سورة آل عمران | حـ 359 | آية 8-9 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •قول "ربنا" يبعث في النفس الإيمان والاطمئنان والرضا والتسليم، وهي نعمة عظيمة لو عرفها الملوك لقاتلوا عليها.
- •الإيمان باليوم الآخر يتردد في القرآن في آيات صريحة وضمنية، حتى يكاد يذكر في كل آية.
- •القرآن نزل للإجابة عن الأسئلة الكبرى: من خلقنا؟ ماذا نفعل هنا؟ ماذا سيكون غداً؟
- •"لا ريب فيه" تعني لا شك فيه، والريب في اللغة إما الشك أو الحاجة.
- •في الآخرة ينقطع احتياج الإنسان للأشياء ويبقى محتاجاً لله وحده، بينما في الدنيا نتعلق بالأسباب من طعام وشراب وحياة.
- •الله لا يخلف الميعاد في خبره عن الماضي والمستقبل، فكما صدق في أخبار الأنبياء السابقين فسيصدق في وعده باليوم الآخر.
- •اختلف العلماء في الوعيد: الراجح عند الأشاعرة أن الله لا يخلف الوعد لكن قد يخلف الوعيد رحمة، وبعضهم قال لا يخلف لا الوعد ولا الوعيد.
دعاء الراسخين في العلم بالثبات على الهداية والإيمان باليوم الآخر
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]
ثم يقولون:
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]
مرة أخرى: ربنا، والحلاوة التي لـ"ربنا" عندما تقول هكذا "ربنا"، تشعر بالإيمان، تشعر بالاطمئنان، تشعر بالتعلق، تشعر بالرضا والتسليم، تشعر بأنك في كنف من يستطيع أن يعطيك الدنيا والآخرة. أصلًا أنت تطلب من كريم، فلماذا تقول "ربنا"؟ شيء كبير جدًّا.
سعادة القلب بمعرفة الله التي لو عرفها الملوك لقاتلوا عليها
قالوا: لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها. هذه السعادة الكبيرة التي في القلب، لو عرف الملوك ذلك من أهل الدنيا لقاتلونا عليها.
فما بالك لو كان الملك مؤمنًا؟ ما هو سيدنا سليمان عليه السلام كان مؤمنًا وكان ملكًا، فقد جمع بين ملك الدنيا ورضا الله.
الإيمان باليوم الآخر محور خطاب القرآن الكريم في كل آياته
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 9]
الإيمان باليوم الآخر يتحدث عنه القرآن في آيات صريحة وفي ضمن آيات. فعندما تأتي لتحلل خطاب القرآن تجد أنه قد تحدث تقريبًا في كل آية عن اليوم الآخر.
هو يقول لك:
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]
يتحدث عن اليوم الآخر، أي ذلك الكتاب لا ريب فيه:
﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]
فتمسكوا به حتى يوصلكم بسلام إلى اليوم الآخر.
القرآن نزل للإجابة على الأسئلة الكبرى في حياة الإنسان
هكذا عندما يقول لك هنا:
﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2]
أي فآمنوا به واذكروه واعملوا حسابكم لليوم الآخر. أي هو كأن القرآن نزل من أجل الإجابة على الأسئلة الكبرى:
- •من أين؟ نحن خلقنا الله.
- •ماذا نفعل هنا؟ نهتدي بهدي الله.
- •ماذا سيكون غدًا؟
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 9]
لا شك فيه.
معنى الريب في اللغة بين الشك والحاجة وأثره على فهم اليوم الآخر
والريب في اللغة كما قلنا في [سورة البقرة]، إما أن يكون الشك وإما أن يكون الحاجة. "لا ريب فيه" أي لا حاجة فيه؛ فأنت ذاهب إليه كما خلقك [الله] أول مرة، لا تحمل معك مالًا ولا ثيابًا ولا جاهًا ولا سلطانًا ولا أي شيء.
فماذا تحتاج؟ لا شيء هناك. هل تحتاج إلى شيء لتفعل به شيئًا؟ أبدًا؛ فأنت أمام مالك يوم الدين.
ولذلك "لا ريب فيه" يعني لا حاجة فيه؛ فإذا انقطع احتياجك للأشياء، تأكد احتياجك لله [وحده].
الفرق بين احتياج الدنيا الظاهري والاحتياج الحقيقي لله وحده
ما دمت لست محتاجًا لشيء بعد [يوم القيامة]، إننا هنا في الدنيا أخفت علينا الأسباب الحقيقية، والناس يقولون لك: أنا محتاج آكل، أنا محتاج أشرب، أنا محتاج ألبس، أنا محتاج أفعل وأفعل وهكذا.
هناك [يوم القيامة] إذن محتاج إلى ماذا؟ لا يوجد شيء محتاج إلا الله، لا يوجد إلا الله فقط.
واضحة إذن؟ طيب، ما هي واضحة هنا [في الدنيا]؟ نعم، ولكن حجبت عنا قليلًا الأشياء التي نحتاجها: لو لم نأكل نموت، لو لم نشرب نموت، لو لم ننم نموت. لا والله، إننا محتاجون لهذه الأشياء فيتعلق القلب بها، وأحيانًا يتعلق بها أكثر مما يتعلق بالله الذي هو الحقيقي، الذي هو الذي صنعك وخلقك.
معنى لا ريب فيه بمعنى الحاجة في الشعر العربي وصدق خبر الله
﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 9]
"فلما قضينا من تهامة كل ريب" يعني كل حاجة، في الشعر [العربي] هكذا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]
يبقى إذا خبر الله لا يتخلف. قالوا: خبر الله لا يخلف في الماضي والمستقبل. يعني هو يقول إن في موسى وفي عيسى وفي إبراهيم [عليهم السلام]، أتكون هذه الأشياء أوهامًا؟ قالوا: لا يمكن، خبر الله لا يخلف؛ فالله صادق فيما قال.
صدق الله في وعده بيوم القيامة وعدم تخلف ميعاده أبدًا
يبقى إذن، طيب في المستقبل لما يقول [الله] إن هناك يوم قيامة، أيمكن أن يتبين أنه لا يوجد؟ يعني إنك لا تخلف الميعاد أبدًا.
في شك يعني في هذا اليوم أنه سيأتي أم لا يأتي، أو أن الله يرجع في كلامه؟ قال: لا ينفع، حاشا لله.
﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 95]
هكذا، قل هكذا: صدق الله. هكذا هو يقول لي، يقول لي: قل صدق الله، فأنا أقول هكذا: صدق الله.
يبقى "لا ريب فيه" أنك لا تخلف الميعاد.
الفرق بين إخلاف الوعد والوعيد عند الأشاعرة ورحمة الله بعباده
طيب، الله لا يخلف الميعاد، يبقى هل يخلف الوعيد؟ يعني عندما يقول [الله]: سأدخلك النار لو فعلت كذا فلا يدخلني؟ قال: والله يبقى من واسع كرمه، ويبقى هذا ليس خُلفًا، هذه رحمة؛ لأنه كان يستحق فعلًا أن يدخل النار، وبعد ذلك عندما تاب، عندما يشفع أحد فيه، عندما كذا، يعني أيضًا يجوز.
وبعض الأشاعرة قال: لا يخلف لا الوعد ولا الوعيد. الراجح عند الأشاعرة أنه لا يخلف الوعد، لكنه قد يخلف الوعيد رحمةً. الآخرون قالوا ماذا؟ قالوا: لا الوعد ولا الوعيد؛ فليس هناك شيء اسمه أنه يخلف وعيده أيضًا.
الرد على من يرفض الإسلام بسبب الخوف من النار والتحذير منها
الله إذن، والخلاف هذا ما الفائدة الآن يا أخي؟ بعض الناس يقول لك: أنا لا أريد أن أكون مسلمًا. لماذا؟ قال: بسبب قصة النار هذه. فنقول له: حسنًا، أو الأشاعرة يقولون إنه قد يخلف وعيده، أي يخرج الناس جميعًا من النار.
هل يوجد أحد يسأله [الله] عما يفعل؟ لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. لكن نحن نحذر ونقول: إن هناك نارًا، هناك نار، فاتقوا الله.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
