سورة آل عمران | حـ 394 | 38-39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 394 | 38-39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص قصة سيدنا زكريا عليه السلام عندما رأى معجزات مريم وصلاحها، فدعا ربه طالباً الذرية الطيبة.
  • دعاء زكريا جاء بعد انتباهه إلى أن الله يكرم عباده حتى بخوارق العادات، وتمنى أن يرزقه ولداً صالحاً.
  • الدعاء نافع في كل الأحوال، فإما تحصل على النعمة بالاستجابة أو تنال الثواب.
  • الدعاء هو حقيقة العبادة التي تؤمن بقدرة الله وكرمه، وأن العبد لا حول ولا قوة إلا بالله.
  • جاءت الاستجابة حين ناداته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، وهذا يدل على أن القيام للصلاة محل إكرام من الله.
  • بشرته الملائكة بيحيى بصفات خمس: مصدقاً بكلمة من الله، وسيداً، وحصوراً، ونبياً من الصالحين.
  • حالة الصلاة محل إكرام واستجابة للدعاء، وهذه حقيقة كونية ليست للمسلمين فحسب بل كانت لسيدنا زكريا أيضاً.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

دعاء زكريا عليه السلام عند رؤية كرامات مريم في محرابها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38]

أي عندما رأى [زكريا عليه السلام] مريم وما اكتنف محرابها من المعجزات والآيات، دعا ربه. وكأنه التفت إلى أن الله سبحانه وتعالى يكرم عباده حتى ولو بخارقة العادة.

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38]

وأيضًا التفت إلى معنى الولد الصالح فتمنّاه؛ لمّا رأى السيدة مريم ورأى صلاحها، ورأى كيف هي وكيف مرتبتها عند الله سبحانه وتعالى، تمنّى لو أن ولدًا صالحًا كهذه يكون له. يعني الإنسان عندما يرى إنسانًا ناجحًا جدًّا يتمنى أن ابنه يصبح مثله، وهو ليس لديه ابن.

معنى هنالك في الآية هل هي عند رؤية المعجزة أم الصلاح أم كليهما

﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38]

"هنالك" ماذا تعني؟ هل تعني عندما رأى المعجزة، أو عندما رأى الصلاح، أم هما الاثنان معًا؟

"هنالك" يعني: عند رؤيته للصلاح تمنّى الولد الصالح، أو عند رؤيته للمعجزة التفت إلى أن الله يستجيب حتى لخوارق العادات.

﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ [آل عمران: 38]

لماذا يدعو زكريا وهو يعلم أن طلبه خارقة للعادة وفائدة الدعاء في كل حال

طيب، لمّا أنت تعلم أن هذه خارقة [للعادة]، فلماذا تدعو؟ قال: ما هو إذا استجاب الله حصلنا على النعمة، وإذا لم يستجب حصلنا على الثواب؛ إذن الدعاء نافع في كل حال، فماذا أخسر؟

﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ [آل عمران: 38]

طيب، الذرية هذه في الدنيا أو في الآخرة؟ إن أرادها الله في الدنيا وهبها له، وإن أرادها له في الآخرة رزقه بها في الجنة. فيكون إذن لم يتجاوز في الدعاء؛ لأن الدعاء بهذه الصفة نافع على كل حال.

فإن استجاب الله له كان نافعًا في الدنيا، وهو يقول "ذرية طيبة" فيكون أيضًا في الآخرة، وإذا أخّره في الآخرة كان نافعًا في الثواب وفي استجابة الله له في الجنة.

الدعاء حقيقة العبادة التي تجسد الإيمان بقدرة الله وكرمه وضعف العبد

فيبقى الدعاء إذن خير كله؛ لأن الدعاء هو حقيقة العبادة التي تؤمن أن الله على كل شيء قدير، والتي تؤمن أن الله واسع وأن الله كريم، والتي تؤمن أن العبد لا حول ولا قوة إلا بالله. هذه حقيقة العبادة، هذا الكلام هو حقيقة العبادة.

استجابة الله لزكريا بنداء الملائكة له وهو قائم يصلي في المحراب

﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ [آل عمران: 39]

جاءت الاستجابة هنا؛ فناداته الملائكة، إنه نبي والملائكة تتنزّل على قلوب الأنبياء وتوحي إليهم وتنقل مراد الله إلى قلوبهم.

﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ [آل عمران: 39]

إذن حدث وحي، الملائكة تعمل معه وحيًا:

﴿وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39]

قائم يصلي في المحراب، فيبقى متلبسًا بالصلاة.

القيام في الصلاة محل إكرام من الله ونعمة عظيمة على المسلم

وهذا معناه أن هذه الحالة محل إكرام؛ القيام في الصلاة محل للإكرام، التلبس بالصلاة محل إكرام. فتبقى تعرف نعمة الله عليك أيها المسلم لمّا دلّك على الصلاة.

ربنا هدانا وخصّنا وقال لنا: صلّوا فجرًا وظهرًا وعصرًا ومغربًا وعشاءً بالكيفية المعيّنة، ومن هذه الكيفية القيام.

هل تكون الحالة التي أنت فيها هذه محل إكرام؟ لأن هذه حالة يحبها الله.

فضل القيام في الصلاة وساعة الاستجابة يوم الجمعة للمتلبس بالصلاة

﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى﴾ [آل عمران: 39]

فالقيام للصلاة لا تتركها أبدًا، تقف عندها وتذكّرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «إن في يوم الجمعة ساعة لا يصادفها عبد مسلم يصلي» [رواه البخاري ومسلم]

يصلي، أي هو متلبس بحالة الصلاة. أرشدك [النبي ﷺ] إلى حالة هي محل للإكرام واستجابة الدعاء.

وعندما تأتي إلى هذه الآية تبيّن لك أن هناك حقيقة كونية؛ فهذا الكلام ليس للمسلمين فحسب، بل كان أيضًا لسيدنا زكريا من قبل. الله هذه تكون حالة يحبها ربنا منذ أن خلق الخلق وإلى أن تقوم الساعة.

بشارة الملائكة لزكريا بيحيى وصفاته الخمس في آية واحدة من كلام الله

﴿قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39]

وانظر إلى الشكل الآن: في محراب وفيه واحد يصلي وهو قائم، فماذا يرسم؟ يرسم صورة أن الله يبشّرك بيحيى. فالملائكة قالت له ماذا؟

﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 39]

أن ربك يبشّرك بيحيى، ما صفته؟

  1. مصدّقًا بكلمة من الله: هذه هي الصفة الأولى.
  2. وسيّدًا: هذه هي الصفة الثانية.
  3. وحصورًا: هذه هي الصفة الثالثة.
  4. ونبيًّا: هذه هي الصفة الرابعة.
  5. من الصالحين: هذه هي الصفة الخامسة.

لا يوجد كلام هكذا يا إخواننا، لا يوجد كلام هكذا! هذا كلام ربنا في سطر واحد هكذا يكون في الكلام والثراء هذا كله. هذا كلام ربنا، فأريد شرحًا، ففي لقاء آخر. نستودعكم الله، السلام عليكم.