سورة آل عمران | حـ 370 | آية 17 - 18 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص آيات من سورة آل عمران تصف المؤمنين الذين يقولون "ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار".
- •الإيمان لا يقتصر على القول باللسان بل يمتزج بالقلب والأركان فيتصف المؤمن بالصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار.
- •الصادق هو من لا يكذب أبداً، فالمؤمن قد يقع في بعض المعاصي لكنه لا يكذب.
- •القانت هو المتصل بالله الذي خلا قلبه من القبيح.
- •المنفق هو من ينفق بلا خوف من الفقر ودون تردد.
- •المستغفر بالأسحار يغتنم ثلث الليل الأخير للدعاء والاستغفار.
- •هذه الصفات تحتاج إلى تربية ومناهج تعليمية تستوعب هذه المعاني وتحولها إلى منهج حياة.
- •الله سبحانه شهد بوحدانيته وجعل ملائكته والراسخين في العلم يشهدون بذلك.
- •الله قائم بالقسط (العدل) مما يوجب على العبد الرضا بقضائه والتسليم لأقداره.
- •علينا أن نسأل الله العافية، وإذا نزل البلاء طلبنا الصبر مع الرضا بقضاء الله.
افتتاح الدرس بالدعاء والتمهيد لتفسير آيات سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا وعلمنا مرادك من كتابك.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصف حال المؤمنين عندما يواجهون الأكوان، وعندما يواجهون غيرهم من بني الإنسان، وعندما يبلغون الدعوة عن الله سبحانه وتعالى، وعندما يعلمون مراد الله في القرآن:
دعاء المؤمنين بالإيمان والمغفرة والوقاية من عذاب النار
﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 16]
يعني كأنه [الله سبحانه وتعالى] يأمرنا أن نقول كذلك؛ بيّن حالهم ومآلهم، فأمرنا أمرًا ضمنيًّا أن ندعوه على هذه الهيئة.
وهذا الكلام الذي يُقال باللسان لا بد أن يمتزج به قولٌ وفعلٌ بالجنان [أي بالقلب]، وعملٌ بالأركان [أي بالجوارح].
صفات المؤمنين الخمس من الصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار
فقال بعدها:
﴿ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]
يبقى إذن ليست المسألة كلامًا فقط، بل هو إنسان فيه هذه الصفات [الخمس].
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
وَالصَّادِقِينَ، أيكذب المؤمن؟ قال [رسول الله ﷺ]: لا. أوله ماذا؟ قال: أيزني المؤمن؟ قال: نعم. أيسرق المؤمن؟ قال: نعم. أيكذب المؤمن؟ قال: لا.
معنى الصبر والصدق والقنوت والإنفاق في حياة المؤمن
حسنًا، لكي نصل إلى أن نكون من الصابرين عند نزول البلاء، الصابرين في الله، وحتى نكون من الصادقين فيوافق العلمُ العملَ والعملُ العلمَ، وحتى نكون من المتعلقين بقلوبهم مع الله والقانتين.
والقانت هو الداعي المتصل بالله، الذي خلا قلبه من القبيح وحلّاه بالصحيح.
والمنفقين، أنفق بلا "لا"، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا. من غير "لا"، يعني ما تقولش "لا"، مش بلال اللي هو سيدنا بلال، لا. أنفق بلا "لا" ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا.
فضل الاستغفار بالأسحار وأثره في فتح أبواب الدنيا والآخرة
﴿وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]
السَّحَر هو ثلث الليل الأخير، وفيه ساعة يستجيب الله لعباده الذين يسألونه.
[وفي الحديث القدسي]: «ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أحسن ما أُعطي السائلين»
فاشتغلوا في الأسحار بالاستغفار، ففتح الله عليهم الدنيا وطريق الآخرة.
كيف نصل إلى تفعيل القرآن من خلال التربية والمناهج والمؤسسية
كيف نصل إلى هذا [تحقيق صفات المؤمنين]؟ بالتربية، بمناهج التعليم. الواضعون لمناهج التعليم لا بد عليهم أن يستوعبوا هاتين الآيتين:
﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ * ٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْمُنفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 16-17]
يجب أن تبقى [هاتان الآيتان] في أذهانهم وهم يضعون المناهج التي تعلم الأطفال الصغار، والتي تعلم الشباب. يجب أن يتحول هذا إلى منهج؛ فهناك أشياء تتحول إلى مؤسسة، وأشياء تتحول إلى منهج، وأشياء تتحول إلى أسلوب حياة، وأشياء تتحول إلى قرار سياسي واقتصادي واجتماعي، وهكذا إلى آخره.
كيف نفعّل القرآن بهذا؟ بالمؤسسية، بالأسلوب، بالمنهج، وهكذا.
شهادة الله والملائكة وأولي العلم بالتوحيد والقيام بالقسط
﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]
جلّ جلال الله! قبل الخلق شهد [الله] بذلك، ولما خلق الملائكة أشهدهم على ذلك، والملائكة [شهدوا]، ولما خلق الإنسان عرف ذلك الراسخون في العلم.
﴿وَأُولُوا ٱلْعِلْمِ قَآئِمًا بِٱلْقِسْطِ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]
فالله سبحانه وتعالى شهد، وجعل ملائكته تشهد، وهدى الراسخين في العلم لتلك الشهادة. ثم أنه سبحانه وتعالى واحدٌ أحدٌ فردٌ صمدٌ، قائمٌ بالعدل فلا يُظلم عنده أحد.
معنى قائمًا بالقسط وضرورة الرضا بقدر الله في البلاء
ومعنى هذا أن الإنسانية كلها لا بد لها أن ترضى بمقدور الله وخلقه.
فما معنى ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾؟ معناه أنك يجب أن ترضى بالتصريح والتلميح. التصريح الخاص بها أنه سبحانه عادلٌ لا يُظلم عنده أحد. والتلميح الخاص بها أنك يجب أن ترضى؛ فإن أُصبت بشيء من بلاء الدنيا وهي من خلق الله، فعليك بالرضا، ولتعلم من غير تبرّم أنه خيرٌ لك، وأنك في حالة رضا مع الله.
حديث عيادة المريض ومعية الله عند عبده المبتلى
مريض؟ إذن ما رأيك أن ربنا عندك! يوم القيامة يقول [الله تعالى]: مرضتُ ولم تعُدني، يحقق مع واحد [من عباده]، فقال: كيف تمرض وأنت رب العالمين؟ قال: عبدي فلان [مرض] فلم تعُده، ولو عُدته لوجدتني عنده.
يا له من أمر! إن الإنسان لولا أننا قد نُهينا عن أن نتمنى البلاء لتمنّينا من هذا الوضع الحقيقي أن نمرض، ولكن رسول الله ﷺ نهانا عن ذلك وقال: لا تفعل ذلك.
النهي عن سؤال الصبر قبل نزول البلاء وسؤال الله العافية
حتى نهانا [رسول الله ﷺ] عن أن نسأل الصبر، وقال لرجل يقول: "اللهم أنزل عليّ صبرًا"، قال له: سألتَ البلاء! عندما ينزل البلاء اسأل الصبر، ما لم ينزل البلاء فليس ضروريًّا، قل: يا رب أنا ضعيف.
فنسأل [الله] الصحة والغنى والستر وكذا إلى آخره، ولكن في هذا الحال يدعوننا ربنا إلى الرضا.
﴿قَآئِمًا بِٱلْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18]
يعني أنا عادلٌ فيكم، وعلى ذلك يجب علينا أن نتأمل في ذلك.
﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
