سورة آل عمران | حـ 395 | 38-39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن آيات القرآن التي تصف دعاء زكريا لربه واستجابة الله له في سورة آل عمران.
- •بشر الله زكريا بيحيى وهو قائم يصلي في المحراب، وذكر صفات يحيى الخمس في سطر واحد: مصدقاً بكلمة من الله، وسيداً، وحصوراً، ونبياً من الصالحين.
- •يظهر النص إعجاز القرآن في كل كلمة وتركيب وآية، فلا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة التكرار.
- •العرب كانوا ينبهرون بالفصاحة، ويعلقون أفضل القصائد على أستار الكعبة كالمعلقات العشر.
- •يقارن النص بين قصيدة امرئ القيس "قفا نبك" وإعجاز القرآن، مبيناً محدودية الشعر البشري.
- •عندما سمع العرب القرآن أدركوا أنه ليس ككلام البشر، فعجزوا عن الإتيان بمثله.
- •اسم "يحيى" يعد أول اسم بصيغة الفعل، ثم تبعته أسماء أخرى كيزيد ويثرب.
مقدمة تلاوة آيات سورة آل عمران في قصة دعاء زكريا واستجابة الله له
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصف زكريا عليه السلام وما قد دعا ربه به، وكيف استجاب الله له، وفي أي الأحوال استجاب وأوحى إليه، وما الذي أوحى إليه، في قوله تعالى:
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ * فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 38-39]
البشارة بالولد الذكر وصفاته الخمس في سطر واحد من القرآن الكريم
فبشّره [الله سبحانه وتعالى] بالولد، وأنّ الولد ذكر، وأنّ هذا الذكر له صفات خمس، فيما لا يزيد عن سطر واحد [من كتاب الله].
تمشي في آيات القرآن فتجد المعاني في كل حرف، وفي كل كلمة، وفي كل كلمة مع ما بعدها، وفي كل تركيب، وفي كل آية مع ما بعدها؛ فلا تنتهي عجائبه ولا يَبلى من كثرة التكرار.
انبهار العرب بالفصاحة وتعليق معلقة امرئ القيس على أستار الكعبة
العرب كانت تنبهر بالفصاحة؛ فامرؤ القيس ألّف قصيدة سُمّيت بالمعلقة؛ لأنهم علّقوها من فصاحتها على أستار الكعبة تعظيمًا لشأنها.
والمعلقات هذه عشر معلقات، رقم واحد خاصة بامرئ القيس، يعني امرؤ القيس فاز بماذا؟ بالجائزة الأولى في المعلقات.
تحليل البيت الأول من معلقة امرئ القيس وبلاغة الوقوف والاستبكاء
وعندما يأتي [امرؤ القيس] مهاجمًا عليك هكذا بالبيت الأول، يجب أن يكون البيت الأول هذا لافتًا للنظر شيئًا آخر. فالبيت الأول من هذه المعلقة ما هذا؟
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ — بِسِقْطِ اللِّوَى، هذا هو الجزء الثاني من البيت: بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ.
قوموا كما تقولون، العربي لمّا سمع هذا قال: يا الله، ما هذه الحلاوة؟ ما هذا الكلام؟ كيف أتيت بها؟ هذا جاء بماذا؟ قال: وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والدار في شطر بيت.
تفصيل بلاغة كلمة قفا نبكِ في التصوير والوقوف والاستبكاء
«قِفَا» فوقف روحه، ماذا يقول وهو يسير؟ «قِفَا» يعني قِف واستوقِف وهو يسير، في كلمة واحدة صنع تصويرًا هكذا.
يقول: «قِفَا» أوقِف، أنا سأقف ها هنا وأنت قِف معي. «نَبْكِ» نبكي يعني أنا وهو؛ فيكون بكى واستبكى من ذكر حبيب.
فإذا ذكر الحبيب ومنزله، وذكر الدار، ووقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والدار، لمّا وجدوها هكذا انبهروا وذهبوا معلّقينها على هذا الشيء وهو الكعبة على أستار الكعبة، وجعلوها شيئًا عاليًا جدًّا، وحصلت على المرتبة الأولى في المسابقة.
نفاد قدرة امرئ القيس في الشطر الثاني وذكر أسماء أماكن لا معنى لها
حسنًا، وبعد ذلك قال ماذا في الشطر الثاني؟ أم لا شيء؟ «بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ».
عند شطيرة [أحد المحلات]، لا أعرف من هو هذا وماذا يعني. وماذا يعني؟ ما بين الدقي والعجوزة عند شطيرة، ماذا يعني؟ أم لا شيء؟ استفهم ماذا يعني؟ ما هو، لم يجد كلامًا بعد ذلك، هذه قدرته إلى هنا هكذا.
«قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ» — نفدت بطاريته، نفدت، انتهت! قال: «بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ فَتُوضِحَ فَالمَقْرَاتِ»، لم يَعْفُ رسمها.
توسيع دائرة الأماكن المجهولة في المعلقة وعجز الشاعر عن الإتيان بمعانٍ جديدة
الله، ما هذا؟ ما «تُوضِح» وما «المَقْرَات»؟ قال: ما هو الزمالك مع المهندسين مع... الله، أنت توسّع الدائرة!
نعم، معنى الكلام هذا ما يعني: سِقْطُ اللِّوَى هذا مكان، الدخول هذا مكان، حَوْمَل هذا مكان، تُوضِح مكان... الله! وبعد ذلك أنت ستجلس [تسرد] جغرافية المكان، ونحن لا نعرف أصلًا أين تقع هذه الأماكن، ولا ما معناها، ولا أي شيء آخر.
ليس البيت بقيته، لا! «فَتُوضِحَ فَالمَقْرَاةِ» اسمه [مكان]. فماذا فعلنا إذن؟ سبحان الله!
دهشة العرب عند سماع القرآن وإدراكهم أنه ليس كلام البشر
عندما سمعوا القرآن حدثت لهم دهشة؛ لأن هذا كلام ليس ككلام البشر.
عندما يأتي [القرآن] ويقول هكذا:
﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 39]
عندما يأتي العربي من هؤلاء يسقط من طوله على الفور؛ لأنه يعرف كيف يسير كلام البشر، هذا ليس بكلام البشر! خمس صفات هكذا متتالية.
كل كلمة في القرآن لها معنى ودلالة وقت نداء الملائكة لزكريا
وبعد ذلك قال [زكريا عليه السلام]:
﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَـٰمٌ﴾ [آل عمران: 40]
كل شيء له معنى، كل شيء له معنى، كل شيء له معنى! والله لا يصلح أن يمشي إنسان هكذا فيما لا تأخذ خطأ عليه، وكل شيء له معنى.
كيف نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب؟ فدلّ بذلك على وقت الكرم [أي أن الله استجاب له وهو في أشرف حال وهي الصلاة].
﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: 39]
فهنا بشرى خير «بيحيى»، وكان النبي ﷺ يحب الفأل الحسن، طبيعة الأنبياء هكذا تحب الفأل الحسن.
دلالة اسم يحيى وكونه أول اسم على صيغة الفعل في التاريخ
ما اسم الولد الذي سيأتي؟ يحيى! والله هذا كل كلمة نقف عندها ونصنع حكاية وقصة، نعم هي هكذا. لقد عجزت أنفسهم وألسنتهم أن يأتوا بمثله.
من أجل هذا «يحيى»، ما رأيك في هذا الاسم؟ هذا اسم فيه بشرى من الحياة.
وأول مرة يُسمّى أحد بالفعل، أول مرة نسمّي أحدًا بصيغة الفعل: «يحيى». هذا فعل، فهل يُسمّى الإنسان بالفعل؟ نعم، بعد ذلك صار هناك «يزيد» — ولدٌ اسمه يزيد، وصار هناك «يثرب» — مدينة أُطلق عليها اسمها يثرب. ولكن أول من سُمّي اسمًا كذلك وسُمّي بفعل كان سيدنا ما هذا؟ سيدنا يحيى [عليه السلام].
خاتمة الحلقة والتوديع بالسلام والدعاء
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
