سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب التفكر | أ.د علي جمعة - تصوف, منازل السائرين

سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب التفكر | أ.د علي جمعة

50 دقيقة
  • باب التفكر من أبواب السلوك إلى الله، ويتضمن ثلاثة أنواع: التفكر في عين التوحيد، والتفكر في لطائف الصنع، والتفكر في معاني الأعمال والأحوال.
  • التفكر هو تلمس البصيرة لاستدراك البغية، فالبصيرة هي عين القلب تبحث عما يريده القلب وتهواه.
  • التفكر في عين التوحيد يشبه اقتحام بحر الجحود، ولا ينجي منه إلا الاعتصام بضياء الكشف أو التمسك بالعلم الظاهر.
  • التفكر في لطائف الصنع كالماء الذي يسقي زرع الحكمة، فينظر المتفكر في مخلوقات الله فيرى آثار قدرته وحكمته.
  • يتحقق هذا بحسن النظر في المنن الإلهية، والاستجابة لدواعي الإشارات، والإخلاص من رق الشهوات.
  • التفكر في معاني الأعمال والأحوال يسهل سلوك طريق الحقيقة، فيرى العبد أسرار العبادات وأحوال القلوب.
  • يتحقق ذلك باستصحاب العلم، واتهام المرسومات، ومعرفة مواقع الغيرة لله.
محتويات الفيديو(60 أقسام)

افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم صلِّ على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ على سيدنا محمد في العالمين.

الدعاء لأهل العراق المسلمين بالنصر والتأييد على الأعداء

اللهم فرِّج همَّ أهل العراق المسلمين، وسدِّد رميهم، وثبِّت أقدامهم، واجعل الدائرة على عدوهم وعدونا. اللهم اجعل تدبير الأمريكان تدميرهم، وأحط بهم، واسحب النصرة منهم.

اللهم أنزل النصرة على جنود المسلمين، اللهم يا أرحم الراحمين اجعل الكون يحارب معهم، وأنزل من عندك ملائكة مردفين ومسومين. اللهم أيد بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم يا أرحم الراحمين اشفِ صدور قوم مؤمنين وأذهب غيظ قلوبهم يا أرحم الراحمين.

الدعاء بالهداية والغنى عن الناس والحاجة إلى الله وحده

اللهم انقلنا من الضلالة إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الحاجة إلى الناس إلى الحاجة إليك وحدك يا أرحم الراحمين. لا نعبد إلا إياك ولا نعرف ربًّا سواك، فاستجب دعاءنا كما وفقتنا لدعائك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر بفضلك جنود الإسلام والمسلمين. اللهم يا رب العالمين شتتهم بددًا، وأحصهم عددًا، ولا تغادر منهم أحدًا. اللهم انصرنا عليهم اليوم قبل غدٍ يا أرحم الراحمين.

الصلاة على النبي والدعاء بجعل الثواب للشهداء وحصنًا من الأعداء

اللهم صلِّ على سيدنا محمد في الأولين، وصلِّ على سيدنا محمد في الآخرين، وصلِّ على سيدنا محمد في العالمين. واجعل ثواب ما نقرأ وما نذكر وما نقول لشهدائنا يا أرحم الراحمين، واجعله حصنًا تصد به عنا كيد الكائدين، وعدوان المعتدين، وطغيان الطاغين، وكفر الكافرين.

اللهم اشغلهم بأنفسهم، اللهم اشغلهم بأنفسهم، اللهم اشغلهم بأنفسهم. اخسف الأرض بهم، سلط عليهم صواعق السماء. اللهم يا رب العالمين استجب ببركة سيدنا محمد وسائر الأنبياء والمرسلين. اللهم نسألك باسمك الأعظم الذي إذا ما دُعيت به أجبت أن تستجيب دعاءنا يا رب العالمين.

مقدمة باب التفكر وهو الباب الخامس من أبواب المنازل المائة

قال [المصنف] رضي الله تعالى عنه: بعد أن بيّن باب اليقظة وباب التوبة وباب المحاسبة وباب الإنابة، شرع في الباب الخامس من مائة باب، يعني في الخطوة الخامسة من مائة خطوة.

قال: باب التفكر. قال الله تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]

إذا وقف [المؤمن] عند كلمة من كتاب الله؛ لأنه هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كلمة الله سبحانه وتعالى التي سمح لنا أن نتلوها وأن نقرأها وأن نهتدي بهديها.

معنى التفكر في اللغة وارتباطه بحركة النفس في المعقولات

عاش [المؤمن الصادق] ولم يفهم فقط، ولا اقتنع، ولا صدق، ولا آمن ووقف عند الإيمان فحسب، بل عاش في قولهم: ولعلهم يتفكرون.

يعني علينا أن نتفكر، فما هو باب التفكر؟ التفكر مأخوذ من الفكر، والفكر في لغة العرب: حركة النفس في المعقولات، يعني الإنسان يتفكر بعقله. فالفكر له ارتباط بالعقل، والله يقول: ولعلهم يتفكرون، كأنه يدعونا إلى استعمال العقل والتفكر.

لا بد أن يكون له [أي التفكر] موضوع، فما موضوع هذا التعقل أو التفكر؟ فيما يفكر الإنسان ويعمل نفسه حركة في المعقولات.

تعريف التفكر بأنه تلمس البصيرة لاستدراك بغية القلب

فقال [المصنف]: اعلم أن التفكر تلمس البصيرة لاستدراك البغية. هذا هو التفكر المطلوب، هذا هو الحركة المطلوبة.

النفس تدرك الأشياء عن طريق الحواس: السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس ونحو ذلك. تدرك الواقع المعيش الذي حولنا عن طريق الحواس.

العين إذا أرادت أن ترى ما على يميني فإنها تتحرك لتنظر، إما أن تتحرك مع ثبات وجهي، وإما أن تتحرك مع حركته أيضًا حتى ترى مساحة أكبر. فيلتفت الإنسان عن يمينه حتى يرى، فتنقل العين إلى الدماغ هذا المشهد الذي عن اليمين أو هذا المشهد الذي عن اليسار. العين إذن هي منفذ من منافذ النفس المدركة حتى تدرك.

عين البصيرة هي عين القلب التي تدرك ما لا يراه الناظرون

القلب أيضًا له عين، قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون. قلوب العارفين لها عيون، فما عين القلب؟ قالوا: البصيرة.

إذن عندنا بصر ينقل المحسوسات ويتعقل فيها، وعندنا بصيرة تنقل للقلب أيضًا بغيته. إذن القلب له بغية كما أن النفس لها بغية.

فإذا كانت النفس تريد إدراك المحسوس من حولها فتتعقله في عالم الأشياء، في عالم الأشخاص، في عالم الأحداث، في عالم الأفكار، فإن القلب له بصيرة تدرك بغيته.

البصيرة تبحث عن مراد القلب وتلتمسه يمينًا وشمالًا

نريد أن نعرف ما هي هذه البغية؟ لقد عرفنا أن البصر يدرك هذه العوالم: أشياء، أشخاص، أحداث. نرى شخصًا يضرب شخصًا آخر، نرى على التلفاز. إذا [كان هذا] عين البصر، فعين البصيرة تدرك مراد القلب، فما مراد القلب؟

هذا الكلام يعني أن التفكر هو تلمس البصيرة. أليس عندما تريد عيني أن ترى اليمين والشمال تلتفت هكذا وهكذا؟ البصيرة أيضًا تلتفت هكذا وهكذا، لكنها تبحث عن شيء آخر، لا تبحث عن عالم الأشياء والأشخاص والماديات، هذه تبحث عن شيء يريده القلب.

التلمس حركة البصيرة في البحث عما يهوى قلب الصالحين

والقلب وما يهوى، آه، فماذا يهوى قلب الصالحين؟ تلمس البصيرة، تلمسها. التلمس فيه حركة هكذا، فيه بحث، يعني البصيرة تذهب يمينًا وشمالًا هكذا، تبحث يا مسكينة على ماذا؟ شيء تريده.

كما لو كنت أنا أريد شخصًا فأبحث هكذا لأراه بعيني إذا أتى أم لا. لأن أنا هذه البصيرة تعمل هكذا، ها هو ذلك التفكر.

فيكون التفكر أن البصيرة التي هي عين القلب ستجلس تبحث، لكن ليس فينا نحن، ستبحث في أشياء جميلة أخرى، نحن جميلون أيضًا ولكنها أجمل.

أنواع التفكر الثلاثة التي تدور حولها البصيرة في بحثها

نعم، لاستدراك البغية، أي مطلوبها، يعني تريد أن تحصل على ما تريد. يا ترى ماذا تريد البصيرة؟

وهو ثلاثة أنواع، هذا التفكر سيبدأ الآن يخبرنا ويتحدث عما تدور حوله هذه البصيرة، وعما تبحث عنه يمينًا ويسارًا لكي تصل إلى المطلوب في القلب وليس النفس:

  1. فكرة في عين التوحيد: البصيرة تبحث عن كنه التوحيد.
  2. فكرة في لطائف الصنع.
  3. فكرة في معاني الأعمال والأحوال.

النوع الأول من التفكر وهو البحث في عين التوحيد وكنه الذات الإلهية

هذا النوع [الأول]، ألم نقل هناك بحث عن أشخاص وأشياء وأحداث؟ العين هكذا تبحث عن هذا العمود [أي الشيء]، والإنسان هو شخص، والحدث يكون في شيء يحدث أمامي: واحد يمشي، واحد يجلس، واحد يتشاجر، واحد يصلي، هذه أحداث.

حسنًا، وما هي القصة؟ قال أيضًا ثلاثة أنواع بدلًا من أشياء وأشخاص وأحداث، نحن لدينا هنا تفكّر في عين التوحيد. يا مسكين، مشتاق لربنا فيريد أن يعرف: ما هو؟ من هو؟ متى هو؟ كيف هو؟ لماذا هو؟ إنه يريد أن يعرف كل شيء عن ربنا. البصيرة تبحث أين؟ في عين التوحيد، هذا نوع.

التفكر في عين التوحيد لن يوصل إلى نتيجة لأن الرب رب والعبد عبد

يا ترى هل ستصل هذه [البصيرة] إلى شيء أم ماذا؟ إنها تبحث عن ربنا، لكنه هو [العبد] لم يعد يبحث عن الدنيا بل يبحث عن ربنا.

فكرة في عين التوحيد، وسنرى الآن أنه لن يصل إلى شيء، لن يستطيع؛ لأن التوحيد هذا وهو يفكر في ذات الله لن يصل إلى شيء. فالرب رب والعبد عبد، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

حفظناها، إذن التفكر في عين التوحيد هذا هو النوع، لكن لن ينفع ولن يستمر ولن ينتج شيئًا، وسنرى الآن ماذا نفعل لنخرج من هذه الورطة.

أهل الله استنبطوا هذا العلم من التجربة وسجلوه لتطمين السالكين

لكن ما يحدث هكذا أن المرء عندما يأتي ليفكر، يفكر في عين التوحيد. أهل الله جاؤوا بهذا الكلام من أين؟ من التجربة، من الاستنباط. جلسوا وانقطعوا عن العالم، وربوا أنفسهم، واختلوا بذكر ربهم، فإذ بنفوسهم تحدثهم وقلوبهم تميل وعين البصيرة تلتمس عين التوحيد.

فقاموا بتسجيلها في الكتاب لكي يقول لك: اطمئن عندما تحدث لك هذه الحالة، وإن كانت حالة سوف نخرج منها، وإن كانت حالة سوف نرى علاجها. كانت حالة لا تؤدي إلى شيء، لكن لا تخف، فقد حدثت لنا جميعًا هكذا.

هدف التسجيل في الكتاب هو التعليم والتطمين وبيان طريق الخروج

إذن ما هدف التسجيل هنا في الكتاب؟ إنه يعلمنا ويطمئننا أن هذه الحكاية عادية، لكن المهم أن تعرف كيف تخرج منها، لكنها تحدث.

فأول شيء هو أن يميل القلب ويهوى ربه، ثم بعد ذلك يبدأ في التفكر، في التلمس. يلتمس ماذا؟ كل هذه الأسئلة يريد أن يطمئن قلبه بها.

قال إبراهيم عليه السلام:

﴿وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: 260]

ظل يبحث في عين التوحيد، نعم، لكن ربنا نجاه.

النوع الثاني من التفكر وهو التأمل في لطائف الصنع الإلهي

والنوع الثاني: فكرة في لطائف الصنع. ينظر [المتفكر] إلى كل شيء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، كما قال أبو العتاهية. ما أجمل هذا!

يتأمل في كل شيء ويرى الله وراءه. ليس ممكنًا أن يكون هذا الإنسان إلا بإله قد خلقه فسواه فأحسن مثواه. سواه هذه بالسين، ومثواه بالثاء، يعني من البداية للنهاية.

إذن ليس ممكنًا أبدًا، هذا إنسان قد خلقه الله.

التفكر في لطائف الصنع يكشف صفات الله وراء كل شيء في الكون

وفكَّر [المتأمل] في معاني الأعمال، فكَّر في لطائف الصنع، يرى الله الخالق، يرى الله بقدرته وحكمته وعزته وعلمه وإرادته وكل صفاته، برحمته وعفوه، وراء كل شيء.

النوع الثالث من التفكر في معاني الأعمال والأحوال وأسرار العبادات

الثالث: وفكرة في معاني الأعمال والأحوال. إذن الفكرة الثالثة منقسمة قسمين:

وهو يصلي، الصلاة لها أسرار. وهو يصوم، الصيام له أسرار. وهو يحج، الحج له أسرار. وهو يذكر، الذكر له أسرار. كل سر مختلف عن الآخر، فيتفكر في تلك الأسرار فتنكشف له سرًّا بعد سر.

سر القيام في الصلاة وأنه دليل على التوقير والتعظيم لله تعالى

وهو يصلي واقفًا يشبه الملائكة، فيرى أن القيام إنما هو دليل على التوقير والتعظيم، وأنه بذلك يوقر ربه ويعظمه.

ويشتد به ذلك الوقار وهذا التعظيم إلى أن يخر لله راكعًا. عندما يدخل في هذه الحالة، يدخل فيها بقوة، فيشعر وهو واقف أنه يعظم، والتعظيم ينتهي بالركوع.

ثم يقوم لله تعظيمًا فيخر ساجدًا، وهو ساجد يشعر أنه قد امتزج بالكون وامتزج الكون معه؛ لأن الكون كله يسجد لله.

سر السجود والتسبيح وامتزاج الساجد مع الكون الساجد لله

في السجود نقول ماذا؟ سبحان ربي الأعلى، تسبيح. سبوح قدوس رب الملائكة والروح، يعني تسبيح.

حسنًا، ما رأيك أيضًا أن الكون الساجد هذا يسبح ربه؟ على كل حال:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

﴿يَسْجُدُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الرعد: 15]

والكل يسبح ربه، وأنت أصبحت ممزوجًا في الكون، ليس أنت الذي تسجد فقط، بل أنت والجن والملائكة والكون من حولك.

الفرق بين المسلم والكافر في علاقتهما بالكون عند الموت

ولذلك الكفار عندما يموتون:

﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ﴾ [الدخان: 29]

لا يوجد [بكاء عليهم]، ذهبوا في داهية. لكن المسلم عندما يموت تبكي عليه السماء وتبكي عليه الأرض.

إذن السماء تبكي وتأتي وتذهب وتسبح وتسجد، وأنت في هذا الكون متسق معه. هو علّمك أن الكون المحيط هذا أنت معه. هذا كله سر من أسرار الصلاة، ويفتح الله تعالى على من يشاء غير الكلام الذي نقوله هذا، وهناك أشياء لا تستطيع التعبير عنها، تشعر بها وليس لها في اللغة مقابل.

أسرار الصيام والشعور بالاحتياج إلى الله والانكسار بين يديه

الصيام: وأنت صائم تشعر باحتياجك إلى الله، وأن الله قد خلقك لا تقوم بنفسك، إنما تقوم بغيرك. وإشارة ذلك احتياجك إلى الطعام.

فعندما تمنع الطعام [عن] الجسم ويشتد العطش، يحتاج إلى ماء، يحتاج إلى طعام، يحتاج إلى راحة، يحتاج إلى الله. إنني محتاج لغيره، إنني لا أستطيع أن أقوم هكذا بنفسي.

ولذلك ليس فيك شيء رباني، أنت ليس فيك شيئًا ربانيًّا، لست إلهًا أبدًا، لا تصلح؛ لأنك لا تقوم بنفسك.

الصيام يولد في القلب انكسارًا لله وفخارًا على الشهوات

إن شدة الاحتياج هذه تجعل قلبك منكسرًا لله، ولكن تجعل هناك عزة في قلبك أيضًا. وهذه العزة متولدة من أنك قد استطعت السيطرة على شهواتك لله.

فتشعر بـفخار وانكسار؛ فخار على شهواتك، وانكسار لربك. هذه هي جزء من أسرار الصيام، وأسرار لا نهاية لها.

ملخص أنواع التفكر الثلاثة مع إضافة الأحوال والواردات والتجليات

وهكذا إذن يكون الفكر على ثلاثة أنحاء (أنواع):

  1. فكرة في عين التوحيد.
  2. فكرة في لطائف الصنع.
  3. فكرة في الأعمال.

وأزيد أيضًا من ذلك القسم الثاني: والأحوال، والواردات، والتجليات التي ترد على قلب العابد الذاكر، من ظهور الأنوار وانكشاف الأسرار، وأحوال تتقلب على العبد ويتقلب العبد فيها. فسوف يأخذهم واحدة واحدة.

فيكون لدينا ثلاثة الآن: عين التوحيد، ولطائف الصنع، والأعمال والأحوال.

التفكر في عين التوحيد اقتحام لبحر الجحود لا نجاة منه إلا بالكشف

عين التوحيد: ماذا نفعل؟ أما الفكرة في عين التوحيد فهي اقتحام بحر الجحود، أي مصيبتها كبيرة. إنه بحر ليس له نهاية ولا نجاة منه.

إذا هذا مهلكة، ينجي منه - إذن هذا مصيبة، سنغرق هكذا - إلا بالاعتصام بضياء الكشف. لن ينجينا من ذلك إلا الاعتصام بالضياء، بالأنوار التي للكشف.

هذه هي النقطة الأولى: ما هو ضياء الكشف هذا؟ إنه من عند الله:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

﴿وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]

من لدنّا، اسمه العلم اللدني.

تجربة الإمام الغزالي في التفكر وكيف ألقى الله النور في قلبه

الإمام الغزالي جلس في المنارة يفكر سنوات طويلة، وبعد ذلك قال: لا، لا توجد فائدة. المسألة لم تنفعه إلا بهداية الله، فألقى الله في قلبه نورًا.

إذن هي واضحة، ها هي. ما معنى كل هذه المماطلة؟ لماذا أنا هنا؟ ربنا خلقني ويقول لي اعبدني، أعبده. إنها جميلة ها هي، الله!

فما معنى كل هذه الدراسة والكتب والتشكيك والرد على التشكيك؟ ما هذا الكلام؟ نحن نصنع المشكلة ونجري وراء حلها. إنها أمور سهلة جدًّا.

سهولة الحقيقة عندما ينبثق نور الكشف في القلب كمن يرى الباب في الظلام

سهلة متى؟ على من سهَّلها الله عليه. متى أصبحت سهلة؟ عندما انكشفت له الحقيقة. متى أصبحت سهلة؟ عندما قُذِف النور في القلب، فأصبحت بهدوء هكذا واضحة.

إنها مثل شخص في الظلام وبدأ يفكر: من أين المخرج؟ هنا الاحتمالات كثيرة، ربما عشرون أو ثلاثون احتمالًا، فاحتار وأخذ يبحث ويتلمس، كل ذلك لأنه في الظلمة.

النور ها هو، الباب ها هو. هل يعقل هذا؟ بعدما رأى الباب، هل سيظل يبحث؟ لنفترض أنه رأى الباب ويريد أن يبحث أيضًا، الباب ها هو، لن يستطيع أن يبحث بعد الآن، انتهينا.

فج النور ينهي البحث والتلمس ويكشف أن كل شيء بيد الله

فعندما ينبثق هذا النور، يسمونه فج النور، هذا الفج عندما ينبثق في القلب هكذا، انتهى يا بني.

عمَّ تتحدث؟ الحقيقة أن لدي مشاكل، فهناك ديون وأشياء أخرى. يا بني، عمَّ تتحدث؟ اسكت فقط. هل تعرف الحياة من الموت؟ هل تعرف كيف تُقسم الأرزاق؟ هل تعرف كيف تسير علاقات الناس؟ هذا كله بيد الله.

فضياء الكشف ينقذك في بحر الجحود. عندما تنزل بصيرتك لتدور وتتلمس عن هذه الأسئلة حول الله، فإذ بالنور يبين لك أن الأمر بسيط، وأن العبد عبد، وأن هناك فارقًا بين المخلوق والخالق.

التنزيه الإلهي وأن الحجاب يكون للناظر لا للمنظور سبحانه وتعالى

وأن الرب سبحانه وتعالى:

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

فنفى عنه المثلية، وأثبت له الاطلاع بكل حال، أو أثبت له هذا التنزيه. ليس كمثله شيء، ونفى أن يكون سبحانه وتعالى محجوبًا.

فالله لا يحجبه شيء، إنما أنت المحجوب. الحجاب يأتي لمن؟ للناظر وليس للمنظور.

التمسك بالعلم الظاهر كقارب للنجاة من بحر الجحود في التوحيد

والتمسك بالعلم الظاهر: التمسك بالعلم الظاهر الذي هو الجوهرة التي لسيدنا الشيخ من؟ اللقاني، والشرح الذي للباجوري، والخريدة التي لسيدنا الشيخ الدردير رضي الله عنه.

تقرأ هذه الخريدة: فأقسامها حكم العقل لا محالة، وهي الوجوب ثم الاستحالة ثم الجواز ثالث الأقسام، فافهم منحت لذة الأفهام. هذا كافٍ.

العلم الظاهر لا تفكر أكثر من ذلك. وهناك في الجوهرة: كل نص أوهم التشبيه أوِّله أو فوِّض ورُم تنزيهًا. وهذا يكفي.

طريقان للنجاة من بحر الجحود: نور الكشف الإلهي أو قارب العلم الظاهر

إنها مسألة طريق ثانٍ هو أن تركب قارب العلم الظاهر حتى تنجو من بحر الجحود.

كيف ستنجو من بحر الجحود وهو البحث في عين التوحيد، وهو البحث في كُنه الله، كيف الله، متى الله؟

  • إما بالعلم الظاهر.
  • أو بنور يُلقى في القلب [وهو ضياء الكشف].

التفكر في لطائف الصنع ماء يسقي زرع الحكمة في القلب

وأما بالتفكر في لطائف الصنع - النقطة الثانية - هي أن تتفكر، فالبصيرة تبحث عن لطائف الصنع.

فهو ماء يسقي زرع الحكمة. أهو جميل أم سيئ؟ بل هو جميل. هناك بحر مالح، البحر مالح، ولو تفلت في البحر وهو مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبًا. لا إله إلا الله!

إذن هذا البحر مالح، لكن المقصود هو الطريقة التي هي التفكر في لطائف الصنع. هذه مياه يُسقى بها الزرع، أليست حلوة؟ بلى، فهو ماء يسقي زرع الحكمة.

الحكمة بذرة تُزرع في القلب وتُسقى بماء التفكر في لطائف الصنع

فالحكمة هذه بذرة صغيرة:

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

سنضع عليها مياهًا، لكن أين التربة الخاصة بها؟ فالبذرة تحتاج إلى تربة، وهي موجودة عند العطار وبائع البذور، لا تنبت إلا عندما نضعها في الأرض. فأين أرضها؟ إنها القلب.

نحن نتحدث عن القلب والتفكر، فهذا هو الماء، والحكمة بذرة سنضعها في القلب ونسقيها بماء التفكر في لطائف الصنع، فتنمو. إذن هناك نمو.

ماهية الحكمة ولطائف الصنع ومعرفة الأشياء بخصائصها ووظائفها

فهو ماء يسقي زرع الحكمة، الذي هو التفكر في لطائف الصنع. ما هي هذه الحكمة؟ الحكمة. وما هي لطائف الصنع؟

هل تعرف الأشياء بخصائصها ووظائفها وآثارها وفوائدها وأسبابها ومآلاتها ومقاماتها؟ تنظر للإنسان هكذا فتقول له: سبحان من سواك!

تنظر للطفل فتقول: لا إله إلا الله، انظر كيف يحافظ الله عليه! إنه غير قادر لا على الكلام ولا على العمل، سبحان من رباه.

التأمل في مراتب الخلق من الطفولة إلى القوة ومن الظلم إلى الغنى

يقول: ربه في أناس هكذا يربيهم الله فيصبحون من كبار الأولياء. رباه ربه، هذه مرتبة من مراتب الأولياء الكبار أن يربيه الله وليس الناس.

فتنظر إلى الطفولة، وتنظر إلى أصحاب العجز أو المرض أو الصحة أو القوة، أو تنظر إلى الظلمة والطغاة، أو تنظر إلى المظلومين والمقهورين، أو تنظر إلى الأغنياء أو الفقراء.

فتلاحظ فعل الله فيهم: وكيف أنه وفق هذا، وكيف أنه مَنَّ على هذا، وكيف أنه حرم هذا من أجل اختبار صبره، وكيف أنه... وهكذا.

التفكر في نعم الله لا ينتهي من الحواس إلى السماء والأرض والبحار

والتفكر لا ينتهي: تفكر في عينيك، وبعد ذلك في أذنيك، وبعد ذلك في أنفك وكيف تشم، وبعد ذلك كيف تتكلم، كما أنكم تنطقون. ثم تتفكر في السماء وفي الأرض، في السحاب وفي الشجر، وفي البحار وفي المطر.

هذه أمور لا نهائية:

﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]

كنا في الماضي عندما كنا في بداية الطلب، كنا نتقي الله بعض الشيء، كان لدينا تقوى ليست كما الآن، أستغفر الله العظيم.

تجربة التسبيح في السجود بتعداد نعم الله التي لا تنتهي

فكان الواحد منا عندما يسجد: سبحان ربي الأعلى على سحابك، سبحان ربي الأعلى على مطرك، سبحان ربي الأعلى على شجرك، سبحان ربي الأعلى على أنهارك، سبحان ربي الأعلى على بحارك، سبحان ربي الأعلى على...

يجلس نصف ساعة وهو ساجد لا ينتهي من تعداد [النعم]. نعم، يريد أن يعدد النعم، لن يعدّها، لا توجد فائدة. فإذا هي لا تنتهي، فيشعر الإنسان بعجزه، ماذا سيقول وماذا سيفعل.

التفكر في معاني الأعمال والأحوال يسهل سلوك طريق الحقيقة والفناء في الله

وأما الفكرة في معاني الأعمال والأحوال فهي تسهل سلوك طريق الحقيقة. يتناول بعد ذلك النقطة الثالثة ويقول: إنه عندما تفكر في الأعمال وفي الأحوال، يسهل عليك الفناء في الله.

وما معنى الفناء في الله؟ يعني أن ترى كل ما حولك، تخرج عن حد الرسوم، ترى كل الأشياء التي حولك أنها زائلة فانية، ولا ترى في هذا الكون إلا قدرة الله سبحانه وتعالى، إلا الله. وكل هذا إنما هو بالله، وتعيش في هذه الأجواء.

نسبة كل الحركات والسكنات لله مرحلة وسطى توضح الحقيقة

التي فيها أن كل الحركات والسكنات وما يحدث في الأكوان من حولنا إنما هو بقدر الله وفعل الله، ولا فعل للمخلوق في شيء من ذلك.

هذه مرحلة وسطى لكنها توضح الحقيقة: توضح أن الله على كل شيء قدير، وتوضح أنه فعّال لما يريد، وتوضح أنه خلقنا وما نعمل، وتوضح أشياء كثيرة.

ولكنها مرحلة بعدها مرحلة أخرى: أن تعود لنفسك حتى تراعي الرسوم الشرعية التي أمرك الله بها من صلاة وصيام، ومن البعد عن المعاصي والمنهيات.

التفكر في معاني الأعمال يؤدي إلى نسبة كل شيء لله وتسهيل طريق الحقيقة

إذا الفكرة في معاني الأعمال والأحوال ستؤدي بك إلى نسبة كل شيء لله، والنسبة هذه نسبة حقيقية. هذا سيسهل عليك سلوك طريق الحقيقة الذي هو الفناء في الله.

كيفية التخلص من الفكرة في عين التوحيد بثلاثة أشياء أولها معرفة عجز العقل

وإنما يتخلص من الفكرة في عين التوحيد - كيف تتخلص إذن من الفكرة الأولى هذه التي ستودي بنا إلى الداهية، وإن كنا نقوم بها، ولكن يجب أن نضبط أنفسنا فيها - بثلاثة أشياء:

أولًا: بمعرفة عجز العقل. فنحن لا نستطيع بعقولنا المحدودة أن نستوعب غير المحدود. هذا ليس عدلًا، هذا ليس عدلًا، ليس هذا عدلًا. ففي العقل عجز، له حدود؛ يفهم ويطبق ويتدبر ويستنتج، لكنه لا يدرك كنه الحقائق التي هي أكبر منه.

الشيء الثاني للتخلص: القياس عن الوقوف على الغاية والاعتصام بحبل التعظيم

وبالقياس عن الوقوف على الغاية: وأنت تبحث عن ماذا؟ بالبصيرة عن كنه الله، اعلم أنه ليس ممكنًا. فعندما تعرف أنه ليس ممكنًا سترجع إلى نفسك.

وبالاعتصام بحبل التعظيم: لو عرفت أن ربنا عظيم جدًّا، ما الذي جعل البصيرة تبحث عن ربنا؟ ما يوجد تعظيم كافٍ.

﴿وَمَا قَدَرُوا ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: 67]

ولو كان هناك تعظيم كافٍ، ما كانت تحيّرت وكانت عرفت الحقيقة من البداية، وأنها ليست على قدر ذلك.

سبب بحث البصيرة في كنه الله هو صغر المعرفة وظن المشابهة بين الخالق والمخلوق

فالذي جعلها تفعل ذلك أنها ما زالت صغيرة في البداية. ظنت أن الله رجل كريم، بمعنى أن الله ليس رجلًا كريمًا، بل هو خالق السماوات والأرض، هو سبحانه وتعالى شيء آخر.

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: 11]

فلو فهمت هذه المسألة؛ لأنه يظن أنه مثله، أي أنه مجرد شيء كبير هكذا. لا، ليس مثلك ولا له علاقة بك أبدًا.

إدراك لطائف الصنع بثلاثة أشياء: حسن النظر في المنن والاستجابة للإشارات

وإنما تدرك لطائف الصنع جيدًا ندركها بثلاثة أشياء:

أولًا: بحسن النظر في مبادئ المنن. دائمًا ترجع إلى المنن التي أنعم الله عليك بها وتحاول أن تتذكرها.

ثانيًا: وبالاستجابة لدواعي الإشارات. كل منّة وراءها إشارة. الله سبحانه وتعالى تجلى في هذا الكون بأسمائه وصفاته، جعلك سميعًا بصيرًا حتى تلتفت أنه إذا كنت أنت يا عاجز هكذا، فما بالك بربك الذي جعلك قادرًا على أن تفتح زجاجة الماء؟ قال: هذه قدرة.

وبعد ذلك، هذه الإشارة فيها إشارة إلى قدرة الله الذي يقول للشيء كن فيكون، الذي بقبضته السماوات والأرض.

الشيء الثالث لإدراك لطائف الصنع: الإخلاص من رق الشهوات وأثره في نور القلب

ثالثًا: وبالإخلاص من رِقّ إتيان الشهوات. عندما تخلص في البعد عن الشهوات يحدث نور في القلب.

لقد قلنا هناك شيئان: بالكشف الذي هو إلقاء النور في القلب، وبالتمسك بالعلم الظاهر. متى يأتيك النور في القلب؟ إذا ابتعدنا عن الشهوات.

ولذلك قالوا الأربعة: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، وقلة الأنام. هذه الأربعة هي التي تجعلك وتساعدك على ترك الشهوات.

أثر الصيام في تضييق مجرى الشيطان وإنارة القلب بالنور

لا يوجد طعام، تجد قلبك ينير هكذا. كلما تصوم صيامًا هكذا كثيرًا - ليس صيامًا يعني يومًا أو شيئًا - تجد النور يأتي في القدوة [أي القلب].

لذلك قال [النبي ﷺ]:

قال رسول الله ﷺ: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء»

جاء الصوم يضيق موارد ومسار ومجرى الشيطان في الدم:

قال رسول الله ﷺ: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا عليه بالصوم»

تضيق عليه بالصوم لكي تخنقه وهو يدعوك إلى الشهوات.

ملخص الأشياء الثلاثة لإدراك لطائف الصنع ودور البصيرة في نقلها للقلب

بحسن النظر في مبادئ المنن، وبالإجابة لدواعي الإشارات، وبالإخلاص من رق إتيان الشهوات.

بهذا الشكل تتمكن دائمًا من رؤية لطائف الصنع، والبصيرة الخاصة بك تنقل هذا إلى قلبك، فيزداد نورًا ويقينًا.

الوقوف على مراتب الأعمال والأحوال بثلاثة أشياء أولها استصحاب العلم

وإنما يوقف بالفكرة على مراتب الأعمال والأحوال بثلاثة أشياء:

أولًا: باستصحاب العلم. دائمًا عليك أن تتعلم؛ لأن العلم له حدان: حد أنه حجاب إذا اغتررت به، وحد أنه يوصلك إلى ربك إذا أخلصت فيه.

لذا لا بد في كل ما تتعلمه أن تجعله لله، حتى يكون لك نورًا ولا يكون لك حجابًا. نعم، العلم حجاب، وكلما تعلمت أكثر كلما وضعت حجابًا بينك وبين إلهك، إذا ما كان هذا العلم يؤدي بك إلى الغرور والتفاخر والتعاظم والنظر إلى النفس بأنك أصبحت شيئًا مختلفًا عن من حولك، أصبح حجابًا.

الشيء الثاني: اتهام المرسومات الشرعية بالتعلق بالله لا بالعبادة ذاتها

لكن إذا جعلته لله فإن فيه معرفة. واتهام المرسومات: المرسومات نوعان:

  • أشياء شرعية مثل الصلاة والزكاة والصيام وما شابه ذلك، وهذه لا بد من القيام بها.
  • لكن المشكلة الخاصة بها أنها تحتاج إلى التعلق بالله لا بها.

يا سائلي عن رسول الله كيف سها، والسهو من كل قلب غافل الله. قد غاب عن كل شيء سره، فسها عما سوى الله.

فالتعظيم لله يعني أن سيدنا رسول الله ﷺ وهو واقف يصلي، من شدة تعلقه بربه حُجِب بينه وبين حركات الصلاة، فظن الاثنين أربعة. حُجُب بينه وبين حركات الصلاة.

سهو النبي في الصلاة كان بسبب انشغاله بالتفكر في الله لا في الدنيا

ما هذا الحجاب؟ ليس لأنه ﷺ منشغل بالتفكر في الدنيا وأمورها أبدًا، بل لأنه منشغل بالتفكر في الله.

قد غاب عن كل شيء سره - السر درجة من درجات القلب - فسها عما سوى الله. فالتعظيم لله.

فاتهام المرسومات الشرعية بأن تتعلق بالله الذي من أجله تفعل، ولا تتعلق بالفعل. لا تنظر إلى أنك تصلي ولا أنك صائم، انظر إلى أنك تفعل هذا لله وبأمر الله، لأجل أن يرضى عنك.

النظر إلى أن الله هو الذي أقامك في العبادة وليس من حولك وقوتك

وانظر من ناحية أخرى أنه هو الذي أقامك في الصلاة وفي الصيام، ليس ذلك من حولك وقوتك وإرادتك ورغبتك، إنما هو من الله. فالله هو الذي خلقك وخلق الصلاة لك.

إذا نظرت [هكذا]، هذا يكون كأنك اتهمت المرسومات [الشرعية بأنها ليست منك بل من الله].

المرسومات الدنيوية يسهل التخلص منها لكن التعلق بالعبادات هو الأصعب

وهناك مرسومات أخرى التي هي العالم الذي حولنا: نحب الأشياء التي تخصنا ونمتلكها، هذه الجبة خاصتي، هذا الكتاب خاصتي. هذه مرسومات دنيوية يسهل التخلص منها.

على فكرة، الذي ليس سهلًا هو موضوع الصلاة والصيام. انظر كيف العبادات!

ولذلك كثير جدًّا من الناس ممن لا يفقهون، النبي عليه الصلاة والسلام وصفهم بأنهم:

قال رسول الله ﷺ: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»

من هم هؤلاء؟ تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم. طوبى لمن قتلهم وقتلوه. الخوارج صفاتهم هكذا: تعلقوا بالرسوم ونسوا الرب سبحانه وتعالى.

الشيء الثالث: معرفة مواقع الغيرة لله كما فعل سيدنا إبراهيم وسيدنا محمد

وبمعرفة مواقع الغَيْر أو الغِيَر: أن تغير لله كما فعل سيدنا إبراهيم حينما غار على الله من الأصنام فحطمها، في غيرة لله. هو يقول لك: هذه غيرة في الله، أغار له سبحانه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله، فإنه حينئذ يغضب غضبة لا تكون لنفسه.

جاءه الأعراب، ومنهم من أمسكوه من هنا هكذا يشده، ومنهم من أمسكوه كذا، ومنهم من دفعوه، وكل هذا وهو صابر ويضحك ولا يسأل فيهم. أما إذا رأى أن حرمات الله قد انتهكت، فإنه يثور ويغضب ويتمعر وجهه الشريف حمرة، أي يحمر غضبًا. يتمعر يعني يحمر، فيصبح فيه حمرة هكذا غضبًا.

إدراك مراتب الأعمال والأحوال بالغيرة لله ومعرفة أن الحول والقوة لله وحده

وبمعرفة مواقع الغير منك، أو الغير - يعني متى تغار لله؟

إذا وفيت هذه الثلاثة [استصحاب العلم، واتهام المرسومات، ومعرفة مواقع الغير]، فإنك تكون قد أدركت مراتب الأعمال والأحوال. حيث أن الغضب حالة، والرضا حالة، والتوكل حالة، والتسليم حالة.

أو بمعرفة مواقع الغير منك بأن الناس كلهم لا حول ولا قوة بهم، وأن الحول والقوة إنما هو لله.

الدعاء بالعلم النافع والقلب الخاشع والرزق الواسع والشفاء من كل داء

اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وأقمنا بالحق وأقم الحق بنا. اللهم يا ربنا اغفر ذنبنا واستر عيبنا ونوِّر قلوبنا ويسِّر غيوبنا.

اللهم ارزقنا رزقًا واسعًا وعلمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا ولسانًا ذاكرًا وشفاءً من كل داء. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.

اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وتولنا في من توليت، وبارك لنا فيما أعطيت.

الدعاء بنصر المجاهدين وتثبيتهم ورد الأقصى وزلزلة الأعداء

اللهم انصر المجاهدين وثبت رميهم، وأنزل السكينة على قلوبهم وقلوب أمهات الشهداء. رد علينا الأقصى اللهم يا أرحم الراحمين.

زلزل الأرض تحت أقدام يهود، وزلزل الأرض تحت أقدام الأمريكيين، وصد عنا أممك يا أرحم الراحمين، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، واشغلهم بأنفسهم.

اللهم انصرنا في الجو والبحر والأرض يا أرحم الراحمين.

الدعاء بجمع الأمة على الخير والحشر تحت لواء النبي يوم القيامة

اللهم يا ربنا اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًّا ولا محرومًا.

اللهم وحّد قلوب أمة محمد على الخير، واجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة، وأحينا مسلمين وأمتنا مسلمين غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم يا ربنا احشرنا تحت لواء سيدنا محمد يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.

الدعاء بالمغفرة والرحمة وتحبيب الإيمان وتكريه الكفر والفسوق والعصيان

اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم. لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.

انقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك، حبب لنا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره لنا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين ومع الراشدين، ومن الصادقين ومع الصادقين، وانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم هذا حالنا لا يخفى عليك، وعلم ذلك كله بين يديك. اللهم يا ربنا هب مسيئنا إلى محسننا، واغفر لنا جملة واحدة، واستجب دعاءنا يا أرحم الراحمين.

الدعاء بنصر المسلمين وقضاء الحوائج وشفاء المرضى ورفع الكربات

اللهم اسحب نصرك عن الكافرين، اللهم انصر المسلمين. اللهم يا رب العالمين أرنا فيهم عجائب قدرتك، وسلِّ قلوبنا يا رب العالمين، وصد عنا وعجل بالفرج.

اللهم يا رب العالمين لا تدع لنا حاجة إلا قضيتها، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا همًّا إلا فرجته، ولا كربة إلا رفعتها، ولا ظلمًا إلا نصرته.

اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا. اللهم يا أرحم الراحمين متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا وصحتنا ما أحييتنا واجعلها الوارث منا.

ختام الدرس بالصلاة على سيدنا محمد عدد معلومات الله ومداد كلماته

اللهم صلِّ أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، عدد معلوماتك ومداد كلماتك، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

اللهم صلِّ أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، عدد معلوماتك ومداد كلماتك، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.

اللهم صلِّ أفضل صلاة على أسعد مخلوقاتك سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، عدد معلوماتك ومداد كلماتك، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.