سورة آل عمران | حـ 396 | 39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 396 | 39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يصف الله تعالى في سورة آل عمران بشارة زكريا بابنه يحيى، وكان أول من تسمى بهذا الاسم.
  • وُصف يحيى بأنه مصدق بكلمة من الله، حيث صدّق ابن خالته عيسى عليه السلام.
  • كان يحيى تمهيداً وتأييداً لعيسى، كما كان لوط مع إبراهيم، وهارون مع موسى عليهم السلام.
  • عيسى هو كلمة الله لأنه قال له "كن فيكون"، وجاء بالإنجيل لتصحيح مسيرة بني إسرائيل.
  • امتاز يحيى بالسيادة والعلو والقيادة وعلو الهمة، وكان شجاعاً فطناً.
  • كان يعمد الناس في نهر الأردن، وسمي أتباعه بالصابئة لأنهم يصطبغون بصبغة الله.
  • لا يزال للصابئة وجود قرب الفرات في العراق ولهم كتاب ينسبونه ليحيى.
  • وُصف بأنه حصور، أي لا يفعل المنكرات، وقيل إنه لم يتزوج انشغالاً بالدعوة لله.
  • كان نبياً من الصالحين المصلحين لغيرهم، حتى قُتل بسبب جهره بالحق دون خوف من ملك أو حاكم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير وصف الله تعالى ليحيى عليه السلام في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يصف الله سبحانه وتعالى لزكريا ولده المنتظر الذي استجاب له به الدعاء، فيقول:

﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 39]

يحيى فعلٌ، ولذلك كان أول من تسمّى بفعلٍ هو يحيى.

﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 7]

ما معنى لم نجعل له من قبل سميًّا؟ أي ما كان هناك أحدٌ من قبلُ يتسمّى باسمٍ هو في الحقيقة فعلٌ [وهو يحيى].

تصديق سيدنا يحيى لسيدنا عيسى عليهما السلام ومعنى مصدقًا بكلمة من الله

يحيى مصدّق، سيدنا يحيى مصدّقٌ لمن؟ إذن لا بدّ أنه سوف يصدّق نبيًّا آخر، وقد كان؛ صدّق ابن خالته مريم، صدّقها [أي صدّق ابنها] سيدنا عيسى.

مُصَدِّقًا هو اسم الفاعل؛ إن كان هو يُصدِّق. مُصَدَّقًا فهو الذي سيُصَدَّق. فمن الذي صدّق من؟ سيدنا يحيى صدّق سيدنا عيسى.

سيدنا يحيى كان تمهيدًا لسيدنا عيسى، سيدنا يحيى أيّد سيدنا عيسى. فسيدنا يحيى مع سيدنا عيسى كسيدنا لوط مع سيدنا إبراهيم، مثل سيدنا هارون مع سيدنا موسى يؤيّده.

معنى كلمة الله في وصف سيدنا عيسى عليه السلام وتصديق يحيى لنبوته

مصدّقًا بكلمةٍ من الله، والكلمة التي من الله هي سيدنا عيسى. وسيدنا عيسى كلمة الله لأنه قال له:

﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]

وسيدنا عيسى هو كلمة الله لأنه جاء بكلمة الله؛ فجاء بالإنجيل [وهو] كلمة الله.

إذن فسيدنا يحيى صدّق نبوة عيسى وصدّق ما أُنزل عليه من كتاب. وسيدنا عيسى جاء يصحّح مسيرة بني إسرائيل: «إنما جئتُ لخراف بني إسرائيل الضالة»؛ أن يرجعها إلى السبيل، أن يرجعها إلى أن يقوم بنو إسرائيل بالوصايا العشر.

فعصوه وحاولوا قتله، ودبّروا المكايد وخرجوا عن الحدّ وطغوا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

معنى وصف يحيى عليه السلام بالسيد وعلو همته وشجاعته

وسيّدًا، السيّد من السيادة، هكذا والسيادة فيها نوعٌ من أنواع العلوّ والتنزّه والقيادة وعلوّ الهمّة.

فكان سيدنا يحيى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عالي الهمّة، كان شجاعًا فطنًا سيّدًا كما وصفه الله سبحانه وتعالى.

تعميد سيدنا يحيى لأتباعه في نهر الأردن وأصل تسمية الصابئة

وكان [سيدنا يحيى] يعمّد الناس في نهر الأردن، فكان يصبغهم بصبغة الله، فسُمّي أتباعه بالصابغة؛ لأنهم كانوا يُصبغون في نهر الأردن.

ثم بعد ذلك، ولأن الغين والهمزة من مخرجٍ واحد، فالعرب نطقوها الصابئة، هي حقيقتها ما [إلا] الصابغة.

والصابئة أتباع سيدنا يحيى موجودون إلى يومنا هذا، فئةٌ قليلة بجوار الفرات في العراق، ولهم كتابٌ ينسبونه إلى سيدنا يحيى ويطبعونه معكوسًا مقسّمينه نصفين على هذا النحو؛ فلمّا تمسك الكتاب تقرؤه من هذه الناحية هكذا، وتُضطرّ أن تقلبه هكذا تقرؤه من الناحية الأخرى. هذا كتاب الصابئة الذين هم من الصابغة.

سبب تسمية أتباع يحيى بالصابغة وعلاقتها بنظرية العماد في نهر الأردن

وسمّوهم صابغة لماذا؟ صبغة الله، وصبغة الله هذه جاءت من أين؟ جاءت من نظرية العماد؛ أنّ سيدنا يحيى كان يعمّد أتباعه في نهر الأردن.

سيادة يحيى عليه السلام وشجاعته في قول الحق حتى استشهاده

وسيّدًا في سيادةٍ وريادةٍ وقيادة، ولذلك لم يكن يخاف، حتى أنهم قتلوه. وعندما قتلوه، قتلوه لأنه شهمٌ؛ لأنه هو يتكلم بالحقّ، لا يهاب ولا يخاف أحدًا من الناس، لا ملكًا ولا حاكمًا ولا غيره.

معنى وصف يحيى بالحصور وإجازة العلماء ترك الزواج للتفرغ للعلم والدعوة

وحصورًا أي أنه لا يفعل المنكرات. وقيل أي أنه لا يتزوج من غير نقصٍ فيه؛ فالسيادة تدلّ على الكمال، فكان كاملًا لكنه لم يتزوج انشغالًا بالدعوة إلى الله.

ومن هنا أجاز العلماء لمن لم تكن له طوقانٌ [أي رغبة] إلى الزواج ورضي بالتفرّغ للعلم أن يفعل ذلك؛ ففعله شيخ الإسلام ابن تيمية، وفعله الإمام النووي، وغيرهم ممن جمعهم أو جمع بعضهم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في كتابٍ عن العلماء الذين فضّلوا العلم على الزواج.

وحصورًا يعني فضّل الدعوة إلى الله على الانشغال بالأهل والأولاد.

وصف يحيى عليه السلام بالنبوة والصلاح لنفسه ولغيره وخاتمة اللقاء

ونبيًّا كذلك، هذا [سيدنا يحيى] موحىً إليه، وسلسلة أنبياء بني إسرائيل تدلّ على ذلك.

من الصالحين يعني كذلك صلاحه كان عاليًا، وصلاحه لنفسه ولغيره وليس مقصورًا على نفسه؛ لأنه ما دام نبيًّا فهو صالحٌ في نفسه هكذا، لكن هذا كذلك من الصالحين المصلحين لغيرهم، عليه الصلاة وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وإلى لقاءٍ آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.