سورة آل عمران | حـ 375 | آية 21 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 375 | آية 21 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تحذر الآية في سورة آل عمران من الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الآمرين بالقسط، وتبشرهم بعذاب أليم.
  • استخدام كلمة "فبشرهم" للعذاب هنا جاء للتنبيه ومخالفة التوقع، حيث البشرى عادة تكون للخير.
  • قتل النبيين يشمل القتل الحسي كما حدث قبل الإسلام، والقتل المعنوي بإهانتهم والسخرية منهم والكذب عليهم.
  • الآمرون بالقسط هم أتباع الأنبياء والمبلغون عن دعوتهم، وقتلهم من كبائر الذنوب.
  • مفهوم الجهاد في الإسلام واسع وليس مقصوراً على القتال؛ فكلمة الحق عند سلطان جائر جهاد، وتربية النفس ومنعها من العدوان جهاد أيضاً.
  • النصيحة تختلف عن الفضيحة، ولها شروط منها أن يكون الناصح مؤهلاً، أما المتكلم بغير علم فهو كالخوارج الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم.
  • الناصح الحقيقي من الآمرين بالقسط ومن قتله يستحق العذاب الأليم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

تفسير آية سورة آل عمران في وعيد الكافرين بآيات الله وقاتلي الأنبياء

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21]

أولًا: يكفرون بآيات الله، ثانيًا: ويقتلون النبيين بغير حق، ثالثًا: ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، فبشرهم بعذاب أليم.

معنى استخدام كلمة البشرى في سياق الوعيد والعذاب الأليم

فبشرهم لكي ينتبهوا، نحن أقوياء، أليس كذلك؟ لأننا أقوياء، نحن أقوياء. قال: لا، بعذاب أليم.

فكلمة «فبشرهم» — البشرى تُستعمل عادةً للخير — ليس هناك وعيد [مباشر]، يعني فبشرهم، يقول له: نعم، آه أنا شجاع! قال له: لا، أنت لست شجاعًا، أنت لك عذاب أليم.

فبشرهم بعذاب أليم، كي ينتبه [الكافر]، بدلًا من لو قال له [بصيغة التهديد المباشر]، يعني هناك تهديد، يقول له: بلا تهديد بلا خلاف، ما أنا لست مؤمنًا من البداية! أي فلكي يجذبه [إلى الانتباه]، قوم يقول لهم ماذا؟ فبشرهم، ويقول لهم: نعم، ها فبشرهم، أنا شجاع، أنا! قالوا: لا، بعذاب أليم.

معنى الكفر بآيات الله وسد باب الإيمان على النفس

حسنًا، وهؤلاء يفعلون ماذا؟

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 21]

يبقى إذن ماذا؟ والآية معناها في اللغة: المعجزة اللافتة للنظر، سواء كانت متلوة أو كانت حسية مرئية، يكفر بها ولا يريد أن يصدق بها.

وفي النهاية يسد باب الإيمان على نفسه ويغلق الباب على نفسه، وبهذا الشكل لا يصل إلى الله، وبهذا الشكل لا يكون منور القلب، ليس هناك استنارة، فهو ليس مستنيرًا ولا غير ذلك.

تسمية الملحدين إلحادهم استنارة وتلبيسهم على الناس

ولذلك بعض الملحدين عندما رأوا أن الله سبحانه وتعالى في كل كتبه — في التوراة والإنجيل والقرآن — يتحدث عن معنى الإيمان، قوم ذهبوا فأطلقوا على إلحادهم «استنارة».

أي يقولون له: نحن، أنتم تظنون أننا في الظلام، لا بل نحن في النور! أي نور هذا؟ نور أسود! أي نور هذا؟

وأطلقوا على الشيطان «حامل النور»، إنه تلبيس [على الناس]، يردون على ربنا، يجاهرون الله بالمعصية وبالكفر.

رفض الكافرين للوحي والنبوة ورغبتهم في العبث بلا حساب

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 21]

حسنًا، يصعب عليهم أن يكون هناك وحي [من الله]، يقول لك: لا مانع من أن يكون هناك رب، ولكن لا علاقة له بنا، حتى يمضي ويعبث هكذا في الحياة الدنيا ويفسد في الأرض.

فعندما يأتيهم نبي ويقول لهم: لا، إن هناك ربًا ودليل وجود وكذا، ويكشفه أمام نفسه، فيقتله! اسكت! يُسكت صوت الحق. هذه هي الصفة الثانية [في الآية الكريمة].

قتل الأنبياء الحسي والمعنوي بالإهانة والتكذيب والسخرية

حسنًا، هذا الذي جاءه نبي، ولكن بعد سيدنا رسول الله ﷺ لا توجد نبوة. قالوا: نعم، يقتلون الأنبياء بمعصيتهم والكفر بهم وبإهانتهم، يشتمون الأنبياء ويصفونهم بصفات ليست فيهم ويكذبون عليهم. هذا قتل معنوي للأنبياء.

فيكون قتل الأنبياء منه قتل حسي وقد كان قبل الإسلام، ومنه قتل معنوي وهو قائم إلى يوم الدين. يبقى في ناس حتى الآن يقتلون الأنبياء، ولكن ليس قتلًا حسيًا، قتل بإهانتهم، بالسخرية منهم، بالكفر، بالتكذيب، بالكذب عليهم، وهكذا.

الرد على من يحصر قتل الأنبياء في القتل الحسي فقط دون المعنوي

﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 21]

الذي هم يفعلونه هذا ضد الحق. واحد متمسك في عقله أن النبي يجب [أن] يكون قتله — يعني نبيًا يعني يجب أن نقتل نبيًا — يعني ليس كما أقول الآن إنه قتل النبي قد يكون معنويًا وقد يكون حسيًا، قال: لا، هو حسي فقط!

قوم ربنا لكي ينبه أيضًا هذا النوع من الناس الذي لا يريد أن يفهم المعنى الواسع، قوم ذهب، قال ماذا بعدها؟

﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِٱلْقِسْطِ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 21]

الذين هم أتباع الأنبياء، الذين هم هؤلاء هم المبلغون عن الأنبياء.

مفهوم الجهاد الواسع في الإسلام بين القتال وكلمة الحق وتربية النفس

ولذلك مفهوم الجهاد في الإسلام مفهوم واسع، ليس مقصورًا على القتال في سبيل الله. القتال في سبيل الله جهاد، ولكن كلمة حق عند سلطان جائر جهاد أيضًا.

تربية النفس ومنعها من المعصية ومنعها من العدوان والطغيان جهاد. يبقى إذن الجهاد له مفهوم واسع؛ منه القتال في سبيل الله.

قاتل في سبيل الله واستشهد فدخل الجنة، أو انتصر فعاد إلى وطنه، لا يعمل بلطجيًا بعد ذلك؛ لأن المقاتل في سبيل الله تجده قويًا وعنده حمية وجرأة وشجاعة.

العودة من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس

وانتهى الأمر، فماذا يفعل؟ القتال على جيرانه وعلى أهله؟ قال له: لا، اضبط نفسك.

رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو الجهاد النفسي. وكلمة الحق — كلمة الحق النصيحة عند سلطان جائر — أيضًا جهاد؛ لأنه من الممكن أن يعاقبه السلطان الجائر أو يقتله.

الفرق بين النصيحة الحقيقية وتنصيب الجاهل نفسه ناصحًا بلا علم

ولكن عندما تكون نصيحة [حقيقية]، قم الآن، الناس لا تفرق بين النصيحة [والتعيير]. النبي ﷺ قال:

قال رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة»، قالوا: لمن؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»

قوم يأتي واحد حديث السن سفيه الحلم ويظن أنه كلما تكلم بالكلام هكذا فإن هذا كلمة حق عند سلطان جائر، وهو لا يعرف الواقع ولا يعرف الدين ولا الدنيا، وبالرغم من ذلك جالس ينصب نفسه منزلة الواعظ الناصح وهو ليس كذلك.

تحذير النبي من الخوارج وشروط النصيحة عند ابن رجب

هؤلاء الذين حذرنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما النصيحة فلها شروط؛ ابن رجب [الحنبلي] يقول: الفرق بين النصيحة والتعيير، يذكر في كتابه، يقول: ما شروط النصيحة؟ أن تكون أنت ناصحًا.

هذا الفتى، قال ماذا؟ رسول الله ﷺ قال: نعم،

قال رسول الله ﷺ: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، تحتقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم، من قتلهم كان أولى بالله منهم، أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم»

آه، هؤلاء خوارج إذن.

الناصح الحقيقي من الآمرين بالقسط وقاتله مبشر بعذاب أليم

أما الناصح [الحقيقي] فهذا يُعد من الذين يأمرون بالقسط من الناس، وقاتله يُبشر بعذاب أليم.

وهكذا تستقيم المجتمعات. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.