سورة آل عمران | حـ 362 | آية 13 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص معنى الآية القرآنية "قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة".
- •يوضح أسلوب الاحتباك البلاغي في الآية، وهو حذف ما يُفهم من السياق في كل جملة لدلالة الجملة الأخرى عليه.
- •أصل المعنى: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت.
- •حُذف وصف "مؤمنة" من الأولى لدلالة "كافرة" عليه، وحُذف "في سبيل الطاغوت" من الثانية لدلالة "في سبيل الله" عليه.
- •قوله "يرونهم مثليهم رأي العين" يعني أن كل فريق يرى الآخر ضعف عدده الحقيقي.
- •هذه الرؤية تحدث في الاستخبارات العسكرية وتقدير قوة العدو.
- •"والله يؤيد بنصره من يشاء" يبين أن النصر بيد الله يمنحه لمن يشاء.
- •"إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار" تعني أن في هذا درسًا لأصحاب البصائر السليمة.
تلاوة آية آل عمران الثالثة عشرة وبيان معنى الفئتين اللتين التقتا
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [آل عمران: 13]
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ [آل عمران: 13]
أي معجزة في فئتين التقتا، أي في جيشين أحدهما قوي والآخر ضعيف في العدد والعتاد، ولكن العكس موجود؛ فإن ذلك القوي البغي كافر، وإن ذلك القليل الضعيف مؤمن.
تعريف أسلوب الاحتباك البلاغي وبيان كيفية عمله في الجملتين
فربنا سبحانه وتعالى هنا صاغها بصيغة يسميها أهل البلاغة الاحتباك.
ما الاحتباك؟ الاحتباك هو جملتان في مقابل بعضهما البعض، وذُكر شيئًا هنا في الجملة الأولى، قُمتَ بحذفه من الجملة الثانية لأنها أصبحت معروفة، وذُكر شيئًا آخر هنا في الجملة الثانية فأحذفها من الجملة الأولى، فيحدث مثل الاحتباك. والاحتباك مثل الضفيرة، أي حبكتها [ضفرتها].
ما هو أصل الكلام؟ أصل الكلام: فئة مؤمنة (غير موجودة معي في النص) أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى — هذه الجملة الثانية — (كافرة) تقاتل في سبيل الطاغوت.
تطبيق أسلوب الاحتباك على آية آل عمران وبيان ما حُذف من كل جملة
فحُذف «مؤمنة» لدلالة «كافرة» التي في الجملة الثانية عليها، وحُذف «في سبيل الطاغوت» لأنه سبحانه وتعالى قال:
﴿فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 13]
فإذن الآخران [أي الفئة الأخرى] ليسوا في سبيل الله. أتدرك ذلك [أيها القارئ]؟ فهذا يسمونه الاحتباك، أن يُكتفى في كل جملة من الجملتين بدلالة ما ذُكر في الجملة الأخرى، أن يُكتفى في كل جملة من الجملتين بدلالة ما ذُكر في الجملة الأخرى.
حل الاحتباك وإرجاع الجملتين إلى أصلهما مع بيان إعجاز القرآن في الإيجاز
في كل معركة فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت.
فما أصبحت هذه الجملة حين استُخدم الاحتباك؟ فئة تقاتل في سبيل الله — أي مؤمنة — وأخرى كافرة، أي تقاتل في سبيل الطاغوت.
وعندما نريد أن نحل هذا الاحتباك، وعندما نرجع الاحتباك إلى أصله، تكون الجملتان هكذا: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت. فكان القرآن إيجازًا في إعجاز، فيقول لك:
﴿فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 13]
فورًا عرفتَ أنها هي المؤمنة.
﴿وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13]
فورًا عرفتَ أنها هي التي تقاتل في سبيل الطاغوت.
ما اسم هذا الأسلوب البلاغي إذن؟ اسمه الاحتباك.
تفسير رؤية المسلمين مثلي عدد العدو رأي العين وأثر ذلك في إرعاب الكفار
﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ﴾ [آل عمران: 13]
إذن النظرية نسبية؛ الجيش الذي يظهر للعدو عندما يرانا مثليهم — أي مرتين في العدد — فيخافوا. نحن مائة يروننا — سبحان الله — مائتين، نحن مائتان يروننا أربعمائة؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
برأي العين: يرونهم بأعينهم، هم تأكدوا بأعينهم من العدد أن هؤلاء ألف وهم يُقدَّرون بخمسمائة، أو أنهم يرونهم مثليهم، معناها ضعفهم، أي ضعف عددهم.
بيان كيفية مضاعفة الله لعدد المسلمين في أعين الكفار يوم المعركة
هم — أي المسلمون — ضعف عدد العدو. فيقول الكفار: نحن كم؟ جيش العدو [أي جيش الكفار] ألف، فينظروا هكذا ليجدوا المسلمين ألفين، والمسلمون في الأصل تجدهم مائة.
إذن ليس هنا يُضرب في اثنين [فقط]، هذا يُضرب في اثنين في عدد الكثيرين (أي عدد الكفار). إذا المسلمون ألف والكفار لك أعدوا جيشًا بثلاثين ألفًا، ينظرون هكذا يقولون: ما هذا؟! هؤلاء ستون ألفًا!
﴿يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 13]
أي مثل العدو، رأي العين، رأي العين، متأكدون تمام التأكد.
تأييد الله بنصره من يشاء وأن العبرة لأولي الأبصار والبصائر السليمة
وهذا الخلط الذي يحدث يحدث أيضًا في الاستخبارات؛ تخرج طائرة استطلاع، جواسيس، ويظهر لك كذا، وبعد ذلك لا يحدث شيء — خيبة.
فما الذي يحدث؟ هذا ربنا [سبحانه وتعالى] الذي يفعل، فإذا فعل ربنا بهذا الشكل فقد انتهى الأمر، هو ربنا فعله، حققوا مع ربنا إذن!
﴿وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 13]
هؤلاء ربنا يسلط أناسًا على أناس.
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [آل عمران: 13]
والأبصار هنا تعني أصحاب البصائر السليمة، والبصيرة هي عين القلب.
