سورة آل عمران | حـ 413 | 62 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 413 | 62 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • القرآن يبين أن هناك قصصًا حقًا وقصصًا باطلًا، والقصص الباطل يأتي من سوء الفهم المرتبط بسوء النية.
  • يشرح الأصوليون أن الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع، فالسامع حسن النية يحمل الكلام على محامله الصحيحة.
  • عوائق الفهم الصحيح تشمل سوء النية والغباوة والجهل باللغة، وهي تنتج القصص غير الحق.
  • كلام الله محفوظ وله معايير منضبطة لفهمه، وضع العلماء أدوات في علم أصول الفقه لضبط الفهم السليم.
  • القرآن هدى للمتقين، أما غير المتخصص الذي لا يطلب الهداية فيراه متناقضًا.
  • "وما من إله إلا الله" قضية الكون الأساسية، والناس ينقسمون بين من يؤمن بتدخل الله في حياتهم ومن يفصل بينهما.
  • من يفرقون بين الإيمان بالله ورسله يريدون اتخاذ سبيلًا بين الإيمان والكفر.
  • كل حرف في كلام الله له معنى وليس فيه حشو، وصفاته كالعزيز الحكيم تبين جلاله وعلمه المطلق.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة والتفريق بين القصص الحق والقصص الباطل في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما قصّ علينا القصص:

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]

فبيّن بذلك أن هناك قصصًا حقًّا وأن هناك قصصًا باطلًا. والقصص الباطل يأتيه الفساد من سوء الفهم، وسوء الفهم يأتي من أمور، منها سوء النية.

أثر سوء النية على الفهم وقاعدة الاستعمال والحمل والوضع في أصول الفقه

عندما يكون الإنسان سيّء النية فإنه يفهم ويسمع ما يريده، ويحمل الكلام على غير وجهه. ولذلك فإن الأصوليين من أهل الإسلام يقولون إن هذه اللغة وهي تتداول بين الناس: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما.

ما هذا الكلام؟ يعني ما هذه العبارة؟ هذه عبارة كذلك في أصول الفقه، إنما هي شيء آخر تلخّص لك كل الذي يحدث في هذا العالم. أنا أريد أن أتكلم كلامًا فأستعمل اللغة، معي فقلت لك الكلام. أنت سليم النية فتحاول أن تفهم الكلام على أحسن محامله.

سوء النية والغباوة والجهل باللغة من عوائق الفهم الصحيح للكلام

إنما لو تقول لي إنك تشتمني وأنا أنصحك، تقول لي إنك تشتمني! يعني لو كنت قد أخذت على خاطرك مني شيئًا، فحاول أن تجد أن أذنك سمعته بطريقة أخرى. فـسوء النية أحد عوائق الفهم.

والاستعمال من صفة المتكلم، والحمل -كونك تحمله على المعنى الصحيح أو على المعنى القبيح- من صفة السامع. فالسامع يقول: لا، هذا قصده أن يتهمني يا أخي! الكلام ليس فيه شيء، أنا سامع وليس فيه شيء. يقول لك: لا، أنت لست تعرف ولكن نيته السوداء!

فـسوء النية يعطّل الفهم الصحيح، والغباوة تعطّل الفهم الصحيح، والجهل باللغة يعطّل الفهم الصحيح. كل هذه الأشياء عوائق للفهم الصحيح.

الفرق بين القصص الحق والقصص الباطل وأثر حسن النية وسوئها في النقل

وهي هذه [العوائق] التي تفعل مع حسن نية القصصَ غير الحق، فما بالك إذن مع سوء النية؟ أنا حدّثتك عن شخص ذهبت فحرّفت الكلام ونقلته بعد التحريف لتوقع بيني وبينه: بالمناسبة هذا قال كذا وكذا.

ما هذا الإيقاع الذي بيني وبينه؟ يكون هذا قصصًا غير حق.

كلام ربنا لأنه محفوظ، وكلام ربنا لأن له معايير لفهمه منضبطة وضعها الله سبحانه وتعالى وعلّمها عباده. ولذلك قام المجتهدون الأتقياء والأنقياء بوضع هذه الأدوات ووضعوها في شيء يسمى أصول الفقه، أي كيف تتفقّه وكيف تفهم.

خطورة قراءة القرآن بدون طلب الهداية وبدون تخصص في أدوات الفهم

ولذلك عندما يقرأ الكتاب [القرآن الكريم] غير المتخصص يقرأ هكذا هو ولا يطلب منه الهداية، فيذهب به في كل شيء مكان؛ لأنه لا يريد به الهداية. يقول: انظر هذا متناقض! انظر هذا أنا لا أفهمه! انظر هذا كلام لا معنى له! انظر وهكذا...

ولا يبقى [القرآن] هدًى له، وهو عليهم أي عمًى، إنما هو هدًى لمن؟ للمتقين.

فمتى ستشعر بهذا القصص الحق؟ عندما تكون [من المتقين]، عندما تكون من المؤكد أن هذا هو القصص الحق.

عظمة آية إن هذا لهو القصص الحق وقضية التوحيد وما من إله إلا الله

هذا ما هو، انظر جملة واحدة قضينا فيها حلقتين أو ثلاث!

﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]

هذه قضية الكون هكذا: يوجد إله. أغلب البشر يقولون يوجد إله، إنما هل له سلطان علينا أم لا؟ هنا ينقسم البشر إلى قسمين:

  • قسم يقول: طبعًا، هل لنا غير الله؟
  • والآخر يقول: لا، ما له علاقة بنا، هو موجود نعم، لكن ما له علاقة بنا.

أعطِ الذي بيننا وبينه [مثالًا]: ائتِ بواحد وقل له أنت مؤمن بالله؟ يقول لك: إذن نعم مؤمن. طيب، هذا الله يقول لك صلِّ. قال: ما له علاقة بنا! الله لا يقول [لنا شيئًا]. لماذا أصلي أو أصوم أو أزكّي أو أقول الكلام الطيب أو لا أقتل أو لا أسرق أو لا أزني؟ لا، لا، ربنا في شأنه ونحن في شأننا!

حكم من يفرق بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل والتكليف الإلهي

الذين يريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله يعني:

﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا * أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: 150-151]

هؤلاء كافرون. لكن هذا [الشخص] يقول أنا مؤمن بالله! نعم، هذا غير مؤمن بالرسول، يقول ربنا ليس له علاقة بنا، لم يوحِ [بشيء] هذا.

دلالات آية إن هذا لهو القصص الحق على أدوات الفهم وحسن النية والعلم

فانظر إذن إلى الكلمة الثانية [في الآية]. قضية أن:

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]

قضية تعلّمك كيف تفهم، قضية تلفت انتباهك لما يحدث بين الخلق من نقل. تلفت [نظرك إلى] وظيفة اللغة، تلفت نظرك إلى حسن النية، تلفت نظرك إلى العلم، تلفت نظرك إلى أدوات الفهم، تلفت نظرك إلى المصادر واعتماد المنهج العلمي.

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]

ما هذا؟ هذا شيء عالٍ جدًّا!

كل حرف في كلام الله له معنى وقضية التوحيد جوهر النزاع بين البشر

ومن بعدها يقول ماذا؟

﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]

إذن هذا الكلام ليس فيه حشو، ليس به كلمات زائدة بدون معنى مجرد تكميل لنختتم الآية، أم لا شيء. وهذا موجود في كلام البشر، لكن أبدًا في كلام الله أبدًا! كل حرف يا أخي له معنى وله قصة.

﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 62]

هذه هي الحكاية كلها في النزاع الذي يحدث الآن: أن هناك إلهًا غير الله أم لم يوجد؟

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]

في الهوى مع الله [إله آخر]! يعني أم ربنا وحده هو الذي يأمر وينهى في التكليف أم لا يوجد تكليف؟

معنى اسم الله العزيز الحكيم وعلاقته بالتكليف والمحاسبة والجلال

﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 62]

هذه قصة أخرى. وأن الله لهو العزيز الحكيم. هذا يقول لي: كما خلقتك، كما كلّفتك، أنت ستعود إليّ.

وبعد ذلك ربنا سبحانه وتعالى ليس هو رحيمًا ورحمانًا وله الجمال [فحسب]، لكن له الجلال لكي نستقيم نحن هنا. فيقول لي ماذا؟ عزيز وحكيم.

والحكيم هذا يكون مطّلعًا أم لا يكون مطّلعًا؟ الله! هذه مسألته الثالثة في العلاقة بيني وبينه سبحانه وتعالى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، عليكم السلام ورحمة الله.