رمضان شهر الانتصارات | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

رمضان شهر الانتصارات | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • رمضان شهر الانتصارات، إذ انتصر المسلمون في بدر وأصبحت مدرسة في الدفاع عن النفس والوطن والقضية وصد العدوان.
  • القتال في الإسلام يجب أن يكون في سبيل الله، لا للشهوة أو الاستعمار أو المصالح أو العدوان.
  • وقعت غزوة بدر في السابع عشر من رمضان، وكانت أول صدام عسكري بين المسلمين والمشركين.
  • أهل بدر صاروا أولياء لله، ولولاهم ربما انتهت الدعوة الإسلامية ولم يسمع بها أحد في التاريخ.
  • وصل الإسلام بعد بدر إلى الأندلس غرباً ومشارف الصين شرقاً، ليصبح المسلمون مليارًا ونصف المليار اليوم.
  • بيّنت بدر قوة الترابط بين المؤمنين وأن القليل المؤمن قد يتغلب على الكثير.
  • علّمنا الله في بدر أن نأخذ بالأسباب مع التوكل عليه، فالاعتماد على الأسباب شرك وتركها جهل.
  • الحرب في الإسلام ليست عدواناً بل هي في سبيل الله ولصد العدوان ورفع الطغيان.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه في بدر حتى تسقط العباءة من على كتفيه.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة ورمضان شهر الانتصارات وغزوة بدر مدرسة في الدفاع

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رمضان شهر الانتصارات؛ انتصر فيه المسلمون في بدر، وكان هذا الانتصار قد كوّن مدرسة في قضايا كثيرة: في قضية الدفاع عن النفس، وفي قضية الدفاع عن الوطن، وفي قضية الدفاع عن القضية، وفي قضية الدفاع من أجل صد العدوان ورفع الطغيان.

وهذا يمثّل جانب القتال في سبيل الله، ولا بد أن يكون القتال في الإسلام في سبيل الله؛ ليس في سبيل شهوة، ولا في سبيل استعمار، ولا في سبيل مصالح، ولا في سبيل أموال، ولا في سبيل عدوان، ولا أي شيء من هذا إطلاقًا، وإنما يجب أن يكون في سبيل الله.

غزوة بدر أول صدام عسكري وأهل بدر أولياء الله تعالى

بدر وكانت في السابع عشر من رمضان، كانت أول صدام عسكري بين المسلمين وبين المشركين. أهل بدر أصبحوا أولياء لله تعالى.

أهل بدر هم الذين نصروا الدعوة التي كان من الممكن عقلًا -إلا بإذن الله- التي كان من الممكن واقعًا أن تنتهي وأن لا يسمع عنها أحد. وإذا ما انتهت الدعوة الإسلامية في هذا الوقت وأذن الله لها أن تنتهي، لم يكن أحد أبدًا في العالمين سوف يذكرها في التاريخ.

لم يكن العرب أهل تدوين ولا أهل علم، وإنما كانوا في جاهلية جهلاء، وكان لا يلتفت إليهم لا من أمة الروم ولا من أمة الفرس.

بدر حمت الإسلام ونشرته حتى بلغ أقاصي الأرض شرقًا وغربًا

ولكن بدر حمت الإسلام والمسلمين، وبيّنت للعالم كله أن هناك أناسًا آمنوا ولهم رؤية لهذا الكون والإنسان والحياة، وأن لهم قضية يريدون أن تُسمع.

فبدر هي التي نشرت الإسلام حتى وصل إلى الأندلس غربًا وإلى مشارف الصين شرقًا، وحتى أصبح المسلمون الآن مليارًا ونصف المليار في عالمنا اليوم.

كلما يُسلم ويدخل في الإسلام شخص عن طريق الميلاد من أبوين مسلمين أو من أب مسلم، أو عن طريق الدخول في الإسلام والانتقال من دين آخر إلى دين الإسلام، كانت ميزان الحسنات ومثاقيل الحسنات والأجر والثواب يُضاف إلى أهل بدر من الصحابة الكرام.

ثواب أهل بدر المستمر وحديث النبي في فضلهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة

فتصوّر أن واحدًا في قبره وجالس كل يوم يُرَدّ إليه ثواب من أقطار الأرض؛ لأنه هو كان السبب، والدال على الخير كفاعله، ومن سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين. فتصوّر أن هؤلاء الناس كيف أصبحوا!

ويقول فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لعل الله اطّلع على أهل بدر فغفر لهم وقال افعلوا ما شئتم»

هذا يقوله لـحاطب بن أبي بلتعة وقد ضُبط وهو يراسل قريشًا وكأنه يتجسس على المسلمين، لكنه كان مؤمنًا ولكنه كان ضعيفًا، كان مؤمنًا ضعيفًا.

عفو النبي عن حاطب بن أبي بلتعة لسابقته في بدر واستيعابه للناس

فعفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعتبر هذه الحادثة حادثة تجسس وإن كانت هي كذلك؛ لسابقة وقوفه في بدر، ولأنه لم يفعل هذا إلا من ضعف وإلا من خوف من أن ينتصر المشركون بعد ذلك.

والحمد لله تاب الله على حاطب، وحسُن إسلام حاطب بن أبي بلتعة، واستقام على الصراط المستقيم بعد أن عرف خطأه. وهكذا كان نبي الله يستوعب الناس.

الجاسوس في الفقه يجوز أن يُقتل عند المصلحة؛ فللحاكم أن يصل بهذا إلى درجة جريمة الخيانة العظمى ويقتله.

بدر مدرسة في الترابط بين المؤمنين وانتصار القلة ذات الهمة على الكثرة

الحاصل أن بدرًا مدرسة كبيرة جدًا؛ بيّنت قوة الترابط بين المؤمنين، بيّنت أن القليل قد يفوز ويتغلب على الكثير إذا كان القليل صاحب همة، بيّنت أن الهمة هي الأساس.

ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62]

الله على كل شيء قدير، وكان يمكن أن يهزم النبي وحده بإذن الله المشركين حتى من غير حرب، كما حدث في الخندق؛ قامت ريح وضرب المشركون بعضهم في بعض وانسحبوا من دون حرب، أي أن الهزيمة جاءت من الله وحده.

قاعدة الاعتماد على الأسباب شرك وتركها جهل في ضوء غزوة بدر

لكنه [الله سبحانه وتعالى] وقد خلقنا في عالم الأسباب يعلّمنا أن الاعتماد على الأسباب شرك بالله، وأن ترك الأسباب جهل لا يرضيه، لا يرضي الله سبحانه وتعالى ولا يرضى عنه الله سبحانه وتعالى.

فجاءت القاعدة التي صاغها العلماء ليعبّروا عن هذه الحقيقة: الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل.

وذلك أن الله سبحانه وتعالى علّمنا أن الأمور إنما نتوصل بها بأسبابها التي ارتضاها وخلقنا فيها. فجعل قوله تعالى:

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62]

فالمؤمنون هم الذين نصروا، كانوا سببًا في النصر، لا بد أن ننتبه إلى هذا.

لا يجوز الاكتفاء بالدعاء دون الأخذ بالأسباب وآيات القتال في سبيل الله

لا يجوز لأحد أن يقول يجب علينا أن نحارب بالدعاء فقط؛ هذا أمر غير شرعي يخالف ما أراده الله سبحانه وتعالى، بل أنه كتب علينا القتال:

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ * وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا تُقَـٰتِلُوهُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَـٰتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَـٰفِرِينَ * فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 190-192]

وبعد ذلك يقول:

﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 193]

إذن نحن أمام دستور للقتال تقرّر بداية في بدر الكبرى.

النبي لم يترك الأسباب وحديث اعقلها وتوكل قاعدة في التوكل على الله

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 62]

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا لم يترك الأسباب؛ فعلها وتوكّل على الله. ولما سأله أحدهم: يا رسول الله، دابتي خارج المسجد، أأقيّدها وأربطها بالحبل وأتوكل، أم أطلقها وأتوكل؟ قال:

«اعقلها وتوكّل»

اعقلها يعني ضع العقال -يعني القيد- في رجليها واربطه، وتوكّل على الله حتى لا تضيع ولا تمشي. لكن إن تركتها حرة طليقة فستذهب تبحث عن شيء تأكله وشيء تشربه وستخرج من المسجد فلا تجدها.

اعقلها وتوكّل على الله؛ فصارت هذه قاعدة ومبدأ جميلًا نعتمد عليه.

الحديث الضعيف إذا لخّص مبادئ القرآن والسنة يُعمل به عند العلماء

حتى بعضهم يقول هذا حديث ضعيف وكذا، لا تلتفت إليه؛ لأن هذا الذي دُوّن في دواوين الإسلام أصبحت له قواعد في التعامل معه، حتى لو كان السند ضعيفًا ولكن هو يلخّص خبرة المسلمين، ويلخّص مبادئ القرآن والسنة، ويلخّص حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

ألفة القلوب من عند الله وتحتاج إلى التقوى والتمسك بالدين والأخلاق

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63]

حقيقة أن ألفة القلوب هي من عند الله، ولذلك تحتاج إلى شيء من التقوى. فإذا كنا غير أتقياء، وكان بعضنا كافرًا وكان بعضنا ملحدًا وكان بعضنا مسلمًا وكان بعضنا فاسقًا، فإن الألفة لا تستمر.

ومن هنا كانت قضية دعوتنا للتمسك بالدين وبالأخلاق وبالقوة. وهكذا فربنا سبحانه وتعالى لما جاء المشركون كانت المدينة فيها اليهود، وكانت المدينة فيها المشركون، وكانت المدينة فيها المسلمون.

الألفة تتم مع التعدد والدعوة إلى كلمة سواء بين الناس

ولكن ليس جانب التعدد هو الذي يمنع الألفة، لا، الألفة تتم حتى مع التعدد. يقول ربنا:

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63]

هذا يحتاج من البشر أن يكونوا على كلمة سواء:

﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْـًٔا﴾ [آل عمران: 64]

هيّا بنا تعالوا نضع المشترك الذي بيننا وبين الخلق.

دعاء المؤمنين عند لقاء العدو والمدد الإلهي في بدر مشروط بالدعاء

ويعلّمنا ربنا سبحانه وتعالى في هذا المعنى كثيرًا:

﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 250]

ربنا سبحانه وتعالى في بدر علّمنا أن المدد من عنده ولكن عندما ندعوه. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في بدر يناشد ربه ويلجأ إليه ويرفع يده إلى السماء ويقول:

«يا رب إن تُهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض»

ويقول له أبو بكر [الصديق رضي الله عنه]: كفاك مناشدتك ربك فإنه ناصرك. وكان يدعو الله ويرفع يده حتى تسقط العباءة من على كتفيه الشريفين.

الحرب في الإسلام لصد العدوان والاستغاثة بالله في بدر ومدد الملائكة

الحرب في الإسلام ليست عدوانًا ولا طغيانًا، وإنما هي في سبيل الله وتصد العدوان وترفع الطغيان:

﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: 61]

يدل على ذلك قوله تعالى -وتخيّل الموقف في بدر-:

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ [الأنفال: 9]

واحد يستغيث يعني هو في ورطة، يعني هو لا يذهب للحرب وهو محب للحرب ومتفائل بالحرب ويريد إراقة الدماء ويرجع وهو يضحك، كما نراه في بعض الأعمال الدرامية في جانب الرومان ولا في جانب غيرهم، لا، لم يكونوا كذلك.

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: 9]

تستغيثون، يقول: يا رب أنجدني!

﴿فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]

وهكذا كان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

خاتمة الحلقة والوداع في ظلال غزوة بدر الكبرى

وإلى لقاء آخر في ظلال بدر الكبرى، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.