سورة آل عمران | حـ 409 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 409 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • القرآن الكريم وصف بأنه "الذكر الحكيم"، وكلمة حكيم تأتي بمعنى حاكم ومحكم، فوزن فعيل يصلح للفاعل والمفعول كقتيل وحبيب وجريح.
  • القرآن حاكم لأن الحكم لله وحده، كما قال تعالى: "إن الحكم إلا لله"، ومن لم يحكم بما أنزل الله وصف بالكفر والظلم والفسق.
  • يجب على المسلم تحكيم القرآن في نفسه وفي كل شؤونه، قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم".
  • الدنيا بدون الله لا تساوي شيئاً، فالله هو من يجعل الحياة جميلة ويحول المصائب إلى أجر وثواب.
  • الكون كله يسبح بحمد الله ويسجد له، والمسلم يعرف أن كل شيء حوله يسبح.
  • النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الترجمة البشرية للقرآن الكريم، وكان قرآناً يمشي على الأرض، وكان خلقه القرآن.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في معنى كلمة الحكيم في وصف القرآن الكريم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو أحكم القائلين:

﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]

وكلمة الحكيم معناها المُحكَم؛ لأنها تعني اسم المفعول. فوزن فَعيل يصلح للدلالة على الفاعل والمفعول.

أمثلة على وزن فعيل ودلالته على الفاعل والمفعول

فمثلًا: قتيل أي مقتول، حبيب أي محبوب، جريح أي مجروح. وتقول مثلًا: بديل أي مُبدَل ومُبدِل، الاثنان معًا؛ فبديل تصلح للاثنين. وجبير أي جابر، وفقير أي مفتقر [وهو] اسم فاعل، فتصلح هكذا [للفاعل] وتصلح هكذا [للمفعول].

فلمّا يأتي يقول لك حكيم فيكون أي حاكم وأي مُحكَم.

القرآن حاكم بأمر الله ومن لم يحكم به فقد كفر

فهل القرآن حاكم؟ نعم!

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]

فالحكم لله وحده.

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]

إذن فالقرآن حاكم، وهذا الذكر يجب أن نُحكِّمه في أنفسنا.

وجوب تحكيم النبي والتسليم الكامل لحكم الله تعالى

قال [الله تعالى]:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

كنا قديمًا ونحن صغار ونلعب، يقول لك [أحدهم]: سلِّم، ارفع يدك، سلِّم تسليمًا. هكذا سلِّم، يعني هكذا هو التسليم الذي هو ماذا؟ تسليم القياد لله رب العالمين؛ لأن أصلها [أي النفس] ليست نافعة إلا بربنا، ليست نافعة إلا بربنا.

الدنيا بلا إيمان بالله مصيبة كبيرة على الضعفاء والمظلومين

والدنيا التي نحن فيها هذه من غير ربنا تصبح سوداء. على رأي بعض مشايخنا: لكانت مصيبة كبيرة! نعم، لكانت مصيبة. أي أنه كان يقول رحمه الله هكذا: إن هذه الدنيا لو لم يكن فيها ربنا يا أولاد، والله لكانت مصيبة!

الله! فماذا سيفعل الفقير؟ وماذا سيفعل المريض؟ وماذا سيفعل الذي على قدره؟ وماذا سيفعل الغلبان؟ ماذا سيفعل؟ والله! والمظلوم ماذا سيفعل؟ هذه الدنيا تصبح إذن مقلبًا [مكانًا بائسًا].

المسلم يحب الحياة والتعمير وعبادة الله تعالى

ولكن ما رأيك أن الدنيا ليست مقلبًا يا أخي! نحن نحب الحياة. وقالوا: لا، إن المسلم لا يحب الحياة! نحن؟ نحن نحب التعمير لا التدمير، نحن نحب تزكية النفس، نحن نحب أن نعبد ربنا، وما دمنا نحب أن نعبد الله إذن نحب الحياة.

نحن دائمًا نتحدث عن عمارة هذه الأكوان. نحن نقول إن الكون يسبح، وإن كل شيء يسبح بحمده:

﴿وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

هذا نحن سائرون هكذا وعارفون أن العمود هذا يسبح، والأرض هذه تسبح، والعمود الآخر هذا يسبح، والسقف هذا يسبح.

جمال العقيدة في سماع تسبيح الكائنات وسجود الكون لله

أرأيت عقيدة أجمل من إنني وأنا أسير في هذا الكون أسمع تسبيح الكائنات في عقيدتي؟ وبعض أولياء الله يسمعونها جهرًا. من شاهد الكون عرف حقيقته؛ هذا [الكون كله] يسبح.

هذا الكون الذي حولنا يسجد لله:

﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]

حتى النجم وحتى الشجر وحتى كل شيء يسجد لله بحاله. هو ساجد هكذا، تخيّل وأنت ساجد وتشعر أن الكون كله ساجد معك لربنا!

الحياة بلا إيمان لا قيمة لها وربنا هو جمال الحياة

نحن لا نحب الحياة؟ [بل] نحب الحياة! لكن الدنيا والحياة هذه من غير ربنا والله ما تساوي شيئًا، والله ما يبقى فيها لا أمن ولا نتمتع فيها بشربة ماء.

هذا ربنا هو جمال الحياة، ربنا هو الذي يُحلّي الدنيا، هو الذي يجعلني عندما تشوكني شوكة وأقول: أي! أو آه! يقول لك: نعم، هذه عليها ثواب وتأخذ ثوابك من الله. هذا حوّل المصيبة إلى شيء حلو. هل رأيتم أحلى من ذلك؟

وجوب تحكيم القرآن في حياتنا ومناهجنا للوصول إلى التفكير المستقيم

إذن إذا ما جعلنا الذكر حكيمًا أي جعلناه حاكمًا فينا، فكما أنه حكيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو حاكم يجب علينا أن نُحكِّمه في أنفسنا وفي أولادنا وفي مناهجنا وفي طريقة تفكيرنا؛ حتى نصل إلى حالة التفكير المستقيم.

حاكم!

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]

انظر إلى القسم: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.

النبي ﷺ الترجمة البشرية للقرآن وخلقه كان القرآن

إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الترجمة البشرية للقرآن الكريم — انتبه! — القرآن هذا صفة من صفات الله قديم، سيدنا محمد مخلوق، ولكن هو المرآة التي تعكس كلام الله.

أي أن كلام الله تجلّى على محمد صلى الله عليه وسلم، فكان قرآنًا يمشي على الأرض.

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

وقالت [السيدة] عائشة [رضي الله عنها]:

«كان خُلُقه القرآن»

فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.