سورة آل عمران | حـ 355 | آية 2-3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث الله في سورة آل عمران عن نزول الكتاب، مؤكداً أنه الحي القيوم الذي شرف الإنسان وكلفه بعدما منحه العقل والاختيار.
- •بدأ الله بتشريف الإنسان بإسجاد الملائكة لآدم وخلق زوجه وإسكانهما الجنة، ثم تلا ذلك التكليف بعد نزولهما للأرض.
- •في قوله "نزل عليك الكتاب"، تحمل كلمة "عليك" معنى التمكن، فالتكليف في مصلحة الإنسان لا ينفصل عنه.
- •نزل القرآن منجماً شيئاً فشيئاً، بخلاف الكتب السابقة التي نزلت دفعة واحدة.
- •جاء القرآن بالحق ثابتاً لا يأتيه الباطل، مصدقاً لما سبقه من الكتب.
- •الإيمان بالكتب السماوية جزء لا يتجزأ من إيمان المسلم، فمن أنكر نبوة موسى أو عيسى أو كتبهما فقد كفر.
- •وصف الله الكتب السماوية بأنها هدى للناس، فهي ترجمة لقضية وجود الإنسان في هذا العالم.
افتتاح الدرس والتعريف بسورة آل عمران وآية التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [آل عمران: 2-3]
فمن الذي نزّل الكتاب؟ الله لا إله إلا هو الحي القيوم.
الله شرّف ابن آدم بالتكريم ثم كلّفه بالعقل والاختيار
الله شرّف وكلّف؛ شرّف ابن آدم:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
وجعل لنا عقلًا واختيارًا فكلّفنا؛ لمّا جعل لنا عقلًا واختيارًا يصبح [الأمر]: شرّف وكلّف.
بدأ بماذا؟ بدأ بالتشريف ثم ثنّى بالتكليف. التشريف حصل فيه ماذا؟ رأينا في سورة البقرة أن الله قد أسجد الملائكة لآدم، رأينا في سورة البقرة أنه قد خلق من نفس واحدة زوجها، رأينا في سورة البقرة أن الله سبحانه وتعالى أسكنهما الجنة. هذا كله تشريف.
وبعد ذلك حدثت أحداث فنزلا إلى الأرض فصار هناك تكليف.
التكليف الإلهي مبني على الرحمة واليسر ورفع الحرج
إذن إذا كان ربنا قد شرّف وكلّف، نستطيع أن نقول هكذا عبارة مختصرة ونحفظها: إن الله قد شرّفك وكلّفك.
فعندما تأتي أنت فقد أصبح [واضحًا] أن ربنا رحمن رحيم، تعلم أن ربنا غفور عفوّ، تعلم أن الله سبحانه وتعالى وضع في هذا التكليف اليسر:
﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]
تعلم أنه لم يجعل عليك إصرًا ولا أغلالًا. وهكذا الله فعل ماذا إذن؟ نزّل عليك الكتاب.
الفرق بين إليك وعليك في دلالة حروف المعاني على نزول الكتاب
نزّل عليك [الكتاب]، في [قوله تعالى] نزّل، يعني يمكن أن يقول "إليك"، ولكن هنا قال ماذا؟ "عليك".
و"عليك" هذه ما معناها؟ قال [العلماء]: عندما يكون الشيء على الشيء، أنت وضعت الطبق هكذا وغطّيت به الطعام فيكون هناك تمكّن. فيكون "إليك" فيه مناولة؛ أعطيك الكتاب بيدك هكذا.
ما هو الغرض من "إليك"؟ إثبات أن هذا [الكتاب] من عند الله، ما هو شيء آتٍ لك من الخارج هكذا، هو فتشعر أنه من عند الله.
والغرض من "عليك" ما هو؟ إن هذا التكليف في مصلحتك، لا ينفصل منك ولا تنفصل منه.
حروف المعاني في لغة العرب وأقسامها من حرف إلى خمسة أحرف
وهذه يسمّونها حروف المعاني في لغة العرب. كل حرف عندنا [في] لغة العرب تسعون حرفًا؛ حرف مكوّن من حرف واحد، ومن حرفين، ومن ثلاثة، ومن أربعة، ومن خمسة، ولا يزيد عن خمسة.
لكن مثلًا: خمسة حروف "لعلّ"، وأربعة حروف "إلى" و**"على"، وثلاثة حروف "في" و"من"، وحرفان التاء والباء** والواو — والله وبالله وتالله — حرف واحد.
هذه يسمّونها ماذا؟ حروف المعاني، مقابل الثمانية وعشرين حرفًا من حروف المباني [التي] آخذ بها وأبني الكلمة مثل "ألم".
دلالة إليك وعليك في الاعتراف بقدسية الوحي والعيش به
"إليك" و"عليك"؛ ويقول لك "إليك" فيكون معناها أن تعترف بقدسية ما نزل إليك من الله. و**"عليك"** فتعترف بأنه يحيط بك هذا الوحي وتعيش به وفيه.
نزّل: قالوا "نزّل" وهذه يمكن أن يكون معناها أنه أنزله شيئًا فشيئًا. "نزّل عليك الكتاب"؛ لأن الكتب [السماوية السابقة] نزلت دفعة واحدة، والقرآن نزل منجّمًا شيئًا فشيئًا.
فهنا قال له ماذا؟ "نزّل عليك الكتاب"، يبقى إذن أنزله شيئًا فشيئًا، وأمره بأن يتمكّن الوحي منه حتى يعيشه في وجدانه وفي حياته ويخالط نفسه وروحه صلى الله عليه وسلم.
نزول الكتاب بالحق من الله الحي القيوم وبقاؤه إلى يوم القيامة
وأن هذا الكتاب إنما هو بإذن الله الحي القيوم؛ لأنه كلامه القديم غير المخلوق.
بالحق: والحق يعني الأمر الثابت، فنزّل عليك الكتاب بالحق، فيكون هذا الكتاب كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه كتاب باقٍ إلى يوم القيامة؛ لأنه نزل بالحق.
﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 3-4]
هذا الكتاب بما فيه من الشريعة وبما فيه من العقيدة، بما فيها من الأخلاق، بما فيها من العمارة والعبادة، ليس جديدًا ولا بدعة، إنما هو يترجم عن قضية وجود الإنسان في هذا العالم من لدن آدم إلى خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
الإيمان بجميع الرسل والكتب السماوية جزء لا يتجزأ من إيمان المسلم
هل جئنا بشيء جديد؟ هذا شيء أرسل الله سبحانه وتعالى به الرسل، ونحن نؤمن بكل الرسل. بهذا المدخل: مصدّقًا لما بين يديه، "لما بين يديه" تعبير معناه للشيء الذي هو حاضر أمامنا.
وأنزل — لم يقل "ونزّل" — فيبقى [هناك] مفارقة بين طريقة نزول القرآن وطريقة نزول الكتب السابقة. من الذي أنزل التوراة؟ الله الحي القيوم. ومن الذي أنزل الإنجيل؟ الله الحي القيوم.
فيبقى جزء لا يتجزأ من إيمان المسلم أن يؤمن بموسى وبتوراته التي نزلت عليه من عند الله، فلنفترض أن أحدًا أنكر وقال إن موسى ليس نبيًّا فيصبح كافرًا فيصبح غير مسلم.
وجوب الإيمان بعيسى والإنجيل ووصف الكتب المنزلة بأنها هدى للناس
وبعيسى وبإنجيله الذي نزل عليه كلمة الله، فلو قالوا: لا، عيسى ليس نبيًّا، فيصبح [قائل ذلك] كافرًا كفرًا. فلو لم يكن هناك إنجيل فيصبح [الأمر باطلًا].
﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 3-4]
ووصف كل هذا الذي أنزل بأنه هدًى للناس.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
