سورة آل عمران | حـ 352 | آية 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 352 | آية 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الحروف المقطعة في أوائل السور كـ"الم" في سورة آل عمران اختلف المفسرون في معناها، فمنهم من يقول لا يعلمها إلا الله، ومنهم من يرى أنها تشير إلى سلسلة الوحي: الألف لله، واللام لجبريل، والميم لمحمد.
  • بعض التفسيرات ترى أن هذه الحروف أدوات تنبيه للعرب، تجعلهم يستمعون باهتمام لما يأتي بعدها من آيات، فتعمل على جذب الانتباه وتحفيز شهوة المعرفة لدى المستمع.
  • يرى آخرون أن الحروف المقطعة التي بدأت بها ثمانية وعشرون سورة بأربعة عشر حرفاً هي معجزة في رسم القرآن ستظهر مع الأيام.
  • الأمور التذوقية في التفسير مقبولة لكن لا تكون أساساً للتفسير، فالتفسير يعتمد على العلم المنضبط، والخواطر تضاف إليه ولا ينكر بها التفسير الأصلي.
  • رسم القرآن معجز كنظمه، وفيه اختلافات في كتابة بعض الكلمات في مواضع مختلفة.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وافتتاح تفسير سورة آل عمران بالحروف المقطعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الٓمٓ﴾ [آل عمران: 1]

وبعض المفسرين يقولون: لا نعلم معناها ولا يعلمها إلا الله، وبعضهم يقول: بل نعلمها، ويختلفون في تفسيرها.

تفسير الحروف المقطعة بأنها تشير إلى سلسلة الوحي من الله إلى محمد

فاسألوهم [أي بعض المفسرين]، قالوا إن هذه [الحروف المقطعة] تشير إلى سلسلة الوحي، فما هي سلسلة الوحي؟ قال [أحد المفسرين] إن الألف تشير إلى الله، وهو أول حرف في لفظ الجلالة "ألف الله"، واللام تشير إلى جبريل، والميم تشير إلى محمد ﷺ.

فتكون الحروف تعني: الله وجبريل ومحمد، أي أن هذه هي سلسلة الوحي الذي سيُقال [في القرآن].

الإشكال على تفسير سلسلة الوحي في الحروف المقطعة المختلفة

ذلك [التفسير بسلسلة الوحي] سيقول لنا شيئًا آخر في "ألف لام راء" وفي "ألف لام ميم صاد"، والألف واللام والميم والراء سيقول لنا إذن ما القصة هنا؛ لأنها حروف مختلفة، فحينئذ يقول لي: ما معناها؟

أما هنا [في سورة آل عمران] فقال إن الألف واللام والميم معناها سلسلة الوحي: الله، جبريل، محمد ﷺ.

هل كانت العرب تستعمل الحرف الواحد للدلالة على كلمة كاملة

قلت له: وهل تعلم العرب ذلك؟ العرب أيضًا كذلك تتكلم بكلام حرف يدل على كلمة. قال: ممكن أن تكون العرب تكلمت بهذا؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، فيجب أن يخاطبهم بما يفهمون وبما يدركون، بحيث أنه عندما يقول "ألف" يخطر في بال الواحد: ألف يعني ماذا؟ لا تكون معناها الله؟ هكذا يعني.

فهل العرب تعرف ذلك؟ قالوا: والله النبي ﷺ يقول:

«من أعان على قتل أخيه ولو بشطر كلمة»

أي نصف كلمة، كأنه قال: "اقْ" أي اقتل، "اقْ" أي اقتل. فما دام أنه استعمل حرفين للدلالة على بقية الكلمة.

قصة استعمال حرف القاف الواحد للدلالة على الوقوف عند العرب

قلت له: لكن "اقْ" هذه والسياق وهكذا مفهومة، ولكن هنا [في الحروف المقطعة] هو في سياق [مختلف]. قال لي: حسنًا.

فقلت لها [أي لإحدى الحاضرات]: قِفي، فقالت: قاف. فقلت لها: قِفي، فقالت: قاف، أي وقفتُ. والله "قاف"! هذا "قاف"، هذا حرف واحد يعني: وقفتُ امتثالًا لأمرك حيث قلتَ لي قِفْ. نعم.

وانتبه، قال [المفسر]: يبقى ممكن أن العرب كانت تستعمل هذه الأشياء للدلالة على كلمات، التي هي الحروف يعني للدلالة على كلمات كاملة.

الاعتراض على تفسير سلسلة الوحي بأن الحروف لا تطابق أوائل الأسماء

قلت له: حسنًا، أنت هنا هكذا بالتعنت هكذا جعلت الألف "الله" واللام "جبريل"، والألف هذه أول لفظ الجلالة، واللام آخر "جبريل". ولو كان يعني ذلك لكان "ألف جيم ميم": ألف جيم ميم، الله جبريل محمد.

فقال لي: لا، ما أنت منتبه! قلنا: ننتبه إلى ماذا؟ ما الحكاية؟ قال: أصله جبريل هذا صلة بين الذات العلية والذات المصطفوية [أي ذات النبي ﷺ]. الذات المصطفوية ندركها، فاللام هي تشير إلى الذات المصطفوية، والجيم في علاقتها مع الذات العلية التي لا ندركها. فـ"ألف لام ميم" [تُفهم على هذا النحو].

قاعدة مهمة في التفسير: التذوق لا يُبطل العلم المنضبط بل يُضاف إليه

قلت له: والله هذا تذوق، لكن هذا التذوق لديّ يعني ما هو منضبط جدًا علميًا، فأنا لن أرفضه لكن لن أجعله أساسًا للتفسير. يبقى إذا كانت هناك أمور تذوقية كهذه تحصل نقبلها، ولكن لا نجعلها أساسًا للتفسير.

هل يمكن أن نتوقف؟ تعال يا شيخ عبد الله، إذا جاء الأذان وهو يدرس لم يقم من الدرس، فيقولون له: ألا نصلي السنة؟ فيقول: ما نحن فيه أولى. السلف الصالح يدركون ماذا يفعلون، فالحمد لله رب العالمين.

وعلى ذلك فنحن نحاول أن نفسر بقواعد العلم المنضبط.

قاعدة تفسيرية: الخاطر يُضاف إلى التفسير الأصلي ولا يُبطله

فإذا حدث عند الإنسان خاطر فإنه لا يكرّ على العلم المنضبط بالبطلان. هذه قاعدة في التفسير: تُفسَّر [الآيات] نعم ولكن بالعلم المنضبط، ثم يأتي لك خاطر أن الآية تحتمله، حسنًا، يُضاف إلى [التفسير الأصلي] ولا يُنكَر على [صاحبه].

انظر الفرق: يُضاف إلى التفسير الأصلي، يعني التفسير الأصلي صحيح وهذا زيادة عليه، لكن لا يُنكَر على التفسير الأصلي بالبطلان.

تفسير الحروف المقطعة بأنها أدوات تنبيه لجذب انتباه العرب للاستماع

فإذا سأل أحدكم: ما التوجه في هذا [تفسير الحروف المقطعة]؟ بعضهم قال إنها أدوات التنبيه للعرب، أي أن العرب عندما يسمعون "ألم" يقولون: ما قصدك؟ ماذا تقول؟ ماذا تعني "ألم"؟ ماذا تريد أن تقول؟ أكمل الكلام! فيجعلهم يستمعون.

وهذا ما نسميه أداة التنبيه:

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]

آه فهمتُ! أنت تريد أن تقول شيئًا، فينشغل [السامع] بالجملة التي تأتي بعد التنبيه، فاستُدرج للسماع.

الحروف المقطعة كوسيلة دعوية لاستدراج المدعو للاستماع والإيمان

وكأنه لو كانت هذه أدوات تنبيه تبقى وسيلة من وسائل الدعوة؛ أنك أنت تحتال بكل حيلة من أجل أن يسمعك المدعو بصورة لافتة للنظر، ليس يسمعك فيكرهك، لا، يسمعك فيحبك! وهو الذي جعل هذا القرآن يدخل في قلوب الناس.

واحد عنيد جدًا، فقال له: حسنًا، "ألم"؟ قال: ماذا تقول؟ ماذا؟ إنه توجد شيء يسمى شهوة المعرفة. أنت تقول ماذا؟ قال له: أقول "ألف لام ميم". قال له: ما بالها؟ يعني أكمل، هكذا أكمل الكلام.

قال له:

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]

الله! أنت تدعو إلى الوحدانية، أنت تدعو إلى الله، أنت تدعو إلى كذا، ويدخل إذن في القضية، وتبقى "الم" قد قامت بوظيفتها وهي التنبيه، أداة من أدوات التنبيه.

تفسير الحروف المقطعة بأنها معجزة في رسم القرآن تظهر مع الأيام

بعضهم قال إن "الم" هذه والأشياء هذه هي التي بدأنا بها ثمانية وعشرين سورة بأربعة عشر حرفًا، إنما هي في الحقيقة معجزة تظهر مع الأيام.

تظهر ماذا مع الأيام؟ قالوا: تظهر مع الأيام، يعني ماذا؟ قال: ما هو أن القرآن هذا معجز في رسمه كما أنه معجز في نظمه، فهذه معجزة ستظهر لكم مع الأيام في رسم القرآن.

"إبراهيم" وهي تُكتب في [سورة] البقرة تُكتب من غير ياء، وفي كل القرآن بياء، لماذا؟ التاء مرة "رحمة" مكتوبة بالتاء المفتوحة ومكتوبة مرة بالتاء المربوطة، لماذا؟ "إلّا" مفصولة وموصولة، لماذا؟

فإلى لقاء آخر نفسر فيه هذه المسألة. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.