سورة آل عمران | حـ 399 | 43-44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث القرآن الكريم في سورة آل عمران عن اصطفاء الله للسيدة مريم عليها السلام وتطهيرها واختيارها على نساء العالمين.
- •هذا الاصطفاء والتشريف لم يُسقط عنها التكليف، بل أمرها الله بالقنوت والسجود والركوع.
- •يرد ذلك على المدّعين سقوط التكليف عن "الواصلين" وهو ادعاء باطل.
- •لو كان أحد يستحق سقوط التكليف لكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه.
- •القاعدة الإلهية: كل تشريف معه تكليف، كما في قوله تعالى "كنتم خير أمة أخرجت للناس" مقرونة بالتكليف "تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر".
- •القنوت يعني الخلوص والدعاء والإخلاص لله.
- •في الصلاة ينبغي الإخلاص والتجرد من مشاغل الدنيا.
- •القرآن الكريم معجز بإخباره عن غيب لم يشهده النبي صلى الله عليه وسلم.
- •من المصائب الكبرى أن يقف الناس حائلاً بين الخلق وكتاب الله.
مقدمة الدرس وتلاوة آيات اصطفاء مريم عليها السلام من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، ومع قصة السيدة الجليلة مريم عليها السلام، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 42-43]
بشّرها [الله] بالاصطفاء، شرّفها، كرّمها، رفع قدرها.
علو المقام لا يُعفي من التكليف والرد على دعوى سقوط التكليف عن الواصلين
وهذا العلو في المقام لم يُعفِها من التكليف. وهذا يردّ على كل من دعا إلى الجنون بسقوط التكليف عن الواصلين [الذين يدّعون الوصول إلى مقام الولاية].
جنونٌ! يجلس [أحدهم] يذكر [الله] قليلًا هكذا، وبعد ذلك يقول لك: أنا وصلت. كيف؟ قال: سقط عني التكليف؛ لأنني قد وصلت إلى مرتبة هي المراد من هذا التكليف.
ربنا يؤكد علينا أن هذا دجل. لو كان أحدٌ يستحق أن يسقط عنه التكليف لوصوله إلى الحضرة الربوبية لكان محمدًا صلى الله عليه وسلم، لكنه يقوم الليل حتى تتورّم قدماه الشريفتان، فتقول له عائشة [رضي الله عنها]:
يا رسول الله، ألم يغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟
قال:
قال رسول الله ﷺ: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»
ولو أن التكليف يسقط بالوصول إلى ما يتوهّمه المتوهّم أنه وصل به، لكانت مريم أولى [بسقوط التكليف عنها]، بعد أن أقرّ الله لها وبشّرها بأنه قد اصطفاها وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين. هل هناك شيء بعد هذا؟ وهذا بالنصّ، ليس بالتوهّم والخيال.
قاعدة كل تشريف معه تكليف وتطبيقها على الأمة الإسلامية
وبعدها مباشرة يُكلّفها [الله]؛ لأنه شرّفها، فجاءت القاعدة: أن كل تشريف معه تكليف.
وهذه القاعدة نسيها كثير من المسلمين ومن الخلق، فضلّوا عن منهج الله.
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]
هذا تشريف.
﴿تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]
هذا تكليف. فلا تقل: أنا خير أمة هكذا، وأنت لا تعمل ولا تأمر ولا تنهى ولا تؤمن، فكيف هذا؟ فهمتَ منها التشريف لا التكليف؟ لا! إننا أمة مكلّفة، ولذلك فهي مشرّفة.
فالقاعدة هكذا يجب أن نحفظها: أن كل تشريف معه تكليف.
الأمة الوسط مكلفة بالشهادة على الناس واتخاذ النبي أسوة حسنة
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
تكليف لا بدّ منه؛ عليك أن تصل إلى مرتبة الشهادة التي تشهد فيها الخلق ولا تعزل نفسك عنهم، ويشهدك الخلق باعتبارك المثال الأعلى، بحيث أن النبي [صلى الله عليه وسلم] هو مثالك أنت، وهو الأسوة الحسنة التي تتّخذها.
هذا تكليف. فربنا سبحانه وتعالى يؤكد علينا مرة بعد أخرى؛ حتى إذا لم نفهمها هنا نفهمها هنا، وإذا لم نفهمها هنا نفهمها هنا، وإذا لم ننتبه إليها هنا ننتبه إليها هنا. وكلها تؤكد بناء تلك العقلية التي تهتم بالتكليف شكرًا لله على ذلك التشريف.
معنى القنوت لله بين الإخلاص والدعاء والخلوص من الدنيا
﴿يَـٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43]
والقنوت [يحمل معانٍ متعددة]: الخلوص، والدعاء، والإخلاص. إذن فهو [الله] يقول لها: أخلصي هكذا، خلّصي نفسك من الدنيا، وأخلصي وكوني مخلصة في نيّتك وعبادتك، وكوني داعية لله، ذاكرة لله.
بكلمة واحدة فقط: يا مريم اقنتي. من الدعاء جاء القنوت في الصلاة يعني الدعاء. والقنوت هنا بالتاء، أما القنوط بالطاء يعني اليأس.
﴿ٱقْنُتِى لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِى وَٱرْكَعِى مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]
إذن أمرها بالإخلاص.
معنى القنوت في الصلاة وتخليص النفس من مشاغل الدنيا أثناء العبادة
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ﴾ [البقرة: 238]
يعني مخلصين. ولذلك في الصلاة لا ينفع فيها الكلام؛ لأننا ماذا؟ خلّصنا أنفسنا من الحياة الدنيا وألغيناها ودخلنا في الصلاة.
فيبقى: وقوموا لله قانتين، أي ساكتين خالصين، خلّصوا أنفسكم من مشاغل الدنيا. فلا ينفع فيها الأكل ولا الشرب ولا الحديث والكلام ولا الحركة الكثيرة، لا تنفع في الصلاة.
فأخلصي لربك، يعني أخلصي لربك، اخرجي من إطار عمل الدنيا، واسجدي واركعي مع الراكعين.
قصة مريم من أنباء الغيب الموحاة إلى النبي وخطورة الحيلولة بين الناس والقرآن
﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 44]
من عرّفك هذا الكلام؟ هل كنت معهم صلى الله عليه وسلم؟
﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]
فإذا كان هذا من عند الله فلا إله إلا الله، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.
مصيبة كبرى أن يقف الناس حائلًا بين هذا الكتاب [القرآن الكريم] وبين الخلق، سواء أكان هؤلاء من المسلمين أو من غير المسلمين، وحسابهم على الله.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
