سورة آل عمران | حـ 358 | آية 7-8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الراسخون في العلم يؤمنون بأن كل شيء من عند الله، ويدركون أن العلم يثبت بطرق متعددة: النقل والعقل والحس والتجربة.
- •أصحاب الألباب هم المتعلقون بالله المطمئنون، وليسوا من المرتابين المحتارين، وقلوبهم ثابتة على الحق.
- •يدعو أصحاب الألباب ربهم قائلين: "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا"، مدركين أن القلوب قد تزيغ عن الحق.
- •الاعتراف بنعم الله فضيلة كبيرة، والمحروم منها يعيش في مرض نفسي يرى كل شيء أسود.
- •نعم الله لا تحصى، كالبصر والصحة والحركة، وينبغي شكرها والاعتراف بها.
- •الإنسان خلق متجدد في كل لحظة، والوجود كله بمشيئة الله.
- •الله هو الوهاب كثير العطاء، يهب عباده من رحمته ونعمه باستمرار.
- •من نعم الله استمرار الوجود رغم إمكانية زواله، فقدرة الله غير متناهية ونعمه لا نهائية.
الراسخون في العلم يعرفون طرق إثبات العلم المتنوعة
الراسخون في العلم يقولون:
﴿ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]
لأنهم راسخون وهم يعرفون كيف يثبت العلم.
هل يثبت العلم بالنقل فقط؟ هل يثبت العلم بالعقل فقط؟ هل يثبت العلم بالحس فقط؟ هل يثبت العلم بالتجريب فقط؟ أبدًا؛ فالعلم واسع وهو في مجالات مختلفة وأنواع مختلفة، يثبت بكل ذلك: بالعقل وبالنقل وبالحس وبالتجريب وهكذا.
فعلوم اللغة ثبتت بالنقل، وعلوم الشرع منها نقل وعقل، وعلوم الكون منها حس وتجريب وهكذا.
الراسخون في العلم وأولو الألباب وصفاتهم مع ربهم
إذن الراسخون في العلم — وليس الذي يأخذ الكلام على عواهنه — يقولون:
﴿ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران: 7]
متى يكون الإنسان من أولي الألباب؟ ذلك القلب المعلق بالله. واسمع كلام أولئك الذين هم من ذوي الألباب مع ربهم؛ وعندما تسمع كلامهم مع ربهم تعرف حالهم وتعرف من هم.
دعاء أولي الألباب ربنا وتعلق قلوبهم بالله وحده
ربنا الله — هذا [الداعي] اعترف بالإله، هذا آمن به، هذا تعلق قلبه به، دعاه وطلب منه ما ليس في يد أحد سواه سبحانه وتعالى. الله! هذا يكون عارفًا الحقيقة.
إن الذين يعرفون الخالقية ويعرفون المخلوقية هم أصحاب الألباب. فربنا [سبحانه وتعالى] عندما يقول [العبد]: "ربنا الله" فإن هذا كشف عن نفسه بأنه من طائفة المؤمنين، وبأنه من طائفة المطمئنين لا المرتابين والمحتارين.
حيرة المرتابين وأسئلتهم التي لا يجيب عنها إلا الوحي
فهناك أناس محتارون: هل يوجد رب أم لا يوجد رب؟ وإذا كان يوجد رب هل له علاقة بنا أم ليس له علاقة بنا؟ وجلس يفكر هكذا، قال: في حرية فكر! وهو مسكين متعب غير مطمئن حائر، وفي أشياء لم يُجِب عنها إلا الدين وإلا الوحي وإلا أنبياء الله.
معنى قول ربنا والتلذذ بالدعاء الجماعي لله تعالى
"ربنا" — أمسك هكذا في "ربنا" هذه وجلس يتلذذ بها هكذا. "ربنا" ليس ربه هو فقط؛ ما قال "ربي"، قال "ربنا"، يكون يعلم الحقيقة أنه لا يوجد أحد إله فينا [أي لا أحد منا يستحق العبادة]. نعم، لا أحد إله منا.
الدعاء بعدم زيغ القلوب وصفات أولي الألباب الصادقين
﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: 8]
فالقلوب تزيغ، نعم. أليس كذلك؟
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7]
فيا رب لا تجعلنا مثل هؤلاء الجهلة! فلذلك: لا تُزِغ قلوبنا.
هذا شخص يحب الحق، يحب الحقيقة، يحب العلم. لا تُزِغ قلوبنا — يحب الهداية، يحب الشفافية والوضوح. فالشخص هذا ليس كاذبًا؛ يكون أولو الألباب ليسوا بكذابين.
أولو الألباب لا يخدعون أنفسهم وأساس التفكير السليم
والشخص هذا لا يخدع نفسه — يخدع نفسه هذه كلمة مصرية [أي] يغش نفسه هكذا — يقعد يضحك على نفسه، يخادع نفسه.
هذا هو الأساس الخاص بالعقل السليم والتفكير السليم: هيا لننظر ما الذي حدث بالضبط في الكون وفيما حولنا وفي النفس وفي التاريخ، من غير كذب ومن غير خلط.
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
الاعتراف بنعمة الله وخطورة إنكارها على النفس البشرية
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]
والاعتراف بنعمة الله هذا فضيلة كبيرة، وكثير من الناس يُحرمونه. وتجد الإنسان عندما يُحرم الاعتراف بنعمة الله يدخل في إطار المرض النفسي؛ فهو يرى كل شيء أسود وأن الله لم يكرمه بشيء.
والله إن الله أكرمك بنعمة العينين — وانتبه إلى أن معنا كفيفًا. والله أكرمك بنعمة السعي والحركة — وانتبه إلى أن معنا مشلولًا.
فضل الصبر على فقدان البصر وحمد الله على نعمه الكثيرة
الله يكرمه [أي الكفيف] ويعطيه أجر من فقد حبيبتيه — يعني عينيه — أدخله الله بها الجنة؛ فإن صبر أدخله الله بها الجنة على صبره على فقدانهما، لأنه أصبح محتاجًا للناس في كل وقت. فالأعمى ربنا يكرمه.
وهذا لماذا؟ لكي تحمدوا جميعًا يا أصحاب الأبصار، ولكي تحمدوا جميعًا يا أصحاب الغنى والصحة أو الجاه أو العلم أو كذا، في نِعَمٍ:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ﴾ [إبراهيم: 34]
الاعتراف بالنعمة يجلب السعادة وإنكارها يجلب الشقاء
﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]
هذا [الداعي] يعترف بالنعمة، والذي يعترف بالنعمة يكون شاكرًا هكذا ومطمئنًا ومسرورًا وسعيدًا. والذي لا يعترف بالنعمة — على نفسها جنت براقش — أنت حر ألا تعترف بالنعمة؛ هي نعمة موجودة وكل شيء [موجود]، وأنت الذي ترفض أن تسعد وأن تطمئن.
طلب الرحمة من الله والزيادة التي هي النظر إلى وجهه الكريم
﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: 8]
زيادة!
﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]
يقول لك: الزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم. ورد في الحديث هكذا: والزيادة النظر إلى وجهه الكريم.
فاللهم زِدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تمنعنا، ولا تحرمنا.
معنى اسم الله الوهاب وتجدد الخلق في كل لحظة
﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]
ووهاب يعني كثير الوهب والعطاء، ليس يُعطى مرة واحدة بل يعطيك باستمرار ليلًا ونهارًا، ويظل يعطيك لأن استمرار خلقك متجدد.
أي أنك الآن وفي كل لحظة تصبح واحدًا جديدًا، خلقًا جديدًا. فالله يخلقك الآن، والذي كان من قبل قد انتهى كصورة وفَنِيَت، وأنت أصبحت متجدد الخلق عند الله.
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]
إمكانية زوال الوجود نعمة تدل على قدرة الله اللانهائية
يعني أن وجودي هذا يمكن أن يزول؟ نعم، قال له: يمكن، نعم. ولكن انظر من نعمة ربنا أنه لا يزول.
فحكاية أن هذا يمكن أن يزول هذه تعطي قدرة لا نهائية لله، وأنه لا يزول تعطي نعمة لا نهائية من الله. فهذه قدرة لا نهائية وهذه نعمة لا نهائية.
الإيمان بقدرة الله على إفناء الكون والتمتع بنعمه في الدنيا
فيأتي أحدهم ليقول لك: لماذا تقول هذا الكلام؟ أي أننا لم نرَ أحدًا يختفي! فما هذه إلا من نعمة ربنا. نحن لا نريد أن نراه [أي الاختفاء]؛ لأننا مؤمنون بأنه يمكن أن يختفي.
يمكن لهذا الكون كله أن يختفي عندما يقول له:
﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
ولكننا لا نريد ذلك؛ إننا جالسون في الدنيا وجالسون نتمتع بنعم الله علينا.
﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]
