سورة آل عمران | حـ 401 | 46-49 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •وصف الله تعالى عيسى عليه السلام في سورة آل عمران بمعجزة كلامه في المهد، وهو سيد من تكلم في المهد على سبيل خرق العادة.
- •ولدت مريم عيسى بمعجزة إلهية، إذ قال تعالى: "كذلِك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون".
- •علم الله عيسى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، أي علمه الأحكام المطلقة وكيفية تطبيقها في واقع الناس.
- •جاء عيسى ليصحح انحرافات بني إسرائيل ويعيدهم إلى الصراط المستقيم بعد أن ضلوا.
- •أيد الله عيسى بمعجزات عديدة: خلق الطير من الطين بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار بما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم.
- •كانت هذه المعجزات دعوة للإيمان لبني إسرائيل الذين اعتادوا على الخوارق لكثرة الأنبياء فيهم.
- •أكد عيسى دوماً أن معجزاته تتم بإذن الله، وليست من قدرته الذاتية.
وصف الله تعالى للسيد المسيح بالكلام في المهد معجزةً نادرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يصف الله سبحانه وتعالى السيد المسيح فيقول في شأنه:
﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ﴾ [آل عمران: 46]
وهي معجزة نادرة، ومن تكلم في المهد قليل جدًا على سبيل خرق العادة. وأولهم وسيدهم -أولهم يعني في علو المقام لا في الزمان- هو سيدنا عيسى عليه السلام.
﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46]
يعني عندما يصل إلى حد الكهولة، والكهولة هي العقد الرابع من عمر الإنسان.
﴿وَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 46]
تعجب مريم من البشارة بالولد وبيان كاف خطاب الأنثى في الآية
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾ [آل عمران: 47]
مسألة عجيبة!
﴿قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 47]
الكاف هنا كاف خطاب الأنثى ولذلك تُكسر. يجوز أن نخاطب الأنثى بكاف مفتوحة، لكن الأصل أن نخاطبها بكاف مكسورة. "كذلكِ" جاءت هنا مكسورة.
لماذا؟ لأنها خطاب للأنثى [السيدة مريم]؛ فلو كان قال لها "كذلكَ" فلا مانع أن يقول لها "كذلكَ"، لكن هنا جاءت على الأصل: "كذلكِ".
تنبيه السيدة مريم إلى عقيدة قدرة الله المطلقة في الخلق
﴿كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ [آل عمران: 47]
ينبهها ويلفت انتباهها إلى العقيدة التي قد لا يلتفت إليها الإنسان حينما يرى ما يوجب الدهشة أو يسمع ما يوجب الانبهار.
﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]
فالله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئًا فإنما يقوله فيكون، وهذا تثبيت لقلب السيدة مريم وتذكير لها بأن قدرة الله لا حدود لها.
تعليم المسيح الكتاب والحكمة بين المطلق والتطبيق النسبي
استمرارًا في الوصف إكرامًا للسيدة الجليلة [مريم عليها السلام] ووصفًا للواقع:
﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 48]
في سطر واحد، انظر كيف! "ويعلمه الكتاب والحكمة": الكتاب هو المطلق، والحكمة هي التطبيق النسبي؛ فيجب أن يعلمه المطلق والنسبي.
سيعلمه مراد الله من خلقه، ويعلمه كيف يطبق الشريعة في أحكام الناس، في واقع الناس.
معنى تعليم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل للسيد المسيح
﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾ [آل عمران: 48]
"ويعلمه الكتاب" أي يعلمه المطلق، يعلمه أحكام الله، مراد الله من خلقه.
"والحكمة":
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
هي التطبيق؛ كيف تطبق مراد الله في واقع الناس.
"والتوراة": إذن هذه الأسفار الخمسة التي نزلت على موسى عليه السلام، يعلمه ربنا كيف يفسرها وكيف يفهمها بعد أن شُرحت شروحًا أخفت حقيقتها وأضلت بها عن سواء السبيل.
مهمة عيسى في إعادة بني إسرائيل إلى الطريق المستقيم بالإنجيل
فجاء سيدنا عيسى [عليه السلام] ليعيدهم مرة أخرى إلى الطريق السوي المستقيم، متحررًا من كل الشراح الذين انحرفوا بمسيرة رسالة موسى عن الصراط المستقيم.
"والإنجيل": سيأتي بشيء جديد، بشرى وموعظة للناس، حتى يعيد فيهم حب الدين ويحيي في نفوسهم ما قد اندرس واندثر عبر السنين والقرون.
﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [آل عمران: 49]
فتبقى إذن هذه الرسالة الأساسية هي إلى بني إسرائيل، ولذلك قال [عيسى عليه السلام]: "أعطوا مال قيصر لقيصر وأعطوا مال الله لله"، وأراد أن ينهض بهم وأن يغير حالهم وأن يخرجهم من الإصر والأغلال ومن الضيق الذي أدخلوا أنفسهم فيه.
مجيء عيسى بالآيات والمعجزات لبني إسرائيل المتعلقين بالخوارق
﴿أَنِّى قَدْ جِئْتُكُم بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 49]
وكانوا حينئذ يتعلقون بالخوارق.
لماذا؟ لأن الله كان يرسل النبي في أثر النبي في أثر النبي؛ فكانوا لا يقبلون عقلًا ولا مفاهمة، وإنما يقبلون ما كان يخرق العادة على عادة إرسال الأنبياء والرسل فيهم. فجاءهم [عيسى عليه السلام] بآيات وليس بآية واحدة لكي يقطع الطريق [على المكذبين].
معجزة خلق الطير من الطين وجواز استعمال لفظ الخلق بمعنى الصنع
﴿أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]
فيبقى هذا [اللفظ] دليلًا على أنه يجوز أن نستعمل هذا الفعل "خلق" في معنى الصناعة، فتقول: "هذه مواد مخلّقة"، يجوز؛ لأن الله استعملها ونسبها إلى البشر.
معجزة [عظيمة]: يأتي [عيسى عليه السلام] بطين ويعمله على هيئة الطير وينفخ فيه فيطير!
معجزات إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله
﴿وَأُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: 49]
يأتي الأكمه ويأتي الأبرص، يضع يده عليه السلام عليهم، يقومون كأنهم نُشطوا من عقال، ما من شيء [يبقى من المرض].
﴿وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]
يأتي -يقولون- الطفل الصغير هكذا مات، يضع يده عليه، روحه ترجع إليه. وأحيي الموتى ولكن بإذن الله.
ما هو [الذي كان يفعله]؟ يقول: "بسم الله، على بركة الله"، ويضع يده على الفور. "بسم الله، الأب أبانا الذي في السماء"؛ لأنه جاء هكذا يبشر الناس بالرب الذي في السماء، صاحب السماوات والأرض.
معجزة الإخبار بالغيب وكشف الحجاب عن المسيح عليه السلام
﴿وَأُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: 49]
فقد كُشف عنه الحجاب، جعل الكثيف لطيفًا؛ فالحائط كثيف لا أستطيع أن أرى من ورائه، وهو [عيسى عليه السلام] يرى من ورائه.
كيف؟ لأنه أصبح لطيفًا وليس كثيفًا؛ فجعل الكثيف لطيفًا، ينظر هكذا فيرى ما خلف الجدار، ويرى الطعام وهو في الثلاجة -ولكن لم تكن هناك ثلاجة في ذلك الوقت [بل كان الطعام مخبأً في البيوت]-.
جوهر الأمر في الإيمان بالآيات وختام الحديث عن معجزات المسيح
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 49]
هذا هو جوهر الأمر: ها قد أتيتكم بالآيات، أفتؤمنون أم لا تؤمنون؟ غلبوه عليه الصلاة والسلام [فلم يؤمن أكثرهم].
اللهم يا ربنا اشرح صدورنا للإسلام، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
