريم من الطرفين معاً لصحة الجمع بين امرأتين
افترض أن واحدة منهما نفعت والأخرى لم تنفع. قال: يجوز أن تتزوجها، فلا بد من الطرفين.
مثل ماذا؟ دخلت بيتًا فوجدت فيه فتاة أريد أن أتزوجها، وفي نفس الوقت أريد زوجة أبيها.
والسؤال: هل يجوز أن أجمع بينهما؟
لا يجوز أن أجمع بين البنت وأختها، لا يجوز أن أجمع بين البنت وأمها، لا يجوز أن أجمع بين البنت وعمتها، لا يجوز أن أجمع بين البنت وخالتها.
ولكن هذه زوجة أبيها. هيا نحلها بالقاعدة التي معنا: البنت اسمها فاطمة، وزوجة أبيها اسمها زينب.
تطبيق قاعدة الجمع على مثال البنت وزوجة أبيها وبيان جواز الجمع بينهما
دعنا نفترض أن فاطمة [حسن]، هل يجوز له أن يتزوج زوجة أبيه؟ والله لا يجوز:
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم﴾ [النساء: 22]
إذن لا يجوز. لنفترض أن زينب [زوجة الأب] لنجعلها أخوها [فتحي]، هل يجوز أن يتزوج فتحي بفاطمة أم لا يجوز؟ يجوز؛ لأنه غريب عنها تمامًا، ليس هناك أي شيء محرم.
إذن، إذا كان لا بد من إجراء العملية للطرفين، فلو أن الاثنين تبين أنهما لا يصلحان من الجهتين، فيحرم الجمع بينهما. وإذا تبين أن أحدهم يصلح والأخر لا يصلح، فلا يحرم الجمع بينهما.
الإجابة أنه يمكن له أن يتزوج البنت وزوجة أبيها؛ فأنا دخلت البيت فوجدت الرجل قد مات، وهذه السيدة هي زوجة الأب، وهذه الفتاة الصغيرة هي ابنته، فيجوز أن أتزوج الإثنين.
السنة النبوية تعلمنا كيفية التعامل مع القرآن وفهم منهجه الشامل
إذن، إن السنة تعلمنا كيفية التعامل مع القرآن الكريم، وفيها أحكام مستقلة لكنها كالتفسير للقرآن الذي أتى مُجملًا.
ومن ضمن هذا القصة هذه، وفي أشياء في القرآن يا أبنائي، مثلًا في سورة الأحزاب:
﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]
فالشباب الذين نسميهم إرهابيين، هؤلاء الذين يخرجون على الناس بالسلاح ويقتلون ويجعلونها دماءً وما إلى ذلك، هؤلاء الشباب مرجفون، فيجوز قتلهم.
الفرق بين جواز الحكم وتطبيقه والنبي لم يقتل المنافقين رغم إباحة ذلك
هل قتلهم النبي ﷺ؟ انظر إلى أي درجة! أبدًا، لم يقتلهم النبي ﷺ ولم يقتل المنافقين والمرجفين.
وقالوا له: يا رسول الله اقتلهم. وكان سيدنا عمر كثيرًا ما يقول له: دعني أقتل هذا المنافق. فيقول:
قال النبي ﷺ: «دعه، حتى لا يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه»
فهناك فرق بين الحكم وأنه مباح، وبين أن تفعله أو لا تفعله؛ حتى لو كان مباحًا، وحتى لو أن الله سبحانه وتعالى أجازه لك، لكن لا تفعله.
إذن نحن نتعامل مع مناهج وليس مع جزئيات، ومن هنا تأتي السنة في مكانها الصحيح مع القرآن.
سؤال عن معنى تيسير القرآن للذكر وهل يعني أن أي شخص يمكنه فهمه واستخراج الأحكام منه
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم ورجعنا بعد الفاصل، ويبدو أن هناك سؤالًا عند أحمد. **[الأستاذ أحمد]:**حضرتك الآية التي يقول فيها ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]
أريد أن أعرف عن معنى التيسير للذكر، فهل هذا يعني أن أي شخص يمكنه قراءة القرآن وفهمه كما يريد، وأن يستخرج منه أحكامًا أو يستخرج منه أي معانٍ؟ أم أن الآية لها معنى أخر؟
[الشيخ]: نعم، هو في ذاته هداية وهدى للمتقين، لكن ربنا وصف نفس القرآن وقال في شأن الظالمين:
﴿وَلَا تَزِدِ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: 28]
ووصفه الله أيضا في الآيه:
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت 44]
فهو هداية لمن دخله خاشعًا خاضعًا ملتمسًا منه الهداية ينفتح أمامه.
شروط الانتفاع بالقرآن الكريم والفهم الصحيح لمعنى التيسير للذكر
قال: هل ترك لكم رسول الله ﷺ سوى هذا القرآن؟ قال: نعم، إلا فهمًا يُؤتاه أحدنا في القرآن.
فربنا سبحانه وتعالى أعطانا القرآن ويسَّره للذكر، يعني هو ليس مغلقًا في ذاته ولا صعب في ذاته، إنما هل من مدَّكر؟ أي هل هناك من يسعى فيدخل بالتقوى، ويدخل بالورع، ويدخل بالسكينة، ويدخل بالتضرع إلى الله، ويدخل وهو غير متكبر، ولا يرى نفسه أنه كذا وكذا؟
فهل من مدَّكر؟
الصحابة كانوا مائة وأربعة عشر ألفًا، والذين أفتوا منهم مائة وخمسة وعشرون شخصًا فقط من أصل مائة وأربعة عشر ألفًا. كان الذين يفتون خمسة عشر منهم فتاواهم كثيرة تصنع كتابًا، والباقون أفتوا فتوة واحدة فقط.
موقف الصحابة من الإفتاء وخشيتهم من الله وقلة من تصدر منهم للفتوى
إذن هؤلاء يخافون ربنا، ولم يكن لديهم إسهالًا في الإنكار وإسهالًا في التجبر والتعالي على خلق الله وشتم الأئمة المجتهدين.
مائة وأربعة عشر ألفًا لا نعرف أسماء إلا تسعة آلاف وخمسمائة فقط، وبقية المائة وأربعة عشر ألفًا عاشوا وماتوا ونحن لا نعرف عنهم شيئًا، لا نعرف أسماءهم.
فعندما ألّف المؤلفون في أسماء الصحابة، جمعناها تسعة آلاف وخمسمائة، لم يكملوا العشرة آلاف بالرجال والنساء بكل حاجة.
تسعة آلاف وخمسمائة نقلوا وروا الحديث وتصدروا للإفتاء وتعليم الناس والقراءات. ليس التسعة آلاف وخمسمائة، بل ألف وسبعمائة راوٍ فقط وقليل.
إحصاء رواة الحديث من الصحابة وأثر ذلك في فهم منهج التلقي والرواية
ألف وسبع مائة وقليل فقط، قل ألف وثمان مائة؛ لأنه ألف وسبع مائة وبضعة وثمانين، ألف وثمانية مائة صحابي، منهم ألف صحابي روى حديثًا واحدًا فقط، عاش حياته كلها من أجل أن يقول:
قال النبي ﷺ: «ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ»
فقط. وعندما تنظر ماذا قال، تجد الكلام طيبًا حلوًا جميلًا.
وبقية الصحابة، البخاري روى لكم صحابيًا؟ روى لمائتين وأربعة وخمسين صحابيًا. أما باقية التسعة آلاف؟ باقي التسعة آلاف لم يرووا شيئًا على الإطلاق، ليسوا موجودين، توجد أسماؤهم فقط، ومتى أسلم، ماذا فعل، ومتى مات، شيء مثل ذلك.
من يستحق الدخول إلى القرآن لفهمه وشروط التقوى والخشوع في التعامل معه
هذا الاسم ماذا روى؟ ماذا قال للنبي أو أفتى بماذا؟ لا يوجد.
مائة وخمسة وعشرون [أفتوا كثيرًا]، والآخر مائتان وأربعة وخمسون في البخاري، والثالث لا أعرف، وهكذا.
إذن مَن الذي يدخل القرآن ليفهمه؟ الذي لا يتلاعب معه، الذي هو كما قال سبحانه وتعالى:
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
الذي يطلب منه الهداية، الذي يتقي الله، الذي وهو داخل يكون خائفًا، ليس داخلًا متجرأ ومستهترًا.
إذن هذا هو القرآن وهذه هي السنة، وهذا هو حال الأئمة.
سؤال عن حكم تفضيل سماع المديح النبوي على سماع القرآن الكريم
[الأستاذ محمد]: الواحد لو يُحب أن يستمع إلى المديح لسيدنا النبي ﷺ، فأحيانًا يمكن أن يرغب المرء في الاستماع إلى المديح أكثر مما يرغب في الاستماع إلى القرآن، فهل في ذلك إساءة أدب أم لا توجد مشكلة؟
[الشيخ]: لا، لا توجد إساءة أدب ولا شيء، لا تقلق. لا تُوهِم نفسك بوسواس هكذا، ولكن كن حيثما كان قلبك احفظ هذه الكلمة. الإنسان يحب أن يسمع المديح، فسيدنا النبي ﷺ كان يحب أن يسمع المديح، وكان أيضًا يحب أن يسمع القرآن وقال:
قال النبي ﷺ: «إني أحب أن أسمع القرآن من غيري»
فلما سمع عبد الله بن مسعود قال: إذا أردتم أن تسمعوا القرآن كما أنزل فاسمعوه بقراءة ابن أم عبد.
النبي كان يحب سماع المديح ويشجع عليه وقصة كعب بن زهير في المسجد
وكان عبد الله بن مسعود يقول: والله لو عرفت أنك تسمع - كان يأتي النبي من وراءه يسمع - لحبرته لك تحبيرًا.
فكان [النبي ﷺ] يحب أن يسمع القرآن، وكان يحب أيضًا أن يسمع المديح ويقول لحسان:
قال النبي ﷺ: «قل وروح القدس تؤيدك»
ويدخل كعب بن زهير وكان مغضبًا قليلًا فقال:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
فخلع [النبي ﷺ] عباءته وفرشها وأجلس كعب عليها.
وهذا أمر عظيم جدًا، فقد كان يحب أن يستمع إلى المديح في المسجد وما شابه.
فالإنسان حيثما يجد قلبه أحيانا بعض الأشخاص يرى أن سماع المديح يرقق قلبه. وهناك أمور غريبة جدًا واجهناها.
البكاء من ألفية ابن مالك والشاطبية دليل على تنوع الأحوال القلبية وعدم التصادم بينها
مثل شخص يبكي من ماذا؟ يبكي من ألفية ابن مالك! الله! تبكي من ألفية ابن مالك؟ ذلك عندما تعجب كيف استطاع هذا الرجل أن يجمع هذا البيت ووضع فيه كل أحكام النحو على الرغم من تداخلها، بهذه السهولة. يبكي من الشاطبية في القراءات السبع برموزها.
فهذه أحوال، فنحن لا نصنع تعارضات وتصادمات بين الأحوال؛ لأن الأحوال شأنها هكذا.
[الأستاذ محمد]: الفكرة مولانا أن الإنسان يريد أن يكون مهذبًا مع القرآن، فنحن لا نريد أن نتجاوز .
[الشيخ]: هذا لا يعاند ذاك، فلا تخطر في بالك فكرة المصادمة. يعني كن مهذبًا مع القرآن يا سيدي
**[الأستاذ محمد]**كيف إذن؟
[الشيخ]: كن خاشعًا عند سماعه، إنك أنت تتدبره، وإنك أنت تجعل لنفسك حصة ووردًا منه.
سؤال عن حكم تشغيل القرآن في السيارة والحديث مع الآخرين والفرق بين السماع والاستماع
لكن في نفس الوقت لا تظن نفسك سيئًا لأنك تحب المديح.
[الأستاذ محمد] مثلا نكون في السيارة أحيانا وفي قرآن يُشغَّل، فهل يجب مثلًا أن أغلق القرآن لكي أتحدث مع صديق أو أتحدث في الهاتف؟ وهل هذا إساءة أدب؟
[الشيخ]: يوجد فرق بين السماع والاستماع، فالسماع هو أن يكون القرآن يُتلى -والقرآن كله بركة- وأنا لم أسمعه بينما أنا منشغل بعملي، وهذا بركة وحسن. وهناك أناس يشغلون القرآن في البيت باستمرار.
أما الاستماع فهو أن تجلس لتستمع إليه، وهذا يحتاج منك إلى التدبر وفهم المعاني وما إلى ذلك. فكلاهما خير.
سؤال عن حكم الانصراف من صلاة التراويح بسبب غياب الإمام المفضل وهل هو إساءة أدب مع القرآن
[الأستاذ أحمد]: استكمال لسؤال [محمد] ممكن في صلاة التراويح، قد أذهب لأصلي وأنا أعلم أن هناك إمامًا معينًا أحب أن أسمعه، فأصلي وراءه وأشعر بالخشوع، وأشعر أن صوته جميل، وأشعر بالتأثر. عندما أذهب ولا أجد هذا الإمام، أتضايق وأعلم أنني لو صليت خلف الإمام الذي يصلي الآن سأكون متضايقًا فأنصرف. فهل يُعتبر هذا أيضًا إساءة أدب مع القرآن؟ وكأني ذاهب للشخص ولست ذاهبًا للصلاة.
[الشيخ]: هذا ليس إساءة أدب مع القرآن، بل هو إساءة أدب مع نفسك. عندما تنصرف إلى أين ستذهب؟ هل ستصلي التراويح في بيتكم؟ أهلًا وسهلًا، افعل ذلك، لا بأس.
اللعبة الشيطانية في ترك صلاة التراويح بحجة غياب الإمام المفضل والذهاب إلى اللهو
أم أنك لن تصلي التراويح؟ هنا تظهر اللعبة الشيطانية! بحجة أن هذا سيء، أو هذا غير مناسب، وما إلى ذلك.
فهي إساءة أدب مع نفسك إذا تركت صلاة التراويح وذهبت إلى اللهو، هذه هي إساءة الأدب الحقيقية.
أما أن هذه اختياراتك، فحيثما تجد قلبك، فإذا كنت تجد قلبك وأنت منفرد هذا أصلًا حتى كذلك يمكنك أن تصلي التراويح في البيت، لكن يجب أن تكون لديك همة.
كثير من الناس في عصرنا عندما لا يصلون في المسجد لا يصلونها أبدًا، تفوت عليه. والدنيا تلاهي مليانة ملاهي، تركوها كما هي [مثل يدلل على حال الدنيا من وجود ملاهي تلهي الناس عن العبادة].
فمسألة الملاهي هذه هي التي تجعل صلاة التراويح في جماعة معينة لك على فعل الخير، فالمرء لا يترك هذه الأشياء إلا للأخْيَر.
سؤال عن عدد ركعات التراويح عند الصلاة منفرداً وبيان الخلاف الفقهي في ذلك
[الأستاذ محمد]: وهل يا سيدي لو صليتُ وحدي يجب أن أصلي ثمانية مثلًا؟ افترض أنني إذا شعرتُ أنني سأصلي ثمانية ركعات قد يجعلني أصلي بسرعة، لكنني مثلًا أريد أن أتذوق أربع ركعات مع نفسي هكذا.
[الشيخ]: أولًا هي عشرون ركعة ليست ثمانية.
ثانيًا، نحن في المسجد نصلي ثماني ركعات ونترك من يريد الذهاب يذهب، ثم يصلي بعد ذلك أربع ركعات وأربع ركعات ويقوم كما يشاء؛ لأن النبي ﷺ صلى ثماني ركعات، وأُبي بن كعب جمع المصلين على عشرين ركعة تراويح.
وبعد ذلك الناس الباقية تكمل إلى العشرين، وده جائز وده جائز وكلها أمور في نطاق الاختيار.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
