سورة آل عمران | حـ 410 | 59-60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 410 | 59-60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يوضح القرآن في سورة آل عمران أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون.
  • الإيمان بسيدنا عيسى عليه السلام ركن من أركان الإسلام، ولا يكون المرء مسلماً إلا بالإيمان به.
  • مقام سيدنا عيسى عظيم عند الله، وهو من أولي العزم من الرسل.
  • من رفض الإيمان بأي نبي فلا يكون مسلماً وإن صلى وصام.
  • المسلمون يؤمنون بسيدنا عيسى ويعظمونه، وهذا يدل على انفتاح الإسلام.
  • ظن بعض الناس في عيسى الألوهية، مما أحدث مشكلة كبيرة وانقسامات.
  • اختلفت الكنائس حول طبيعة المسيح، هل هو بطبيعة واحدة أم بطبيعتين.
  • قدم القرآن حجة بسيطة واضحة: إذا كان الناس يتعجبون من ولادة عيسى بلا أب، فإن خلق آدم من تراب أعجب.
  • الآريوسيون كانوا يؤمنون بنبوة عيسى، وكان منهم عدي بن حاتم الطائي قبل إسلامه.
  • الحجة القرآنية واضحة بينة، وهي الحق من الله فلا ينبغي المراء فيها.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تلاوة آية مثل عيسى عند الله كمثل آدم من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]

الإيمان بسيدنا عيسى وميلاده المعجز شرط من شروط الإسلام

سيدنا عيسى من عقائد المسلمين، ولا يكون المسلم مسلمًا إلا إذا اعترف بالميلاد المعجز للسيد المسيح كما أخبر الله سبحانه وتعالى؛ لأن بعض الطوائف لا تعترف بهذا الميلاد المعجز.

[السيدة] مريم تحمل من غير أب، من غير رجل، يجب أن تؤمن هكذا، فإن لم تؤمن فلن تكون مسلمًا، إما هكذا وإما لا شيء.

والله يعني أنا مؤمن بالله ومؤمن برسوله ومؤمن وأصلي وجئت في هذا الموضع، نعم، فيكون ذلك تكذيبًا لله ورسوله.

مقام سيدنا عيسى العظيم عند الله وركنية الإيمان به في الإسلام

ما هذا [الذي يُنكره البعض]؟ إن مقام سيدنا عيسى عظيم جدًا عند ربنا، فماذا إذن؟ إنه من أولي العزم من الرسل، والإيمان به ركن [من أركان] الإسلام.

فلا يصح أن نقول: والله إنني مؤمن بكل شيء لكن سيدنا عيسى لا أريد أن أؤمن به، أو سيدنا موسى، لا تكن مسلمًا. قال: ولكن أنا أصلي وأصوم، قال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم.

في ذلك في الحديث: وإن صام وصلى وصام وزعم أنه مسلم [فإنه] لا يكون مسلمًا.

دلالات الإيمان بعيسى على انفتاح الإسلام وريادة المسلمين

يكون هذا يدل على أمور منها:

  1. أن المسلمين يؤمنون بسيدنا عيسى.
  2. ومنها تعظيم سيدنا عيسى عند الله.
  3. ومنها أن المسلم له دين منفتح على العالمين، لا يرفض أحدًا.

فكان أولى بالمسلمين أن تكون لهم الريادة والقيادة؛ حيث إنهم يقبلون الناس جميعًا.

ظن الألوهية في عيسى بسبب ميلاده المعجز ونشوء الخلاف

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: 59]

فلما جاء الميلاد المعجز ظن بعضهم في سيدنا عيسى الألوهية، فنشأت مشكلة. الرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

فقضية أن سيدنا عيسى كونه إلهًا أحدثت مشكلة، ولذلك رأينا فلاسفة الإسكندرية قبل أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم يختلفون ويقولون: أيّ هو هذا حقيقة أم مجاز؟ أيّ هو ربنا أم ربنا بمعنى أن ربنا أيّده؟

طائفة الآريسيين وإسلام عدي بن حاتم الطائي وانقراضهم

وظهرت طوائف كثيرة، ومنهم طائفة الآريسيين وكانوا يقولون بنبوة عيسى عليه السلام. وكان منهم عدي بن حاتم الطائي المشهور بالكرم، وأسلم وجاء إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، وقال [له النبي ﷺ]: «ألم تكن من الآريسيين؟»، يعني أن رسول الله كان يعرف هؤلاء ويعرف ما يقولون.

والآريسيون انتشروا في فترة من الفترات قبل رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، ثم اندثروا شيئًا فشيئًا، وجاءت المجامع [الكنسية] وطردتهم وسمّتهم الهراطقة.

انشقاق الكنيسة بسبب الخلاف حول طبيعة المسيح ومناقشة وفد نجران

وقد أحدثت مشكلة كبيرة حكاية أن عيسى هو الإله، حتى انشقت الكنيسة بين شرقية وغربية، يختلفون: هل هذا الإله بطبيعة واحدة أم بطبيعتين؟ مشاكل.

فربنا [سبحانه وتعالى] في [قصة] وفد نجران وهو [الوفد الذي جاء] يناقش سيدنا محمدًا [صلى الله عليه وسلم]، يعرضون عليه أيضًا بعض هذه المشاكل، أيّ أن عيسى هو الإله بطبيعة أم بطبيعتين أم كذلك، أيّ يوجد كلام.

فيقول [الله تعالى]:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ﴾ [آل عمران: 59]

هذه هي الحجة البسيطة المعروضة على البشرية جمعاء، آمن من آمن بها وأصرّ على ما هو عليه من أصرّ، والأجر على الله.

الحجة العقلية في قياس خلق عيسى على خلق آدم من تراب

لكن الكلمة وردت واضحة:

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: 59]

أتتعجبون من أيّ شيء؟ من أنه وُلد من غير أب؟ فسيدنا آدم كان أعجب من هذا، فقد [خُلق] من تراب، ولكن هذا [عيسى] كان من بطن إنسان مكرّم هي السيدة مريم عليها السلام، فيكون أقرب إلى العقل.

ولكن سيدنا آدم، فهذا أُحضر قليلًا من تراب، فالملائكة أحضرتهم وعجنتهم وصنعتهم كما كانوا، ونُفخ فيه من روحه، فقط قال له كن فيكون.

إقامة الحجة على منكري الميلاد المعجز بقصة خلق آدم المعروفة عندهم

فعلامَ تتعجبون؟

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: 59]

قصة آدم هذه موجودة عندكم أم لا؟ قالوا: نعم موجودة. ربنا أخذ قليلًا من التراب وقليلًا من الماء، ونفخ فيه من روحه فصار آدم. قالوا: نعم.

إذن هو على كل شيء قدير. آه، حسنًا، جاء إلى السيدة مريم وقال لها: احملي بالأمر هكذا، فحملت فولدت، فماذا [تُنكرون]؟

﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]

الحق من ربك فلا تكن من الممترين وختام الحلقة

هذا الذي حدث في أشكال عقلية، يعني لهذا [الأمر] في [الآية] حجة عقلية أبسط وأقوى من هذا الكلام.

﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60]

لا تجادل إذن، فالحكاية أوضح من الواضحات وأبيَن من البيّنات، مرّرها إذن، انتهت الحكاية، وضحت وانتهت.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.