سورة آل عمران | حـ 412 | 62 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 412 | 62 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يتحدث القرآن في سورة آل عمران عن قصص حقيقية لزكريا ومريم وعيسى عليهم السلام.
  • القصص البشرية معرضة للتحريف سواء بقصد أو بغير قصد بسبب طبيعة اللغة حمالة الأوجه.
  • عند نقل الكلام قد يفهم المستمع معنى مختلفاً عما يريده المتكلم فينقله بخطأ.
  • كانت قريش تسمي الخطأ كذباً، كما حدث مع سعد يوم الفتح حين قال "اليوم يوم الملحمة".
  • من معجزات القرآن أن الله تعهد بحفظه رغم أنه منقول.
  • أنزل الله القرآن على قراءات متعددة لتؤكد حفظه ودقة نقله.
  • من عجائب حفظ القرآن أن الصغير والكبير يحفظونه، والعربي والأعجمي يتلونه.
  • القرآن محفوظ عبر القرون بشكل متطابق من المغرب إلى إندونيسيا.
  • حُفظ القرآن بطريقة مختلفة عن حفظ السنة لأنه كلام الله وليس كلام النبي.
  • القرآن فريد لا يوجد مثله، ولذلك يؤمن به المسلمون ويعظمونه ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن القرآن هو القصص الحق بعد قصص الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول الله سبحانه وتعالى بعد أن قصّ علينا القصص؛ قصة سيدنا زكريا، وقصة سيدتنا مريم، وشيئًا من قصة عيسى عليه الصلاة والسلام:

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]

أنه إذا كانت القصص يحدث فيها نقل، والنقل يحدث فيه تحريف؛ إما عن قصد وإما عن غير قصد؛ لأن الإنسان يتكلم بلغة، واللغة حمّالة أوجه، فيسمع هذه اللغة مستمعٌ فيحملها على ما يفهم، وبعض ما يفهم ليس هو الذي يريده المتكلم.

كيف يقع الخطأ في نقل القصص دون تعمد الكذب

فعندما أقصّ عليك قصة، فأنا أتكلم وأنت تسمع معنى معينًا، لكن هذا المعنى لا يصل إليك كما ينبغي، وتفهمه بفهم آخر. فإذا حكيته عني لا تكون كاذبًا بمعنى أنك قد تعمّدت الكذب عليّ، ولكن تكون مخطئًا؛ لأنك قد فهمت فهمًا غير دقيق أو فهمًا خاطئًا.

ومن هنا فإن قريشًا قد أسمت الخطأ كذبًا؛ خطأ يوافق اعتقادك أنت، تعتقد هذا لكنه يخالف الواقع، فكان خطأً، فتسمّى الخطأ كذبًا [في لغة قريش].

قصة سعد بن عبادة يوم الفتح وتصحيح النبي لمقولته

في يوم الفتح [فتح مكة] قال سعد [بن عبادة]: "اليوم يوم الملحمة، اليوم يوم الملحمة"، يعني ماذا؟ سنجعل الدم يصل إلى الرُّكَب، اليوم يوم الملحمة.

فقالوا لسيدنا رسول الله ﷺ: إن أبا سفيان جاء إليه وقال له: انظر ماذا يقول سعد، يقول اليوم يوم الملحمة، هل أنت ستقتل أهلك؟ الآن بعد أن طرده أهله وطردوا أصحابه وحاربوه وهكذا، وأرادوا أن يقضوا عليه، وبعد ذلك لما مضى [النبي ﷺ] قال لك أهله [أي لأبي سفيان]: كذب سعد، كذب سعد، اليوم يوم المرحمة.

فإذا "كذب سعد" فهذا يعني ماذا؟ أخطأ سعد، يعني وقع في الخطأ بلغة قريش. والشرّاح يقولون هكذا ويقولون: "كذب سعد" أي أخطأ بلغة قريش.

من معجزات القرآن حفظه رغم كونه منقولًا وتعدد القراءات دليل على ذلك

يبقى إذن القصص فيه نقل، والنقل يحتمل الخطأ. فكانت من معجزات القرآن وهو منقول أن يحفظه الله. وكل ما تتأمل في هذا القرآن وتتدبّر، تجد أن الله قد أنزله على هيئة تساعد في هذا الحفظ وتؤكده.

كان الله له أن ينزله على قراءة واحدة، لكنه أنزله على قراءات متعددة؛ حتى تعلم أن العلماء الناقلين لهذا الكلام على وعيٍ بكل حرف فيه، وبنطقه، وبطريقة أدائه. هذا الحرف مفتوح أم مضموم أم مكسور؟ يعرفون ويقولون لك هكذا: إنه هذا مفتوح وهنا مكسور وهنا مضموم.

سبحان الله! هذا أنتم لديكم كل شيء، هذا أنتم تعرفون إذن حرفًا حرفًا؟ قالوا: نعم بالتأكيد. فتؤكد القراءات المختلفة حفظ القرآن.

من عجائب حفظ القرآن أن الصغير والكبير والعربي والأعجمي يحفظونه

شيء غريب عجيب! ومن عجائب حفظ القرآن أن الصغير والكبير يحفظه، ليس هناك نصٌّ كذلك الصغير والكبير يحفظه.

ومن عجائبه أن العربي والأعجمي يحفظه، ليس هناك نصٌّ كذلك، ليس هناك شيء اسمه واحد عربي حافظ شكسبير مثلًا، ليس هناك شيء اسمه كذلك.

ومن عجائبه أنه محفوظ عبر القرون، يعني تأتي بمصحف من القرن الأول مكتوب في المغرب، فتجده هو نفسه المصحف من القرن العاشر مكتوب في إندونيسيا. ما هذا! من عجائب النقل! ولذلك كان الحفظ في جانب النقل من المعجزات.

الفرق بين حفظ القرآن وحفظ السنة دليل على أنه كلام الله لا كلام البشر

ومن عجائبه أنه محفوظ بطريقة لم تُحفظ بها السنة التي هي بقية كلام النبي ﷺ. أنت منتبه؟ الله!

فلماذا حُفظت هذه القطعة من كلام النبي [ﷺ وهي القرآن] وهذه القطعة [وهي السنة] لم يحفظوها هكذا؟ إن هذا كلام الله وليس كلام النبي [ﷺ فحسب]، لو كان كله كلام النبي لتداخل بعضه في بعض، ولوجدنا مثلًا قرآنات؛ فقرآن فيه زيادة وقرآن فيه نقص، لا يوجد شيء من ذلك.

الرد على من يطالب بتغيير القرآن وبيان تفرده وعظمته عند المسلمين

هكذا لدينا شيء مضحك، يقولون لنا: لماذا لا تغيّرون قرآنكم هذا؟ ألا تزيدوا فيه؟ فنقول لهم: كيف نغيّره وهو ثابت هكذا؟ فيقولون: إذن الشريعة جامدة! فنضحك أيضًا ونقول: إن هذا يصلح لكل زمان ومكان، لكنهم لا ينتبهون ولا يفهمون.

ما معنى أنه فريد عجيب وحيد؟ أي لا يوجد شيء كذلك، لا يوجد شيء في العالم كذلك. ومن أجل هذا يؤمن به المسلمون ويعظّمونه ويوقّرونه ويقدّسونه ويحبّونه، ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار؛ عسى أن يرضى الله عنا.

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.