سورة آل عمران | حـ 357 | آية 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم كله محكم بنص الآية "كتاب أحكمت آياته"، وهذا يخالف ما ذهب إليه بعض المفسرين من تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه.
- •المحكم ينقسم إلى قسمين: آيات هي أم الكتاب وآيات متشابهات، فالمتشابهات محكمة أيضًا.
- •المتشابهات هي الآيات التي ورد مثلها في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، وتتحدث عن الله وصفاته واليوم الآخر والغيبيات.
- •أم الكتاب هي مقصود الكتاب وغايته، وهي الآيات الجديدة التي لم ترد في الكتب السابقة.
- •أهل الكتاب احتجوا على النبي بأن ما يقوله موجود عندهم وأن لديهم تفاصيل أكثر مما في القرآن.
- •الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابهات ويتركون أم الكتاب بهدف إثارة الفتنة وتأويل النصوص وفق أهوائهم.
- •الراسخون في العلم يؤمنون بأن كل ما في القرآن من عند الله، المجمل والمفصل، المحكم والمتشابه.
مقدمة وتلاوة آية المحكم والمتشابه من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]
خطأ بعض المفسرين في تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه
هذه الآية لم تلقَ نصيبًا من المفسرين على وجهها الصحيح؛ فبعضهم ذهب إلى أن الكتاب منه آيات محكمات ومنه آيات متشابهات، بمعنى أن بعضها محكم وبعضها غير محكم.
وهذا يخالف نصّ الكتاب، بل ويخالف إجماعهم على أن كل آيات الكتاب محكمة، كما قال تعالى:
﴿كِتَـٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]
فهذه الآيات كلها محكمة، يعني القرآن هذا في ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية، كلها محكمة.
الآيات المتشابهة هي التي وردت في الكتب السماوية السابقة
لكن بعض هذه الآيات ورد مثلها في التوراة، وورد مثلها في الإنجيل، وورد مثلها في الكتب السابقة، وهي تتحدث عن الله وعن صفاته، وعن اليوم الآخر، وعن الجنة وعن النار، وعن الخير وعن الشر، وهي تتحدث عن الغيبيات من ملائكة وجنّ.
إذن فهناك آيات في القرآن الكريم تشبه الآيات التي وردت في الكتب السابقة ونزلت على قلوب المرسلين، وهناك آيات لم ترد في هذه الكتب، وهي التي أسماها الله هنا في سورة آل عمران بـأم الكتاب.
معنى أم الكتاب وأصل تسمية الأم في اللغة العربية
فـأم الكتاب تعني مقصود الكتاب؛ أمّ تعني ماذا؟ الشيء الذي أممته وقصدته وتوجهت إليه. ولذلك الطفل عندما قصد أمه في احتياجه، محتاج إليها لترضعه وترعاه وتعتني به، فسُمّيت أمًّا لأنه أمّها، وأمّها يعني قصدها، يعني توجّه إليها.
فـأم الكتاب يعني مقصود الكتاب [أي الآيات الجديدة التي جاء بها القرآن ولم ترد في الكتب السابقة]. أما الآيات المتشابهات فما هي؟ كانت الكتب السابقة تغني عنها، لكن الحاجة الجديدة هذه -أم الكتاب- الكتب السابقة لا تغني عنها؛ لأنها جاءت جديدة.
حجة أهل الكتاب في الطعن على الرسالة المحمدية بالآيات المتشابهة
فجاء أهل الكتاب وقالوا له [لسيدنا محمد ﷺ]: يا محمد، الكلام الذي تقوله هذا -قصة آدم وقصة موسى والأنبياء وداود وسليمان وكذا إلى آخره- موجود عندنا، فما فائدته؟ ما معنى مجيئك إلى هنا؟ إن هذا الكلام الذي تقوله كله موجود عندنا.
هذا رقم واحد [الحجة الأولى]. ورقم اثنان [الحجة الثانية]، قالوا له: أنت تقول إن هناك واحدًا اسمه آدم خلقه الله من تراب وماء وطين وما إلى ذلك، ونفخ فيه من روحه إلى آخر القصة، نحن عندنا قصة أحسن من هكذا.
ادعاء أهل الكتاب امتلاكهم تفاصيل القصص القرآنية وتأويلها
كيف؟ قال [أهل الكتاب]: هذا [آدم] كان طوله ستين ذراعًا، حوالي ثلاثين مترًا، وكان يعرفون -نحن كل شيء- لون شعره ما هو، ولون بشرته ما هو، وكان كذا، وكل شيء نعرفه، وتوجد تفاصيل عندنا غير موجودة عندك.
فكم سنة عاش؟ فكم ولدًا أنجب؟ فما أسماء الذين أنجبهم؟ رأيتم كل هذا! نحن إذن لدينا ماذا؟ تفاصيل. هذه الأشياء كلها موجودة لدينا. فيكون لدينا قضيتان: أن لدينا قصة ولدينا أيضًا تأويلها وتفاصيلها.
رد الله تعالى على حجة أهل الكتاب وبيان أن القرآن فيه الغاية والهداية
هذه هي الحجة التي يأتون بها [أهل الكتاب]، فربنا يقول له [لسيدنا محمد ﷺ] ماذا؟ هو سيدنا محمد ﷺ في الأصل ليس له علاقة [بهذا الجدل]، يعني هو: أنا ما شأني؟ هو ربنا أرسلني وقال هكذا،
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
ربنا يجيب على هذه الحجة التي تبدو معقولة؛ لأن أهل الكتاب عندهم هذا الكلام [الحجة الأولى]، رقم اثنين عندهم تفاصيل غير موجودة هنا [في القرآن]. الموجود في القرآن هو غاية القصة وهدفها وهدايتها فقط، لكن تفاصيل لا توجد تفاصيل.
بيان أن المحكمات تنقسم إلى أم الكتاب ومتشابهات وليس القرآن
فما الحكاية إذن؟ قال [الله تعالى]:
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [آل عمران: 7]
هو سبحانه وتعالى أنزل عليك الكتاب، فمنه آيات محكمات هن أم الكتاب. إذن منه آيات، المحكمات وهذه صفة لجميع آيات الكتاب، ولكن من المحكمات ما هو أم الكتاب، ومن المحكمات ما هو متشابه.
إذن المحكمات تنقسم إلى قسمين: أم الكتاب ومتشابه، وليس القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه. انتبه! نعم، تفرق: القرآن منه محكم ومنه متشابه؟ لا! انتبه قليلًا، القرآن كله محكم بنص الكتاب:
﴿أُحْكِمَتْ ءَايَـٰتُهُ﴾ [هود: 1]
انتهى. حسنًا، وبعد ذلك، المحكم هذا منه أم الكتاب ومنه متشابه. إذن المتشابه محكم أيضًا، ستفرق! كان أم الكتاب وآخر في مقابل أم الكتاب متشابهات، يعني مثل الكتب السابقة.
اتباع أهل الزيغ للمتشابه ابتغاء الفتنة والتشكيك في الرسالة
فأما الذين في قلوبهم زيغ، ممن يريدون أن يرفضوا الوحي المحمدي، ممن يريدون أن يشككوا ويطعنوا في سيدنا رسول الله ﷺ، فيتبعون ما تشابه منه؛ يتركون أم الكتاب ويتمسكون بالآيات المتشابهات ويقولون: ما هذه؟ عندنا! هذه هي النقطة الأولى.
ابتغاء الفتنة: ابتغاء الفتنة التي يقولون فيها ماذا؟ وما هي حاجتنا إليك؟ ولماذا أتيت إلينا؟ وابتغاء تأويله: ابتغاء تأويله، الذين سيقولون ماذا؟ سيقولون: هذا آدم طوله كذا وعرضه كذا ولونه كذا، نحن لدينا في تفاصيل [أكثر مما عندك]. ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله.
موقف الراسخين في العلم من المحكم والمتشابه وإيمانهم بأن الكل من عند الله
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُٓ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]
هكذا، ربنا هو الذي يعلم.
﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]
من عند ربنا، وهذا من عند ربنا: الإجمال من عند ربنا، والتفاصيل من عند ربنا، المحكم من عند ربنا، والمتشابه من عند ربنا، الآيات أم الكتاب من عند ربنا، والمتشابه من عند ربنا.
