رسول الله ﷺ هو الإنسان الكامل | أ.د علي جمعة
- •خلق الله النبي محمداً صلى الله عليه وسلم على حدّ الإنسان الكامل الذي يعبد الله ويعمّر الأرض ويزكي النفس.
- •تشير الروايات أن آدم عليه السلام توسل بالنبي محمد لله تعالى، فأخبره الله أنه أحب الخلق إليه، ولولاه ما خلق آدم.
- •أزال الله الحجب عن النبي صلى الله عليه وسلم وهيأه للوحي والعلوم، حتى كلمه كفاحاً في الإسراء والمعراج.
- •أمرنا الله باتخاذ النبي أسوة حسنة واتباعه وطاعته، فهو الباب إلى الله والوسيلة إليه والهادي إلى سواء السبيل.
- •كان في قلب النبي بابان: باب مفتوح دائماً للحق، وباب للخلق مفتوح بأمر الله للتبليغ.
- •شق صدر النبي ثلاث مرات، ونزع منه ما كان يمكن أن يرحم به الشيطان الذي شأنه الرجم والطرد.
- •وصفه الله تعالى بالرحمة للعالمين والخلق العظيم، ورفع ذكره وأعطاه الكوثر، وحفظه من الخطأ والخطيئة.
خلق النبي صلى الله عليه وسلم على حد الإنسان الكامل العابد لله
كان هذا الإنسان [النبي صلى الله عليه وسلم] قد خلقه الله سبحانه وتعالى على حد الإنسان الكامل، والإنسان الكامل كما أراده الله سبحانه وتعالى: عابدًا لله،
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
معمِّرًا للأرض، وكم عمَّرها بالحب وبالجمال، مزكِّيًا للنفس، وكانت نفسه صلى الله عليه وآله وسلم قد بلغت من الشفافية والنقاء ورؤية الحق إلى المنتهى.
حديث توسل آدم عليه السلام بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم عند الحاكم
والله سبحانه وتعالى فيما أخرجه الحاكم في [المستدرك] في حديث آدم عليه السلام، حيث خرج من الجنة وتوسل إلى الله سبحانه وتعالى في تلك الكلمات التي قال فيها ربنا:
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]
منها: «اللهم إني أسألك بحق محمد»، فقال [الله سبحانه وتعالى]: وما أدراك يا آدم بمحمد؟ قال: لمّا خلقتني ونفخت فيَّ من روحك التي خلقتها، يعني نظرتُ إلى قوائم العرش فوجدتُ مكتوبًا عليها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعلمتُ أنك ما قرنت اسمه باسمك إلا لأنه أحب الخلق إليك.
قال: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليَّ، ولولاه ما خلقتك.
توضيح عبارة لولاك ما خلقت الأفلاك وعلاقتها بحديث الحاكم
وهذا الذي أخذه بعضهم وقالوا متدلِّهين في رسول الله [صلى الله عليه وسلم]: «لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك». بعضهم قال إنه حديث موضوع، ونحن لم ندَّعِ أنه حديث أصلًا، ولكنه ترجمة لما أخرجه الحاكم في مستدركه: «ولولاه ما خلقتك يا آدم».
إزالة الحجب عن النبي وتهيئته لتلقي الوحي والعلو إلى ربه
النبي [صلى الله عليه وسلم] إذن خُلِق على حد الإنسان الكامل، والإنسان الكامل هو الإنسان الذي أزال الله سبحانه وتعالى من على ظهره الحُجُب. وإزالة الحُجُب من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم أزالت الظلمات؛ فلم يعد عند رسول الله رغبات مخالفة ولا شهوات تردُّه إلى الحالة الترابية.
كل ذلك تهيئة لأمرين:
- أولًا: للوحي.
- وثانيًا: للعلو.
وهذا العلو تدرَّجت [مراتبه] حتى كلَّم ربه في ليلة الإسراء والمعراج، فأوحى الله إليه كفاحًا [أي مواجهةً بلا واسطة] ما أوحى:
﴿فَأَوْحَىٰٓ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ﴾ [النجم: 10]
أمر الله باتخاذ النبي أسوة حسنة واتباعه في كل شيء
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا الله أن نتخذه مثالًا يُحتذى وأسوة حسنة:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
أمرنا باتباعه:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
أمرنا بأن نأخذ كل ما أتانا به:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
﴿قُلْ أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النور: 54]
أمرنا سبحانه وتعالى بكل ذلك وجعله نبراسًا وهديًا لنا.
اتفاق المسلمين على أن النبي هو الباب والوسيلة إلى الله تعالى
بلا شك وباتفاق كل المسلمين من أهل القبلة أن النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم هو بابنا إلى الله، وهو وسيلة إليه، وهو الهادي لنا إلى سواء السبيل.
معنى وضع الوزر عن النبي وإسقاط الحجب وبابا القلب عند الغزالي
النبي صلى الله عليه وسلم وضع الله عنه وزره، أي الحجب التي تحجبه، ومن هنا لمّا نرى قوله تعالى:
﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2]
نفهم أنه قد أسقط الحجب [عنه صلى الله عليه وسلم]. إسقاط الحجب جعله يرى الأمر على حقيقته، جعله ضارعًا لله سبحانه وتعالى دائمًا.
والإنسان في قلبه بابان فيما يتكلم عن ذلك [الإمام] الغزالي: باب على الخلق وباب على الحق. فباب الحق كان في قلبه صلى الله عليه وسلم دائمًا مفتوحًا، وباب الخلق مفتوح بأمر الله سبحانه وتعالى له بالتبليغ:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
استغفار النبي من أنوار الحق لا من الأغيار وتفسير حديث الغين
فالرسول صلى الله عليه وسلم من شدة شوقه لربه وأنسه به، في بعض الأحيان كانت تدخل أنوار شديدة من هذا الباب الذي هو باب الحق، فتحاول أن تغلق باب الخلق؛ يأنس بربه ويشعر بعدم راحة من الخلق، لكنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة من أجل فتح باب الخلق وليس باب الحق.
سيدنا أبو الحسن الشاذلي أشكل عليه ما ورد في صحيح مسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة»
فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول: «يا مبارك، غَيْنُ أنوارٍ لا غَيْنُ أغيار».
فرسول الله صلى الله عليه وسلم بابه إلى الحق مفتوح تدخل منه الأنوار، تحاول أن تغلق باب الخلق وهو مكلَّف بفتح باب الخلق؛ فكان يستغفر الله من عين الأنوار لا من عين الأغيار.
عقيدتنا في النبي وشق صدره الشريف ثلاث مرات تهيئة للوحي
هذه عقيدتنا في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بعد إسقاط الحجب عنه وإسقاط الظلمات من حوله والوحي الذي تلقاه.
هذا الوحي الذي تلقاه، أذن الله أن يُشقَّ صدره الشريف كما يقول ابن حجر [في فتح الباري] ثلاث مرات. مرة في مضارب حليمة السعدية وكان طفلًا صغيرًا؛ شُقَّ صدره الشريف ومُلِئ من طَسْتٍ من الذهب، يعني إناء من الذهب، مُلِئ حكمةً ونُزِع من قلبه حظ الشيطان منه.
حقيقة حظ الشيطان من قلب النبي ورحمته بالشيطان نفسه
بعض القاصرين يظن أن قلب النبي المصطفى خُلِق فيه مضغة يستطيع الشيطان أن يدخل إليه منها، والأمر ليس كذلك والله أعلم بما هنالك. بل هذه المضغة هي التي كانت في قلبه ترحم الشيطان، والشيطان شأنه الرجم والطرد.
ولذلك رفع الملك من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المضغة التي هي حظ الشيطان من الرحمة المهداة؛ فالله تعالى يقول عنه:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
ثناء الله تعالى على النبي في القرآن وبيان علو مقامه وحفظه من الخطأ
ويقول الله تعالى عنه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
ويقول الله تعالى عنه:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]
ويقول عنه:
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]
ربنا سبحانه وتعالى ينبِّهنا في غير ما موضع على فضله وعلو مقامه الذي حفظه من الخطأ ومن الخطيئة معًا.
