سورة آل عمران | حـ 376 | آية 22 - 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه اللهم اشرح صدورنا وافتح علينا فتوح العارفين بك مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أن تكلم عن هذا الصنف من الناس "إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ" [آل عمران:21] فبشرهم ربنا بعذاب أليم يقول بعدها "أولئك" [آل عمران:22] أي يشير إلى هذا الصنف من الناس "أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" [آل عمران:22]، حبطت أعمالهم ماذا تقتضي هذه الكلمة؟ تقتضي أولا أن لهم أعمالا
نافعة أي هؤلاء الناس عملوا شيئا (بنوا، شيدوا) فعملوا شيئا وليس كل ما فعلوه فاسد، لا بل لهم أعمال ولكن هذه الأعمال في ظل الكفر الذي كفروا به وفي ظل الظلم الذي ظلموا به وفي ظل الطغيان الذي طغوا به لا قيمة لها عند الله، فتبقى إذن لا قيمة لها عند الله، فهذه الاعمال كان يُمكن أن يكون لها قيمة لو كانوا آمنوا، لكان الله يحسب لهم كل هذا الثواب الذي عملوه، فقد عملوا أشياء جيدة كثيرة، لكن
هذا الحلو أفسدوه، كمن ذهب ليتوضأ فاغتسل وتطيب ولبس أحسن ما عنده، ثم بعد ذلك نقض وضوءه وخرجت منه ريح، أيستطيع أن يصلي؟ لا يستطيع أن يصلي، لماذا؟ لأنه أفسد عمله، العمل الذي عمله أفسده مثل شخص يذهب ليحلب البقر وبعد أن نزل الحليب قام بغسل السطل [السطل هو الإناء أو الدلو] ولبس القفازات ونظف الاناء وفعل كل ذلك بشكل صحيح، وما شاء الله نزل اللبن والحمد لله وبعد ذلك وضع في الإناء قليلا من التراب فجعلها طينا بهذا الشكل ولكن حلبه للبن واغتساله وتطهيره وتنظيفه أمر
طيب حسنا، أولئك الذين حبطت أعمالهم يبقى لهم أعمال لكن أعمالهم في ظل كفرهم وطغيانهم فسدت، ومن الذي أفسدها؟ "وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا" [الكهف:49]، الذي أفسدها هو نفسه "وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" [البقرة: 57]، هو من تلقاء نفسه الذي أفسده، "أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ" [آل عمران: 22]، حسنا، فيمكن حبطت أعمالهم في الآخرة فقط، قال في الدنيا والآخرة تأتي لتحلل الأعمال فتجدها أنها لم تنفع البشرية وأنها
اختلطت مع بعضها البعض، تتأمل هكذا فتقول سبحان الله هذا مشروع كان سيسير بشكل جميل، ما الذي أفسده هكذا؟ الله لم يبارك فيه، "أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ" [آل عمران: 22]، ليس لهم تأثير واسع كتأثير الصالحين، ومن أجل ذلك "تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ" [الحشر: 14]، وينقض كل جيل يأتي ما فعل الجيل الأول ويتفلت منه "أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ" [آل عمران: 22].
قال تعالى "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ" [آل عمران: 23]، "أَلَمْ تَرَ" ذكرناها من قبل ماذا تعني؟ أخبرني تركيب معناه "أخبرني" مثلما كما نقول نحن كذلك في العامية "وخد لي بالك" [أي انتبه لي]، وخد لي بالك من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، ألست منتبها أم ماذا؟ "أَلَمْ تَرَ" هي صيغة سؤال، "أَلَمْ تَرَ" أي أخبرني عندما تذهب لتراجع في القواميس ماذا يقول لك "أَلَمْ تَرَ"
تعني أخبرني، حسنا، وبالعامية إذن، العامية نقول فيها ماذا؟ يقول، "مش واخد لي بالك" أي أسألك "ومش واخد لي بالك"، ماذا تعني؟ أي ركز معي أي التفت وتنبه أي اجعل عقلك معي وأذنك معي انتبه، "تنبيه"، "أَلَمْ تَرَ" ألا تنتبه أنت إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، ألا تنتبه إلي هؤلاء أم ماذا؟ حسنا، "أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ"، إذن عرفوا شيئا وغابت عنهم أشياء، ليس معنى ذلك أنهم من الراسخين في العلم. والراسخ في العلم، العلم
يخدم بعضه بعضا، فعندما يصل إلى مرتبة الراسخ في العلم تنكشف له الحقائق وحينئذ لا يكون قد أوتي نصيبا من الكتاب، ما هو الذي يؤتى نصيبا من الكتاب هذا متعب، يقول لك أنصاف المثقفين أي عرف شيئا وغابت عنه أشياء، "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ" [آل عمران: 23]، إذن ليس راسخا في العلم، إذن سيتعبني هذا الشخص. "يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ" [آل عمران: 23] حيث هناك جزء لا يعرفونه ولا يفهمونه "ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ" [آل عمران: 23]، فهو يعرف النصيب الخاص به فقط، فيقول لك: وأنا ما الذي يأخذني إلى الكتاب كله هذا ليس لي شأن به فيبقى هذا يفعل ماذا؟ يتبع هواه "أنا فقط المحق", ولكن الكتاب ضدك
يقول لا شأن لي، هاتان الكلمتان اللتان عرفتهما، أنا مصمم عليهما، اذن هذا يكون هواه، "أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ" [الجاثية: ٢٣]، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته