سورة آل عمران | حـ 393 | 36-38 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 393 | 36-38 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يحكي القرآن في سورة آل عمران قصة امرأة عمران التي نذرت ما في بطنها لله، فلما وضعتها وجدتها أنثى فقالت: "ربي إني وضعتها أنثى".
  • قولها "وليس الذكر كالأنثى" كان في سياق اعتذارها عن النذر وحيرتها، وليس للتقليل من شأن الأنثى.
  • سمتها مريم وأعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم، فاستجاب الله لها.
  • تقبلها الله بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً، وكفلها زكريا الذي كان يجد عندها رزقاً كلما دخل عليها المحراب.
  • عندما سألها زكريا: "أنى لك هذا؟" أجابت: "هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب".
  • ربطت مريم المعجزة بالتواضع والعقيدة، فنسبت الرزق إلى الله وليس إلى تقواها.
  • هذه المعجزة لفتت نظر النبي زكريا ودفعته للدعاء.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تلاوة قصة امرأة عمران جدة السيد المسيح من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله، وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقصّ لنا قصة امرأة عمران، جدة السيد المسيح وأم مريم عليها السلام.

قول امرأة عمران إني وضعتها أنثى ومحاولة الخروج من النذر

يقول [الله تعالى حكايةً عن امرأة عمران]:

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 36]

لمّا جاءت تضع الحمل وجدتها بنتًا، فلمّا وضعتها قالت: ربّ إني وضعتها أنثى. صدر منها [هذا القول] حتى تخرج من نذرها؛ يعني أنا كنت أظنّها ولدًا وأقول لك ربّ أنا سأهب لك ما في بطني، والله لكن أنا قلت ما في بطني ولم أقل ولدًا ولا بنتًا.

إني وضعتها أنثى، هل هذا كلام تريد به أن تخرج من النذر، أم أن تتحيّر فماذا أفعل؟ إني وضعتها أنثى.

معنى قوله تعالى والله أعلم بما وضعت وغرض امرأة عمران من كلامها

﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36]

يعني هي لا تُخبر الله؛ والله أعلم بما وضعت. هذا يعني أن ربنا يعرف أنها وضعتها أنثى، فهو الذي خلقها، فليس محتاجًا منها أن تقول ذلك. فهي تقول هكذا لغرض آخر.

[يريد الله سبحانه وتعالى] أن يقول هكذا: إنها تقول ذلك لغرض آخر، وهو التبرؤ من عجزها عن الوفاء بالنذر.

﴿إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: 36]

معنى وليس الذكر كالأنثى في سياق كلام امرأة عمران لا تفضيل الذكر مطلقًا

﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 36]

هذا الكلام الخاص بامرأة عمران تقول: يعني الذكر ليس كالأنثى؛ الذكر سيعرف كيف يجلس خارجًا، يجلس في أي مكان، ينظّف المسجد، يخدم الناس. الأنثى أين أضعها؟

﴿وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 36]

فيأتي إليك أحد ويقول لك: وليس الذكر كالأنثى، أي كأنه يُعلي من شأن الذكر ويحطّ من شأن الأنثى. [لكن هذا] كلام امرأة عمران في سياق وسباق [معيّن].

وليس الذكر كالأنثى هذا ليس يعني أن ربنا الذي يقول لنا إنه ليس الذكر كالأنثى يريد عُلوّ الذكر وإهانة الأنثى. هذا كلام غير صحيح، هذا كلام قالته امرأة عمران تريد أن تعتذر لربها عن النذر الذي نذرته.

دعاء امرأة عمران بإعاذة مريم وذريتها من الشيطان واستجابة الله لها

﴿وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: 36]

فاستجاب الله لها، فأعاذها هي وذريتها من الشيطان الرجيم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود إلا نخسه الشيطان إلا عيسى»

فإنه عندما وُلد لم يستهلّ صارخًا، أي لم يصرخ مثل الأطفال؛ لأن الأطفال يصرخون لسبب ما، وهناك أمر يحدث، ولكن لم يحدث هذا الأمر مع سيدنا عيسى [عليه السلام].

تقبّل الله لمريم وتربيتها على يد نبي الله زكريا عليه السلام

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: 37]

فهو [سبحانه] الذي خلقها وهو منه وإليه، بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا؛ ربّاها تربية حسنة. وكفّلها زكريا، نبيّ من الأنبياء.

تخيّل عندما يربّيك نبيّ! تخيّل عندما يربّيك نبيّ؛ كله صحيح، كل المعلومات التي تخصّك صحيحة. وماذا يربّيها؟ منذ الصغر وهي في المهد. تخيّل أن نبيًّا يربّيك، فإنك نشأت في بيت النبوة مع الصلاح، فذلك شيء آخر.

دخول زكريا المحراب ووجود الرزق عند مريم وتفسير كلمة رزقًا في القرآن

وكفّلها زكريا، فكان كفيلها زكريا.

﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37]

كلّما تفيد التكرار؛ كلّما يدخل المحراب، والمحراب هذا يعني شيئًا مثل غرفة يعتزل فيها للذكر، يدخل فيجد عندها طعامًا.

انظر ماذا يقول القرآن: رزقًا. قوم في التفسير يقولون لك: فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. هذا في التفسير، لكن الله لم يقل ذلك. الله قال رزق؛ يعني يمكن أن يكون طعامًا، يمكن أن يكون شرابًا، يمكن أن يكون عسلًا، يمكن أن يكون فواكه، فاكهة الصيف في الصيف، فاكهة الشتاء في الشتاء.

إعجاز القرآن في استخدام كلمة رزقًا وعدم تحديد التفاصيل لتبقى معجزة

سبحان الله، رزق! انظر ما حلاوة القرآن أنه يسير في الواسع، لا يأتي ليقول لك تفاصيل هكذا ثم تتعارض هذه التفاصيل. أشياء رزق، لم يقل فاكهة حتى.

وبعد ذلك حتى الآن نحن ليس لدينا شيء يعني مثل آثار أو شيء من هذا القبيل، ولكن ربما في الأيام السابقة نقوم [بالاكتشاف]، فيبقى القرآن معجزًا ونقول سبحان الله. انظر ربنا قال رزقًا، لم يقل فاكهة، قال رزقًا لم يقل طعامًا، قال رزقًا لم يقل شرابًا.

هذه هي رزق تسير معنا الآن هكذا، ولكن ما رأيك أن تكون هذه الكلمة معجزة في يوم من الأيام؟ هذا إعجاز القرآن أنه لا تنتهي عجائبه كما أخبر عنه سيد الخلق ﷺ، ولا يبلى من كثرة الترديد، فهو دائمًا يعطينا أشياء غريبة عجيبة.

سؤال زكريا لمريم عن مصدر الرزق وجوابها بأنه من عند الله

حسنًا، فتقبّلها ربها.

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ [آل عمران: 37]

إن الله [يعلم أن] هذا الباب مغلق ونحن خارج، من أين جاءك هذا الرزق؟

﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 37]

نعم، إننا نعمل في معجزات حسّية الآن. قالت: هو من عند الله، هكذا تصبح الحاجة أمامها هكذا، تظهر بقوة الله بإرادة الله.

تواضع مريم ونسبة المعجزة إلى الله وأثر ذلك في دعاء زكريا

﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37]

فإذا ربطت المعجزة بالتواضع والعقيدة؛ تواضعت لله ونسبت الأمر إلى الله وليس إلى تقواها، ثم وصفت الله سبحانه وتعالى بما يستحق من أنه يرزق من يشاء بغير حساب.

النظر إلى حقيقة الكون أن الله سبحانه وتعالى هو الرزّاق ذو القوة المتين.

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38]

يعني لفتت نظر النبي زكريا [عليه السلام هذه المعجزة فدعا ربه].

فاللهم صلّ عليه وعلى نبينا سيد الخلق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.