رب لترضى جـ 2 الحلقة (30) | الدعاء (2)| أ.د علي جمعة - تصوف, رب لترضى

رب لترضى جـ 2 الحلقة (30) | الدعاء (2)| أ.د علي جمعة

31 دقيقة
  • الدعاء عبادة قائمة بذاتها ويتحقق باللسان والقلب معًا أو بأحدهما.
  • الزمان والمكان والأحوال ليست شروطًا لاستجابة الدعاء بل محفزات ومساعدات عليها.
  • من آداب الدعاء خفض الصوت وعدم رفعه، فقد قال تعالى: "وإذ نادى ربه نداءً خفيًا".
  • قد يدعو الإنسان بالشر وهو يظنه خيرًا كما في قوله تعالى: "ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير".
  • من المنهي عنه في الدعاء العدوان وهو التفصيل المبالغ فيه.
  • ذكر الله يتضمن معنى "فاذكروني أذكركم"، فمن ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ أحسن منه.
  • ينبغي الخشوع عند قراءة القرآن، فإن لم يبكِ الإنسان فليتباكَ.
  • القرآن الكريم يعامل بقداسة واحترام، فلا يوضع فوقه كتب أو يرمى.
  • لا توجد علامات لاستجابة الدعاء، فالإنسان يدعو على أساس أن الدعاء عبادة.
  • التوكل والرضا والتسليم لله مطلوبة مع الدعاء.
محتويات الفيديو(25 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالمشاهدين في الحلقة الأخيرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة وأخيرة من حلقات رب لترضى.

كل عام وأنتم بخير، نختتم ما قدمناه من حلقات في هذه الحلقة الأخيرة، مرحبًا أيها الشباب، أعندكم أسئلة؟

سؤال عن عدم استجابة الدعاء رغم توافر شروطه وأحواله

[السائل]: تفضل يا بلال، حضرتك يا سيدنا، في حلقة سابقة قلت لنا إن الدعاء له زمان ومكان وأحوال لاستجابة الدعاء، فمن الممكن أن يقصد شخص كل هذه الأشياء وفي النهاية ربنا سبحانه وتعالى لا يستجيب الدعاء، لماذا؟

[الشيخ]: المُجرَّب هو أن يقع ذلك نادرًا، ويقع لمن سبق أن استجاب الله له الدعاء كثيرًا؛ فتراه عندما لا يُستجاب دعاؤه في هذه الحالة الخاصة أو في هذه المرة، لا يفقد الثقة في الدعاء؛ لأنه جرَّبه مرات ومرات واستُجيب الدعاء.

إلا أنه كلما دعا مائة مرة يُستجاب لتسعين ولا يُستجاب لعشرة، وهو يُجرِّب أن الله هو القاهر فوق عباده على هذه العشرة التي لم يستجب له فيها، لكنه يمتلك ثقة في الدعاء؛ لأنه دعا تسعين مرة فاستُجيب له.

الزمان والمكان والأحوال محفزات للدعاء لا شروط للاستجابة

أريد فقط أن أُصحِّح أن هذه العناصر: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ليست شروطًا لاستجابة الدعاء أبدًا، بل هي محفِّزات ومساعدات على استجابة الدعاء.

فعندما ندعو في ثلث الليل الأخير، وعندما ندعو في يوم الجمعة، أو عندما ندعو عند الملتزم - سُمِّي بالملتزم لأنه تُلتزم عنده استجابة الدعاء - أو تحت الميزاب في حِجر إسماعيل، أو عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

وربنا يقول:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]

فإذن، يعني من أجل هذا قال العلماء إن الله قد أبرز قبر نبيه؛ هذا النبي عليه الصلاة والسلام جاهد كثيرًا، كان من الممكن أن يُقتل في الحرب ولا يعرف أحد أين ذهب جسد النبي، لكنه أبدًا هو تحت القبة الخضراء باتفاق المسلمين وغير المسلمين.

قبر النبي ﷺ معروف للجميع وآية جاءوك تدل على مكانه

يعني ليس هناك نبي هكذا، ولا الخليل إبراهيم؛ نحن نعتقد أنه الخليل في منطقة الخليل، لكنه ليس قطعًا مثل هذا الذي اتفق عليه الجن والإنس كما يقولون، يعني في تعبير آخر: هذا اتفق عليه المسلمون وغير المسلمين إطلاقًا.

فلماذا حتى يُحرِّر القرآن الكريم نفسه فيقول:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾ [النساء: 64]

إلى أين؟ أصبح معروفًا أين تذهب إليه في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، فكل هذه تُعدُّ أصنافًا للبيئة الصالحة للدعاء.

ومرة سألتموني إذا كان الدعاء يُشترط فيه الوضوء مثلًا، أو يُشترط فيه استقبال القبلة، أو يُشترط فيه أن يكون المرء على طهارة في المكان وما إلى ذلك مثل الصلاة، فالدعاء يصح على أي [حال]، هذه الأشياء تساعد في قبول الدعاء أو هي بيئة صالحة لاستجابة الدعاء، فهي ليست شروطًا وإنما هي بيئة.

سؤال عن معنى آية جاءوك وإمكانية التحدث مع النبي ﷺ بعد وفاته

[السائل]: نعم يا محمد، حضرتك قلت قبل ذلك، والآية تقول:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾ [النساء: 64]

يعني ذهبوا إلى سيدنا النبي، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك، طيب، يعني نحن مثلًا نحن الآن لسنا عند سيدنا النبي ولسنا قادرين على الذهاب إليه فعلًا، هل يمكن أن نتحدث مع سيدنا النبي؟

[الشيخ]: في الدعاء هو وارد في التحيات: «السلام عليك أيها النبي»، أرأيت كيف أننا نقولها؟ كل المسلمين يقولون «السلام عليك أيها النبي».

وعندما جاء الرجل الضرير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ادعُ الله لي أن يرد الله عليَّ بصري، فقال [النبي ﷺ]: «هلَّا صبرت ولك الجنة؟» قال: ادعُ الله لي أن يرد الله عليَّ بصري، يعني لم يأخذ سبيل الصبر.

حديث الرجل الضرير والتوسل بالنبي ﷺ في الدعاء

قال [النبي ﷺ]: «اذهب فتوضأ وصلِّ لله ركعتين وقل: اللهم إني أتشفع بمحمد أن ترد إليَّ بصري».

يا محمد! حسنًا، أنت تنادي مَن؟ أهو الذي في الصلاة؟ الآن وانتهت الصلاة: «يا محمد إني أتشفع بك عند ربي، اللهم رد عليَّ بصري».

بعض الناس يظن أن هذا شرك أو شيء من هذا القبيل، فهو لا يعرف أن هناك مخلوقات تملك هذه القدرة؛ إبليس لديه هذه القدرة، فهو يسمعنا الآن، أنه يعني يسمع الذين في أمريكا يسمعهم ويوسوس لهم:

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ [الأعراف: 20]

يوسوس لهم وهم [في أماكن بعيدة]، فإبليس هذا بنص القرآن عارف ومتتبع ومتسلط على هؤلاء البشر، لا يطيعونه إلا من اتبعه من الغاوين.

قدرة إبليس على الاطلاع على البشر لا تعني الألوهية وفرق ذلك عن علم الله

لا بأس، لكن إبليس قادر على أن يكون بالمرصاد لبني البشر، أصبح بنو البشر الآن ستة أو سبعة مليارات، وإبليس كيف [يتابع] هذه الأمور كلها وإلى أين تتجه؟

﴿إِنَّهُ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]

فإذن، إبليس يرانا، كيف يرانا؟ الملائكة ترانا. أعني أريد أن أقول لك إن الاطلاع على الخلق في مجمله ليس من صفات الألوهية الخاصة بالألوهية، لا.

الله يرانا وعالم بذات الصدور وكل شيء، إبليس لا يعلم بذات الصدور، وهو يفعل كذا إلى آخره.

معنى النبوة وحضور النبي ﷺ في كل زمان ومكان من خلال التحيات

فقد ألَّف الشيخ الحلبي كتابًا لطيفًا فيه معنى النبوة، وما معناها، يقول: تعريف أهل الإسلام والإيمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم موجود في كل زمان ومكان.

كيف يكون وجوده هنا؟ وجوده من «السلام عليك أيها النبي» من تحياتنا.

بعض النابتة في هذه الأيام يأتي ليقول لك: لا تقل «السلام عليك أيها النبي» في التحيات! ماذا؟ هل أصبح الأمر هكذا؟ نعم، أي خلاص بدأ، وهذا هو نتيجة التفكير المنحرف، وهذا هو نتيجة الاستدراج الذي وُجد.

نحن لا نعتقد في النبي عليه الصلاة والسلام أنه رب ولا أنه إله ولا لديه خصائص الرب ولا حلَّ فيه الرب، والرسول محمي صلى الله عليه وسلم من هذا.

حماية النبي ﷺ من العبادة بدعائه ألا يُجعل قبره وثناً

لا يستطيع أي إنسان مجنون أن يعبد محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال [النبي ﷺ]:

«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»

فاستجاب الله له.

تخيَّل أن بعض الناس يُطلق عليهم السبئية عبدوا علي بن أبي طالب، وفي بعض الناس عبدت الحاكم بأمر الله الفاطمي، وفي بعض الناس عبدت البهاء مثلًا، وأصبحوا يُسمُّون أنفسهم بهائيين، وأتوا بدين جديد تمامًا لا علاقة له بالإسلام.

لم يعبد أحد محمدًا، فهل لا يوجد شخص مجنون؟ ألا يوجد شخص منحرف؟ ألا يوجد شخص ضال؟ هل الأمة يعني لا يوجد فيها ما هي فيها؟ البهائيون ففيها الحاكمية هذه وفيها السبئية وفيها أولئك الناس جميعهم.

فإذن الأمة ليست بعيدة عن أن تقع في هذه الورطة، ورطة الشرك أو ورطة كذا.

سؤال عن تقييد الدعاء بزمان معين وحكم العدوان في الدعاء

إذن كان أولى سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أبدًا لا أحد ولا أحد، الله لا أحد.

[السائل]: حسنًا، أحد، حسنًا، ليكن شخص ما على سبيل المثال من أعداء الإسلام يدَّعي أنه مسلم، ثم يقول: أنا لا أعتقد أن هذا النبي مؤيَّد من عند الله، هل من الممكن أن نُقيِّد الدعاء؟ يعني إذا أراد أحد شيئًا منا، فيقول في الدعاء وقتًا معينًا أو لا يصح ذلك، وهذا أحد أنواع المنهي عنه في الدعاء؟

[الشيخ]: يكون في عدوان؛ «اللهم ارزقني اليوم تفاحًا من عند بائع الفاكهة الذي على هذه الناصية»، قالوا فيه أنه ليس من الأدب.

«اللهم ارزقني اليوم كبابًا مشويًا من عند الشخص الفلاني صاحب المطعم الفلاني لأنه طيب»، لا، ليس هكذا، إنما: «اللهم ارزقني طعامًا طيبًا».

العدوان في الدعاء بالتفصيل المفرط وأثره على صحة الصلاة

انظر إلى الفرق، إنه فرق كبير؛ «اللهم ارزقني رزقًا واسعًا» وتبقى في ذهنك التفاحة التي أتعبتك.

هذا التفصيل الذي يصل إلى حد أنه يشبه كلامًا بين البشر، هو ما يوجد فيه العدوان؛ «اللهم ارزقني بخمسمائة وخمسين ألف جنيه ونصف، وليكونوا جددًا»، يكون بهذا الشكل هو العدوان، وهذا عدوان في الدعاء.

وأيضًا لو كان من هذا القبيل وذُكِر في الصلاة أبطلها؛ لأنه من كلام الناس، فلو قلتَ في سجودك: «اللهم ارزقني اليوم تفاحًا» بطلت صلاتك؛ لأنك تكلمت بكلام نهى الله عنه، فقال:

﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]

سؤال عن معنى النداء الخفي في دعاء زكريا عليه السلام

بعد الفاصل نواصل، عدنا من الفاصل، وكان هناك سؤال مع بلال.

[السائل]: سيدي، في القرآن في آية تقول:

﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]

ما معنى إذ نادى ربه نداءً خفيًا؟

[الشيخ]: فالدعاء من آدابه أن يكون بصوت فيه خشوع وخضوع، وليس بصوت عالٍ.

لقد رأينا قلة الأدب التي حدثت في بعض الميادين عندما كان المعتصمون يصرخون إلى الله، وهذا لا يجوز يا إخواننا؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ.

فالأدب يأتي مع خفض الصوت، وهذا من آداب الدعاء ألَّا يرفع الإنسان صوته.

سؤال عن تفسير آية ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير

[السائل]: أحمد، هل يمكن لحضرتك أن تتفضل علينا بشرح الآية الكريمة:

﴿وَيَدْعُ ٱلْإِنسَـٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ﴾ [الإسراء: 11]

[الشيخ]: أي إن الإنسان عجول، يعني الإنسان أحيانًا يظن شيئًا ويُصمِّم عليه فيدعو به، وهو في الحقيقة يدعو على نفسه بشر.

فهناك شخص يدعو أن يتزوج هذه الفتاة، وقد تكون له شر زوجة، أن تنجب والولد سيكون عليها نكد.

فأحيانًا الإنسان ولأنه لا يعرف الغيب يدعو الله سبحانه وتعالى ويُلحُّ في الدعاء على شيء هو عليه شر، فعلى الإنسان وهو يدعو أن يكون دائمًا قلبه معلقًا بأن الخيرة فيما اختار الله.

الإنسان يدعو على نفسه بالشر وهو لا يدري ومثال الطائرة

وهو يدعو يعرف أنه الحمد لله رب العالمين الذي جاءت الأمور على هذا النحو.

يدعو الله [مثلًا] أنه لو لحق الطائرة ولم يلحقها والطائرة سقطت، فهذا يعني أنه كان يدعو على نفسه بالشر وهو لا ينتبه لذلك.

وهناك أمر آخر في نفس الآية، وهو أن هناك نوعًا من الناس يجتهد في طلب الأذى كما لو أنه يجتهد في طلب الخير، فكما يدعو قائلًا: «يا رب ارزقني» أيضًا يدعو ويقول: «يا رب لا تُرزق الثاني هذا»، ما شأنك بالثاني؟

ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير، فهناك هذا المعنى وهناك ذلك المعنى، أي أن الآية تحتوي على المعنيين معًا.

نكتة المحكوم عليهما بالإعدام وتوضيح معنى الدعاء بالشر

في نكتة، لابد أن نذكر نكتة: أن هناك شخصين كان محكومًا عليهما بالإعدام، فقالوا للأول: ماذا تتمنى قبل الإعدام؟ قال: أريد أن أرى أمي [قبل] الإعدام، فرصة، وهكذا قالوا له: حسنًا، حاضر.

ثم قالوا له [للثاني]: ماذا تتمنى؟ قال: أن لا يراها [أي أن لا يرى أمه الأول]! ما شأنك إن رآها أو لم يرها؟

لكن هناك أناس هكذا، أناس يدعون بالشر وكأنه خير، وكأن الخطأ الذي يقوله كأنه مشروع، كأنه خير، فهذا هو معنى الآية.

[السائل]: نعم تفضل، الإنسان لا يعلم إن كان ما يدعو به خيرًا أم شرًا، فيدعو وأحيانًا يُلحُّ في الدعاء وقد يمر وقت طويل دون استجابة، لكنه يستمر في الإلحاح، فالسؤال: هل يستمر في الدعاء أم يستمر في الدعاء مع الرضا بما قُسم له؟

الرضا والتسليم بقضاء الله هو الحل عند تأخر استجابة الدعاء

والتسليم، الحل الخاص بها هو الرضا والتسليم؛ لأنه في حالتك هذه لا يعرف هو يدعو ولا يعرف ما حكمة التأخير، ثم بعد ذلك تظهر له هذه الحكمة ويظهر أن الخيرة فيما اختار الله.

«ولو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع»

كما قيل، يعني في الحكم.

[السائل]: نعم سيدي، ماذا يعني ذكر الله في قول الله تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ يعني ما معنى ذكر الله لنا؟

[الشيخ]: إن ذكر الله قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، وقد يكون باللسان والقلب معًا.

فمن ذكرني في مَلَأ أي في جماعة من الناس مرموقين ومحترمين، ذكرته في ملأ أحسن منه وأعظم منه.

معنى ذكر الله للعبد في الملأ الأعلى وأثره في محبة الناس

يعني عندما تذكر الله أمام الناس، يَذكُرُكَ في الملأ الأعلى، يعني يَذكُرُ اسمَكَ في الملأ الأعلى.

أن الله سبحانه وتعالى يُنادي في الملأ الأعلى إذا أحبَّ شخصًا، الملأ الأعلى موجود فيه سيدنا جبريل وسيدنا ميكائيل وسيدنا إسرافيل الذين هم الملائكة الكبرى.

الملأ الأعلى هذا، فيُنادي في الملأ الأعلى: «إني أُحِبُّ فلانًا فأحِبُّوه»، فلان هذا مَن يكون؟ بلال الذي هو حضرتك، يكون اسمك قد ورد في الملأ الأعلى طبعًا، يعني الملائكة سمعت الاسم، خلاص جلَّ جلال الله.

فيأخذها الملائكة الكبار هؤلاء، الملأ الأعلى هذا، وينزل إلى الملائكة أن الله يحب فلانًا فأحبوه، تخيَّل أن أهل السماوات يحبونك، فستكون دعوتك الصغيرة هذه مستجابة كبيرة وستُستجاب.

محبة الله للعبد تُلقي القبول في قلوب الناس ومثال موسى مع فرعون

فأنتَ مشهور في عليائك، وستظل الملائكة تنزل بهذا الكلام إلى أن يصل إلى قلوب الناس، فتجد الناس يحبونك، من أين يأتي حب الناس هذا؟

يُقال لك: إن حب الناس من حب الله، ما معنى ذلك؟ معناه أن الله أمر في عليائه سبحانه وتعالى أن يحبوك، فتجد أن الله ألقى عليك القبول:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]

فالله سبحانه وتعالى جعل فرعون عندما يرى موسى وهو يعلم أن هذا فيه هلاكه، ويقولون إن فرعون هذا كان يقتل بالنظرة، ينظر بعينيه فقط وخلاص يقتلونه.

طيب هذا شخص جاء وتربَّى في بيت فرعون وقتل المصري وخرج إلى مدين وبقي هناك وجاء وهكذا، وهو يبحث عن الطفل الذي من بني إسرائيل الذي سيقتله ويكون سببًا في موته.

فرعون يتحدث مع موسى بلين رغم جبروته بسبب محبة الله لموسى

قُم فور أن يراه [موسى]، وهو فرعون المفتري، وهو فرعون الجبار الذي يقول:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

وهذا من بني إسرائيل، وهناك احتمال كبير أنه هو القاتل له وهو الذي سيكون فيه هلاكه، فعندما يقابله يقول له:

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: 18]

يعني أين جبروتك يا سيدي فرعون؟

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [الشعراء: 18-19]

ما هذا؟ ما هذا الخطاب اللين جدًا؟ ثم يظل معه حتى يستدعي له السحرة وهكذا.

حسنًا لماذا لا تقتله وينتهي الأمر، ألا ترى أنه أمامك الآن؟

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

فإذا بفرعون لم يستطع أن يفعل شيئًا، وأخذ فرعون يتحدث مع سيدنا موسى بكلام لين جدًا وضعيف جدًا على مرأى من الجميع.

محبة الله لموسى هي سبب ضعف فرعون أمامه وعجزه عن قتله

هذا المشهد: أولًا أنه فرعون، ثانيًا أنه أمام الناس، هذا سبب هلاكه رقم أربعة أنه هذا من أعدائه رقم [واحد]، يعني الحكاية.

لكن:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: 39]

هي السبب، هي التي جعلت فرعون يحب موسى وليس قادرًا إلا أن يحبه.

[السائل]: تفضل يا أحمد، هناك علامات يا مولانا لاستجابة الدعاء، يعني ما بين أن الشخص يدعو وما بين أن الشيء الذي دعا له يحدث فعلًا في هذه الفترة، وهل توجد أي علامات تظهر له تُبيِّن أن دعاءه مستجاب أو سيُستجاب أم لا؟

[الشيخ]: لا، لا توجد علامات ولسنا بحاجة إليها، نحن نريد الاستجابة، فأنت ستجلس تدعو ثم تنتظر حتى يحدث، فلماذا لا تجعلها تأتي مباشرة إن شاء الله؟

فلا يوجد شيء يُسمَّى هكذا، يعني الإنسان يدعو والدعاء عبادة، فهو يدعو على أساس أنه عبادة.

سؤال عن حديث إن لم تبكوا فتباكوا وأدب الخشوع عند قراءة القرآن

[السائل]: محمد، حضرتك يا مولانا، بالنسبة لي، أنا لا أعرف إذا كان هذا حديثًا أم لا يا مولانا، الذي يقول: «إن لم تبكوا فتباكوا».

[الشيخ]: نعم، يعني عند قراءة القرآن فالإنسان يُؤمَر بالخشوع، حالة بكاء الإنسان دائمًا تأتي من الخشوع، أما إذا لم يكن هناك خشوع فلتخشع أنت.

إذن مرة كان هناك رجل يجلس يعبث بلحيته وثيابه وهو يصلي، فقالوا: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه».

فالمرء لا يتعامل مع القرآن بصورة تكون فيها كأنه لعب أو مزاح ولا مرح ولا شيء مثل ذلك، بل القرآن فيه احترام وفيه قداسة، وهذه القداسة كانت جزءًا لا يتجزأ مما ألهمه الله للمسلمين أن يحافظوا على كتاب القرآن.

تعظيم المسلمين للقرآن الكريم وصون قدسيته جزء من منظومة حفظه

لن تجد مسلمًا أبدًا أمسك القرآن ورماه هكذا إليك، يعني أنا هنا وأنت هناك، لا، بل لابد أن يقوم أحدنا ويعطيه للآخر.

يُعظِّم المسلمون القرآن، فلا تجد مسلمًا يضع القرآن وفوقه كتبًا، وتجده يحترم الشيخ الذي يحفظ القرآن مثلًا ويطلب منه الدعاء؛ لأنه يحمل في جوفه القرآن.

وهكذا يعني إذا كان التعامل مع القرآن بقداسة واحترام وشيء من التبجيل، كان ذلك جزءًا من منظومة حفظ القرآن.

كنت سعيدًا في مصاحبتكم في هذه الحلقات وفي هذا الشهر الكريم وفي ربِّ لترضى.

دعاء ختام البرنامج والصلاة على النبي ﷺ والتضرع إلى الله

وندعو الله سبحانه وتعالى فنقول: اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في كل وقت وحين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وصلِّ وسلم على سيدنا محمد في العالمين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وأتباعه الأبرار يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفَّنا مع الأبرار يا أرحم الراحمين، نوِّر بصيرتنا وانفع بنا وانفعنا وعلِّمنا يا أرحم الراحمين.

واجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همنا وحزننا ونور أبصارنا وصدورنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا، علِّمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا، وانقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، وافتح علينا فتوح العارفين بك وعلِّمنا الأدب معك واسلك بنا الطريق إليك.

تمام الدعاء الختامي بالمغفرة والرحمة وصلاح البلاد والعباد

اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين، واسترنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا رب العالمين.

وافتح لنا من خزائن فضلك ورحمتك ما تُثبِّت به الإيمان في قلوبنا، وحَبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومن المتقين ومع القوم الصادقين يا أرحم الراحمين.

واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب، ومتِّعنا بالنظر إلى وجهك الكريم وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا، ويا غياث المستغيثين أغثنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، يا عفو يا غفار.

ختام الدعاء والصلاة على النبي ﷺ والتوديع بالسلام

اللهم هب مسيئنا لمحسننا واغفر لنا جملة واحدة، اللهم اجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.

اللهم إنا نسألك من كل خير سألك منه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعبادك الصالحون، ونعوذ بك من كل شر استعاذك منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعبادك الصالحون.

اللهم أصلح البلاد والعباد، وألِّف بين القلوب، واصرف عنا السوء بما شئت وأنَّى شئت يا أرحم الراحمين، هدِّئ البال، وأصلح الحال، واجمع المسلمين بما يُقرُّ عين نبيك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم اشفِ مرضانا وارحم موتانا واغفر لحيِّنا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وكن لنا ولا تكن علينا.

اللهم يا رب العالمين فهِّمنا القرآن وأعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ونوِّر بصيرتنا وانفعنا يا أرحم الراحمين وانفع بنا وانصرنا بالحق وانصر الحق بنا وتقبَّل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وارزقه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد.

وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وآله، كل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.