سورة آل عمران | حـ 373 | آية 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 373 | آية 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يبين الله في سورة البقرة حقيقة أن الدين عند الله الإسلام، وأن سبب الاختلاف بين أهل الكتاب هو البغي بعد ما جاءهم العلم.
  • المسلمون عندما فتحوا البلدان لم يستعمروها أو ينهبوا ثرواتها أو يطردوا سكانها الأصليين.
  • انتشر الإسلام في مصر تدريجياً بالاقتناع لا بالإكراه، من نسبة ٥٪ بعد مائة سنة إلى ٩٤٪ بعد سبعمائة سنة.
  • ساهمت أحكام فقهية في انتشار الإسلام سلمياً: زواج المسلم بغير المسلمة، اتباع الأولاد لدين الأب، تعدد الزوجات.
  • لم يمارس المسلمون التمييز العنصري أو الاضطهاد، بل احتضنوا المطرودين كاليهود من الأندلس.
  • الإسلام كنظام مبني على العدل والعلم والحضارة والعمارة، وإن وجدت أخطاء فهي حوادث فردية لا تمثل النظام.
  • يجب علينا معرفة ديننا وتاريخنا وما يقوله القرآن حتى لا يلبس علينا أحد.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس بالبسملة والصلاة على النبي وبيان موضوع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يبيّن لنا الله سبحانه وتعالى حقيقةً عجيبةً غريبة؛ المتأمل في الأحداث من حولنا يرى أنها كانت سببًا خفيًّا ظاهرًا في نفس الوقت، يعرفه الراسخون في العلم ويُغبِّش عليه المُغبِّشون.

الصراع بين البشر وحقيقة أن الدين عند الله الإسلام وسبب الاختلاف هو البغي

في ذلك الصراع القائم بين البشر، والحقيقة البسيطة التي دعت الإنسان إلى أن يرجع إلى ربه وأن يستوعب قراءة التاريخ، تقول:

﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ وَمَا ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]

فإذن هناك بغي، هذا البغي هو الدافع للاختلاف.

أمة الإسلام لم تستعمر الأرض ولم تنهب ثرواتها بل ظلت الحجاز أفقر البلاد

ولذلك ترى أمة الإسلام لم تقم أبدًا باستعمار الأرض ونهب ثرواتها للحجاز، منبت الدعوة ومنشئها.

المسلمون عندما دخلوا العراق وإيران ومصر والشام وهنا وهناك، ما أخذوا الخيرات وذهبوا بها إلى الحجاز وتركوا الحجاز هذه مروجًا. وهكذا أبدًا، ظلت الحجاز أفقر بلاد الله حتى ظهر البترول وغيَّر الدنيا.

ما هذا؟ هل يعني أنهم لم يكونوا مستعمرين، فماذا فعلوا إذن؟ ربما ذهبوا وطردوا السكان الأصليين؟ أبدًا، فنحن في مصر أنا من السكان الأصليين لمصر، جاؤوا وأسلم السكان الأصليون طواعية.

انتشار الإسلام التدريجي في مصر عبر القرون دون إكراه بالأرقام والنسب

وبعد مائة سنة كان خمسة في المائة مسلمين وخمسة وتسعون غير مسلمين. بعد مائتين وخمسين سنة خمسة وعشرون في المائة مسلمون، خمسة وسبعون في المائة غير مسلمين.

بعد أربعمائة وخمسين سنة ثمانون في المائة مسلمون، عشرون في المائة غير مسلمين. بعد سبعمائة سنة أربعة وتسعون في المائة مسلمون، ستة في المائة غير مسلمين.

وهذا معناه ماذا؟ معناه أن الإسلام دخل في العائلة؛ دخل في العائلة: رجل مسلم تزوج فتاة غير مسلمة فأنجبا تسعة أطفال، فأصبح التسعة مسلمين.

أربعة أحكام فقهية أسهمت في نشر الإسلام سلميًا دون دم ولا إكراه

حرَّم الإسلام أن تتزوج المرأة المسلمة من غير المسلم، هذا رقم واحد. الأولاد الذين هم نتاج الزواج بين المسلم وغير المسلمة يصبحون مسلمين، هذا رقم اثنان. يجوز للرجل أن يتزوج عدة نساء، هذا رقم ثلاثة. ويجوز له أن يطلق، هذا رقم أربعة.

ما رأيك في الأحكام الفقهية الأربعة هذه؟ [هذه الأحكام] نشرت الإسلام من غير دم ولا إكراه.

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

ربنا لا يريد أن نصنع مجموعة من المنافقين؛ فلماذا يُسلم الواحد تحت وطأة السلاح؟

الإسلام لا يريد إسلامًا شكليًا تحت الإكراه بل يحذر من النفاق

قال لي [أحدهم]: فليقل لا إله إلا الله محمد رسول الله، والله وقلبه لا يبقى [مؤمنًا]! أنا عملتُ منافقًا. ما هو [الإسلام]؟ ما قال لي اعمل منافقًا، إنه يقول لي:

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]

يبقى إذا عمل [الإكراه] فينا ماذا؟ بعض الأحكام ظلوا يتهكمون علينا: أنتم تقولون تعدد الزوجات، أنتم تحلِّلون الطلاق، أنتم تعملون تسوُّون. حسنًا، أمرنا لله.

المسلمون لم يستعمروا ولم يميزوا عنصريًا ولم يبيدوا شعوبًا بل احتضنوا المطرودين

طيب ما رأيك؟ هذا الذي [انتشر فيه الإسلام] لم يُترك فيه دمًا، يبقى هذا ليس فيه استعمار.

فهل طردنا أحدًا قط؟ فهل ميَّزنا بين الأسود والأبيض قط؟ لم يحدث قط. لا تمييز عنصري ولا احتلال واستعمار ولا إبادة شعوب ولا شيء.

فهل هجَّرنا؟ هل طردنا الناس قط؟ الناس كان عندما جاء الأندلسيون وطردوا اليهود، جاؤوا إلينا، ذهبوا إلى البوسنة، ذهبوا إلى المغرب، جاؤوا إلى مصر، احتضناهم وأكرمناهم: أهلًا وسهلًا تعالوا كلوا معنا واشربوا واستظلوا.

حقيقة المسلمين الطيبين وحضارتهم المبنية على العدل لا على الظلم

إذن المسلمون هؤلاء أناس طيبون، هذه هي الحقيقة. هكذا، ما اسم الذي قتلناه؟ وما اسم الذي اضطهدناه؟ وما اسم الذي... أين الخطأ الذي في التاريخ الذي ارتكبه المسلمون؟

فلماذا؟ لأن حضارتهم بُنيت على العدل لا على الظلم.

حسنًا، وإذا أراد أحدهم أن يحارب الإسلام فماذا يقول؟ لا، بُنيت على الظلم! ويأتي بحوادث وأحداث. لا يتحدث عن الفكر، لا يتحدث عن النظام، لا يتحدث عن الأصول، بل يتحدث عن حوادث.

الفرق بين الحوادث الفردية والنظام الإسلامي المبني على العدل والعلم والحضارة

هذا مثل أن يكون أحدهم يمشي في الشارع فيضربون أحدًا في الشارع، يحدث نعم، ولكن هذه حوادث. لكن ليس النظام [الإسلامي]؛ [فالنظام] مبني على العدل ومبني على العلم ومبني على الحضارة ومبني على العمارة. النظام هكذا مبني، هكذا ما بُني على أضداد هذه الأشياء.

حسنًا والحوادث؟ نعم توجد حوادث، نعم لا بد أن تكون هناك حوادث: حدث فيها أن حاكمًا ظلم، حدث فيها أن قاضيًا ارتشى، حدث فيها أن شرطيًّا أمسك شيئًا وسرقها. عبر التاريخ يحدث أن الإنسان يخطئ،

«كل ابن آدم خطَّاء»

النظام يقول له ماذا إذن؟ أنت شجاع يا شرطي يا سارق، ويا قاضي يا مرتشي، ويا حاكم يا ظالم؟ لا! هذا [النظام] يقول له: ويل لك في الدنيا والآخرة. هذا النظام يقول له: اتق الله، يقول له: تُب إلى الله. وهكذا، ففي فرق بين الحوادث وبين النظام.

فهم المسلمين الأوائل لمنهج العدل والعلم والحضارة بعيدًا عن البغي

قال [الله] ماذا؟ ولذلك فهم المسلمون الأوائل هذا الكلام: بغيًا بينهم. قالوا: لا، نحن لا نريد بغيًا بيننا. نحن سنعمل ماذا؟ العدل. ونعمل ماذا؟ العلم. ونعمل ماذا؟ الحضارة. ونعمل ماذا؟ العمارة. وساروا على هكذا.

فليتركوا من هذا من التأصيل الرباني ومن حركة التاريخ الناطقة كالشمس، ويُمسكوا لك بالأحداث [الفردية]!

وجوب معرفة الدين والتاريخ وعدم السماح بتلبيس الدين والرجوع إلى الله

إذن علينا أن ننتبه ونعرف ديننا ونعرف تاريخنا ونعرف ما الذي يقوله القرآن، ولا يلبس علينا أحد ديننا.

﴿وَمَن يَكْفُرْ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19]

قال: ومن يكفر بآيات الله فقطعوه قطعًا؟ أبدًا! قال:

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19]

نرجعها لله سبحانه وتعالى، إليه نرجع فينبئنا بما كنا فيه نختلف، فينبئنا بما كنا نعمل، فيحكم بيننا بالحق والعدل.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.