سورة آل عمران | حـ 367 | آية 15 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •كلمة "قل" تكررت في القرآن أكثر من خمسمائة مرة، وهي أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، وموجهة لكل مؤمن يقرأ القرآن.
- •الأمر بالقول يعني نقل الدعوة لمن بعدنا بأسلوب حكيم وموعظة حسنة وبلغة مناسبة للمخاطبين.
- •قاعدة "الزيادة في المبنى زيادة في المعنى" تظهر في استخدام "ذلكم" بدل "ذلك" في القرآن.
- •الإنسان مجبول على تقديم الحاضر على الغائب، لذلك يميل للدنيا أكثر من الآخرة.
- •قوله تعالى "قل أؤنبئكم بخير من ذلكم" يشير إلى أن ما أعده الله للمتقين أفضل مما يتعلق به الناس في الدنيا.
- •التقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل.
- •للمتقين خمسة أمور في الآخرة: جنات متعددة، تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، أزواج مطهرة، ورضوان من الله.
- •هذه مقارنة بين حال الدنيا وحال الآخرة، لتعديل ميل الإنسان نحو الحاضر.
مقدمة الدرس وبيان تكرار كلمة قل في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿قُلْ﴾ [آل عمران: 15]
وكلمة «قل» قد تكررت كثيرًا في كتاب الله، أكثر من خمسمائة مرة، وهي بالأساس أمرٌ لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم بالتبليغ.
كلمة قل خطاب لكل مؤمن يقرأ القرآن بالتبليغ والدعوة
ولكن هذا الكتاب هداية وخطاب من الله للعالمين إلى يوم الدين، ولذلك كلمة «قل» وهي في أمرها الأول موجهة إلى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، أصبحت موجهة إلى كل مؤمن يقرأ [القرآن الكريم].
فأول ما تقرأ القرآن وبعد ذلك يقول لك «قل»، فأنت مكلف أن تقول، يقول لك أنت وكأنه نزل إليك، أي سُلِّم إليك [أمر التبليغ].
قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية»
«قل» فعل أمر، ومعناه أنك تنقل هذه الدعوة لمن بعدك، لمن خلفك، لمن وراءك.
شروط نقل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ومراعاة المخاطبين
والنقل [للدعوة] يجب أن يكون لافتًا للنظر؛ أي أن يكون بالحكمة، بالموعظة الحسنة، بالوضوح الكافي، بلغة القوم الذين تتكلم معهم، تراعي عقلهم وثقافتهم.
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15]
معنى اسم الإشارة ذلكم ودلالة زيادة الميم على التعظيم
طيب، «ذلك» عرفناها أنها تشير إلى البعيد، فإذا أشارت إلى القريب يبقى إذن فيها نوع من أنواع التعظيم الحقيقي أو الموهوم.
فما هو إذن «ذلكم»؟ ولماذا زيدت الميم؟
الزيادة في المبنى زيادة في المعنى، قاعدة هكذا يقولونها. أنت عندما تكون الكلمة مكونة من ثلاثة حروف وجعلتها أربعة أو خمسة أو ستة، إذن يبقى أنت تزيد المعنى.
فـ**«خرج»** غير «استخرج»، هذا فعل وخرج فعل أيضًا، لكن «استخرج» ستة أحرف و«خرج» ثلاثة فقط.
ما الفرق بين خرج واستخرج؟ يبقى زيادة في المعنى؛ كلما زاد المبنى زاد المعنى غالبًا؛ لأن هذه [القاعدة] لها شروط ثلاثة لن نقولها الآن، إنما غالبًا؛ لأنها ماذا؟ إذا فُقِد شرط من الشروط الثلاثة ألا تكون هكذا فتكون قليلة وزيادة في المعنى، وإنما غالبًا أغلب الكلمات هكذا.
دلالة ذلكم على تعظيم الحاضر في نفس الإنسان مقابل الغائب
فعندما يأتي [القرآن] ليقول لي «ذلكم» يجب أن تكون فيها زيادة في المعنى؛ لأن الزيادة في المعنى زيادة في المبنى، والزيادة في المبنى زيادة في المعنى.
فأين إذن الزيادة في المعنى هنا؟ هذه الأشياء [المذكورة من الشهوات] حاضرة، والموعود به [من نعيم الآخرة] غائب، والإنسان مجبول على تقديم الحاضر على الغائب.
مشكلة الإنسان أنه اشترى العاجلة وباع الآخرة، هو يريد الذي هو فيه، يقول لك: أحيني اليوم وأمتني غدًا.
موقف الإنسان بين متاع الدنيا الحاضر ونعيم الآخرة الغائب
فلما سمع الإنسان أنه:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ [آل عمران: 14]
إلى آخره [من أصناف المتاع]، وبعد ذلك قال له:
﴿ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]
قال: نعم صحيح، ذلك متاع الحياة الدنيا. وبعد ذلك قال:
﴿وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14]
قال: نعم، إذن أنا الآن بين أمرين: حاضر وغائب. أنا نفسي ومائل إلى الحاضر بعِظَم الحاضر؛ لأن الحاضر هو المحسوس، هو المعاش، هو الذي أنا فيه. والغائب لا أعرفه، فالغائب هذا سيأتي وإلا لن يأتي؟ فهل سينفع أم لن ينفع؟ وما قدره؟ وما علاقته بما أنا فيه الآن؟ إيمانك، أنا إيماني، ولكنني أقف هكذا على باب الله.
القرآن يزعزع تعظيم الدنيا في القلب ويعرض ما هو خير منها
فذهب [القرآن] وقال له: «ذلكم»، الذي عظمته كثيرًا في قلبك، يبقى يهزونه أيضًا، ها هم يزعزعونه.
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15]
الذي أنتم ما لم تكونوا راضين أن تتخلوا عنه وتتقوا الله فيه وتهذبوه في نفوسكم هكذا على مراد الله.
فـ**«ذلكم»** يبقى هنا [إشارة إلى تعظيم ما في القلب من حب الدنيا]. هذا الكتاب [القرآن الكريم] يناقش ماذا، ويخاطب من؟ الإنسان. والإنسان في قلبه يقدم الحاضر على الغائب، يعظم الحاضر على الغائب.
القرآن كلام من يعلم السر وأخفى يخاطب دواخل النفس البشرية
ولذلك فهو [القرآن] الذي يقول له «ذلكم»، هذا يكلم نفسه من الداخل. ما عرف محمد [صلى الله عليه وسلم] بالنفس من الداخل بهذا الشكل عليه الصلاة والسلام، هذا كلام من يعلم السر وأخفى [سبحانه وتعالى].
﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15]
الذي أنتم تطلبونه في قلوبكم كثيرًا هكذا.
معنى التقوى وبيان الفريق الملتزم والفريق المنفلت
للذين اتقوا.
ما هي التقوى؟ قال لك: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل.
إذن فيها ماذا؟ التزام. إذن نتحدث عن فريقين: فريق ملتزم وفريق منفلت. الملتزم هذا أصبح للذين اتقوا؛ يعني الذين التزموا بكلمة التقوى عند ربهم.
جزاء المتقين خمس نعم في الآخرة من جنات وأنهار وخلود وأزواج ورضوان
﴿جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [آل عمران: 15]
جنات وليس جنة واحدة، يقول [العلماء]: كل واحد من المؤمنين له أربع جنات وليس جنة واحدة.
جنات، حسنًا ما صفتها؟
- بأنها متعددة [جنات وليست جنة واحدة].
- إنها تجري من تحتها الأنهار.
- خالدين فيها [الخلود الأبدي].
- وأزواج مطهرة.
- ورضوان من الله.
﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 15]
فتبقى مقارنة بين حال الدنيا وحال الآخرة، نفصلها في لقاء قادم إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
