سورة آل عمران | حـ 390 | 33 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الله اصطفى آدم أبا البشر، ونوحاً الذي أُرسل إلى العالمين، وآل إبراهيم الذين كثرت فيهم النبوة.
- •إبراهيم أنجب إسحاق وإسماعيل، وإسحاق أنجب يعقوب، ويعقوب أنجب يوسف، وكلهم أنبياء.
- •يوسف هو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، أي ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
- •في الصلاة الإبراهيمية، نصلي على محمد وآله كما صلينا على إبراهيم وآله، وهذا تشبيه مجموع بمجموع.
- •اختصاص آل البيت بالصلاة يدل على علو شأنهم عند الله.
- •محمد ﷺ سيد الخلق وإمام المرسلين في الدنيا والآخرة، أمَّ الأنبياء في بيت المقدس ليلة الإسراء.
- •يوم القيامة سيشفع النبي ﷺ للخلائق بعدما يعتذر الأنبياء الآخرون، فيختصر الله يوم القيامة من ألف سنة إلى خمسمائة سنة.
- •النبي ﷺ رحمة للعالمين جميعاً، للذين قبله وبعده، وللذين رأوه ولم يروه، وللذين آمنوا ولم يؤمنوا.
مقدمة الدرس وبيان موضوع الاصطفاء في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقصّ لنا قصص الأولين، وقد جعل لنا فيها عبرة وجعل لنا فيها هداية:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
يعني قلّد الهدى [الذي كان عليه الأنبياء السابقون].
معنى اصطفاء الله لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران
يقول [الله تعالى]:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: 33]
ويأتي بها من البداية ليوضح فكرة الاصطفاء. هؤلاء هم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، هؤلاء هم الطائفة النخبة الصفوة التي يدعو الإنسان أن يُحشر معها؛ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
هؤلاء هم - إن الله اصطفى آدم - وهذا [آدم عليه السلام] أبو البشر، وقصته قصة وجود البشر هنا في الأرض.
اصطفاء نوح عليه السلام وإرساله إلى العالمين بعد الطوفان
ونوحًا من أولي العزم من الرسل، جاء فأرسله الله إلى العالمين؛ لأنه لما قال [لابنه]:
﴿يَـٰبُنَىَّ ٱرْكَب مَّعَنَا﴾ [هود: 42]
وبعد ذلك هلكت الدنيا [بالطوفان] وما إلى آخره، فالقوم الذين معه هم كل من على الأرض، فأُرسل إلى العالمين. آدم [عليه السلام] أُرسل إلى العالمين لأن أولاده هم العالمين الذين موجودون. نوح [عليه السلام] بعد الغرق يبقى أُرسل إلى العالمين.
آل إبراهيم وكثرة النبوة فيهم من إسحاق إلى يوسف
طيب، وآل إبراهيم، آل إبراهيم الأنبياء. إبراهيم [عليه السلام] أنجب إسحاق وأنجب إسماعيل، إسحاق أنجب يعقوب، يعقوب أنجب يوسف، كلهم أنبياء.
قالوا: أتدرون من الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم؟ قال: هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. فآل إبراهيم كثرت فيهم النبوة.
معنى الصلاة الإبراهيمية والتشبيه بين آل محمد وآل إبراهيم
ولذلك ونحن نصلي في التحيات نصلي على سيدنا محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.
حسنًا، هذا سيدنا محمد أعلى من إبراهيم؟ هذا سيد الخلق! قال: لا، هذا تشبيه مجموع بمجموع؛ صلاة محمد مع آله - وليس فيه [أي في آله] النبي لأن النبي ﷺ قد ختم النبوة - يا رب اجعلها مثل صلاة إبراهيم مع آله.
ليست أفرادًا بأفراد، ليس محمد يُجعل مثل إبراهيم، وقال محمد يُجعل مثل آل إبراهيم، لا؛ لأنه محمد مع إبراهيم لا يصح، هذا يكون يصلي على إبراهيم كما صلى على محمد.
دلالة الصلاة الإبراهيمية على علو قدر آل البيت الكرام
ولكن محمد في وسط أهله هكذا مع بعضهم، يا رب صلِّ عليهم مثلما صليت على إبراهيم مع أهله جميعهم. آل إبراهيم أنبياء، آل محمد ليسوا أنبياء، فصلِّ على الذين ليسوا أنبياء مثلما صليت على الأنبياء.
وهذا يدل على ماذا؟ على علو قدر آل البيت الكرام.
لماذا قال ذلك؟ لأنه قد خصّ الصلاة بهم، يعني هذه الصلاة تكون خاصة بسيدنا محمد أم لا؟ المقصود سيدنا محمد، هذا المقصود، آل سيدنا محمد، هذا المقصود، آل سيدنا محمد. حسنًا، اختصاصهم بالصلاة يعني علو شأنهم عند الله.
مكانة سيدنا محمد كسيد الخلق وإمام المرسلين في الدنيا والآخرة
حسنًا، وسيدنا محمد، سيدنا محمد خارج عن المنافسة، هذا شيء آخر، هذا شيء كبير جدًا هذا، هذا سيد الخلق، هذا إمام المرسلين في الدنيا والآخرة.
في الدنيا في الإسراء أمّ الرسل الكرام في بيت المقدس، وفي الآخرة هو إمام المرسلين يلجأ إليه الخلق أجمعين من أجل تقصير يوم القيامة، فيصدق فيه أنه رحمة للعالمين:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
أهوال يوم القيامة والوقوف ألف سنة ومحاسبة كل كلمة
سيذهب الخلق [إلى الأنبياء يطلبون الشفاعة] حيث إن يوم القيامة ألف سنة، ستقف على رجليك. كيف ستشعر بألف سنة؟
لماذا قال لك ستقف؟ كم سنة لديك؟ متّ وأنت عندك كم سنة؟ سبعين، ثمانين، تسعين، مائة! سيوقفك ويناقشك ويعرض فيلمك [أي سجل أعمالك].
يقول لك: تعال تفرّج، أنت في هذا الموقف ماذا فعلت؟ تقول له: هذا الموقف، أنا اغتبت فلانًا. يقول لك: لماذا اغتبته؟ تقول له: لأنه أغاظني. يقول لك: لماذا لم تكتم الغيظ؟ تقول له: أصلًا أنا الغيظ لم أستطع [كتمانه]. حسنًا ولماذا عصيت ربنا وكتبته؟
حسنًا، هذا جميل، طوال الوقت انتبه أن كل هذا، كل كلمة سنُحاسب عليها، كل كلمة سنقف عندها مدة.
تصوير مشهد الوقوف يوم القيامة وعدم وجود موت فيه
حسنًا، أنت مائة سنة ستنتهي، المائة سنة ستنقضي في كم من الوقت؟ فالخلق سيتعب وأرجلهم ستتعب.
تخيل أنك هنا في الدنيا منذ سنوات الدنيا وأنت واقف طوال عمرك، لكن حسنًا، أنت تكاد تموت من التعب. لم يعد هناك موت في هذه الأيام [أي يوم القيامة]، يوم القيامة لا يوجد موت، فأنت واقف هكذا ومعلق بين السماء والأرض، الله!
حسنًا، وماذا بعد؟ قال: هذا في حد ذاته أمر رهيب، ستملّ الخلائق.
شفاعة النبي محمد العظمى واختصار يوم القيامة رحمة للعالمين
فيذهبون إلى سيدنا نوح فيعتذر، يروحوا لسيدنا إبراهيم فيعتذر، يروحوا لسيدنا موسى فيعتذر، ثم يذهبون إلى سيدنا عيسى فيقول لهم: لا، عليكم بي أنا سأقدم لكم شيئًا جميلًا وحسنًا، اذهبوا إلى محمد.
فيذهبون إلى سيدنا محمد، فيسجد تحت العرش، فيلهمه الله بمحامد لم يلهمها لأحد من قبل، حتى يقول [الله تعالى]: يا محمد ارفع وقل تُسمع، واشفع تُشفّع، فيشفع في الخلق فيختصر الله اليوم بدلًا من ألف سنة إلى خمسمائة لأجل من؟ سيدنا النبي ﷺ.
النبي محمد رحمة للعالمين جميعًا من آمن ومن لم يؤمن
فهو سيدنا النبي ﷺ أُرسل رحمةً لكل هؤلاء الخلق، سواء الذين قبله والذين بعده، والذين رأوه والذين لم يروه، والذين آمنوا والذين لم يؤمنوا. هذا هو سيدنا محمد ﷺ.
فيقول لنا هنا أن:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمْرَٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]
إذن نحن توقفنا عند آل إبراهيم وسنكمل في لقاء آخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
