سورة آل عمران | حـ 417 | 66 - 68 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 417 | 66 - 68 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تشير الآية الكريمة "فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" إلى ضرورة الالتزام بالمنهج العلمي في الحوار.
  • يجب ألا نتحدث فيما لا نعرف، وأن نقف عند حدود علمنا، وأن نطلب ما لا نعلم بنية صادقة.
  • مشكلة البشر أنهم يستكملون النقص في معلوماتهم بأهوائهم وانطباعاتهم الشخصية.
  • للآية "والله يعلم وأنتم لا تعلمون" دلالة استقلالية تتجاوز سياقها لتشمل حياة المسلم كلها.
  • هذه الدلالة تؤدي إلى الاعتراف بظنية العلم البشري، وإسناد الفضل لله، والتواضع العلمي.
  • تُستخدم هذه الآية كقاعدة في حسن الظن بالآخرين والتماس الأعذار لهم.
  • وضحت الآيات أن إبراهيم عليه السلام كان حنيفاً مسلماً، وأن أولى الناس به هم من اتبعوه والنبي محمد والذين آمنوا.
  • الإيمان بأن إبراهيم كان مسلماً قضية مستقلة تستحق المراجعة والتدبر.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة وتلاوة آية المحاجة من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 66]

أصول الحوار العلمي الرصين والوقوف عند حدود العلم

إذا علمنا أن ندعو إلى الحوار وأن يكون بين المتحاورين مشترك، وأن نراعي الأدلة ونراعي في الأدلة المقررات العقلية كما ذكرنا في حلقات سابقة؛ ثم يعلمنا هنا [في هذه الآية] أننا لا نهرف بما لا نعرف، وأن المنهج العلمي الرصين يتلخص في قوله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]

ولذلك يجب علينا أن نقف عندما نعلم، وأن نطلب ما لا نعلم، وأن يكون طلب الحق غاية نريد أن نصل إلى الحق؛ فيجب أن يكون ذلك بحسن نية وتوجه، ولا نهرف بما لا نعرف.

مصيبة البشر في الخلط بين العلم والأهواء والانطباعات الشخصية

مصيبة البشر أنهم يأتون بمعلومة ثم يكملون من أذهانهم، من أهوائهم، من انطباعاتهم.

تريد أن تكون قويًا؟ ابقَ مع الحق كما هو، حينئذٍ ستكون منصفًا عادلًا. فإذا كنت قويًا عالمًا منصفًا عادلًا، يعني يا هناءك! فأنت على الحق.

الدلالة الاستقلالية لقوله تعالى والله يعلم وأنتم لا تعلمون

وهناك دلالة استقلالية في الآية. ما الدلالة الاستقلالية هذه؟ قلنا: كلمة تصلح لأن تكون مبدأً، تصلح لأن تكون عنوانًا، تصلح لأن تكون مستعملة في معناها في كل شيء في حياة الإنسان.

تقول ماذا؟

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 66]

هو هنا قالها [الله سبحانه وتعالى] في جدال ديني وحوار بيننا وبين الآخر، هذا هو السياق. لكن الدلالة الاستقلالية الخاصة بها تعمل ماذا؟ ترفعها فتصبح في كل شيء في هذه الحياة.

منهج العلماء في قول الله أعلم وأدلته من القرآن الكريم

نقول: الله أعلم. ولذلك ترى مشايخنا، هذا ليس كلامًا عابرًا، بل كان منهجًا؛ بعد أن يتكلم ويقول ويبين العلم يقول: والله أعلم. أتلاحظ؟

انظر:

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 66]

إلا بتعليمه [سبحانه وتعالى]:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

والله عليم.

ثمرات الدلالة الاستقلالية من الاعتراف بالظنية والتواضع لله

إذن هذه [الدلالة الاستقلالية] ينبغي أن ننتبه إليها كثيرًا من ناحية الدلالة الاستقلالية لهذه الآية؛ تنفعنا في حياتنا كلها وتؤدي إلى:

  • الاعتراف بالظنية [في كثير من المسائل الاجتهادية].
  • الاعتراف بالاجتهاد ومدى خطئه.
  • التبري من الحول والقوة وإسناد الحول والقوة لله [وحده].
  • التواضع ومعرفة أن ما عندنا من علم فبفضل الله علينا.

وأن العلم منسوب في فضله إليه سبحانه وتعالى، وليس من حولنا وقوتنا وتحصيلنا وكسبنا، وإنما هو من فضل الله وحده لا شريك له.

سعة معاني الآية وأثرها في التوبة وحسن الظن بالناس

وتظل تكتشف منها أشياء وأشياء كذلك؛ فكلما تأملت كلما اتضح لك. والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

وستصطدم معها وأنت تظلم أحدًا، ثم يتبين لك الحق فتقول: سبحان الله، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. وتكون فاتحة خير لك في التوبة، وفاتحة خير لك في حسن الظن بالناس، وفاتحة خير لك في أن تعتذر لأخيك سبعين عذرًا؛ فإذا لم تجد قلت: لعله له عذر وأنا لا أعلم.

وتفتح لك من الخير ما الله به عليم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون؛ لها معنى في الآيات، لكن هو فرد من أفراد معانيها الاستقلالية الواسعة الكبيرة، لا ينكر بعضها على بعض بالبطلان، بل يضيف بعضها إلى بعض سعة معنى يؤخذ من هداية كتاب الله سبحانه وتعالى، وهو معجز فتنبه؛ فإنه يخفى على كثير من الناس.

تفسير المحاجة بالعلم المتوهم والعلم المنعدم في الآية

﴿هَـٰٓأَنتُمْ هَـٰٓؤُلَآءِ حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: 66]

متوهم؛ ليس ضروريًا أن يكون علمًا، يعني غير ذلك [قد] تتوهمون أنه علم. ولماذا سماه علمًا؟ لأنهم يعني يعتقدون فيه وفي صحته؛ فسماه أنه علم من قبيل الصورة [لا الحقيقة].

﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: 66]

على الإطلاق؛ لا ظنًا ولا قطعًا، لا وهمًا ولا صورة ولا حقيقة.

﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 66]

إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا بل كان حنيفًا مسلمًا

﴿مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]

﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [آل عمران: 68]

إذن نحن من أولاد إبراهيم [عليه السلام] ومتمسكون جدًا بسيدنا إبراهيم. وسيدنا إبراهيم هو الذي بنى لنا الكعبة التي نتوجه إليها كقبلة، وسيدنا إبراهيم هو أبو النبي ﷺ جده الكبير، وسيدنا إبراهيم هو الذي سمانا المسلمين من قبل، وسيدنا إبراهيم وهكذا. والله ولي المؤمنين.

معنى أولى الناس بإبراهيم وأفعل التفضيل في الآية

يبقى أولى الناس — وهي أفعل تفضيل يقتضي المشاركة — بإبراهيم [عليه السلام]:

﴿لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِىُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [آل عمران: 68]

هؤلاء هم أولى الناس بإبراهيم.

أنت إبراهيمي؟ قال لي: نعم، معترف بإبراهيم. وأنت؟ قال لي: وأنا أيضًا معترف بإبراهيم. فلماذا لا تأتي؟ حتى تكونوا [على الحق] يجب أن تؤمنوا أن إبراهيم كان مسلمًا.

إبراهيم كان مسلمًا قضية مستقلة عن صدق محمد ﷺ ودعوة للمراجعة

إبراهيم كان مسلمًا، هذا سيحدث فرقًا كبيرًا. هذا لا علاقة له بصدق محمد ﷺ؛ هذه قضية مستقلة أن إبراهيم [عليه السلام] كان مسلمًا.

راجعوا فستجدون أن إبراهيم كان مسلمًا، ستندهشون من هذه المراجعة! بعد أن تندهشوا، الله سبحانه وتعالى يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل.

خاتمة الحلقة وتأكيد أن إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا

يبقى لنا كلام آخر [في حلقات قادمة] أن إبراهيم [عليه السلام] كان مسلمًا، نعم، ولكن:

﴿كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]

فالحمد لله رب العالمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.