سورة آل عمران | حـ 418 | 69 - 71 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 418 | 69 - 71 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يبين القرآن الكريم في سورة آل عمران طريقة التعامل مع غير المسلمين، معلمًا المسلمين الإنصاف حتى في أصعب الظروف.
  • قوله تعالى "ودت طائفة من أهل الكتاب" وليس "ود أهل الكتاب" يوضح أن ليس كل أهل الكتاب يريدون إضلال المسلمين.
  • يعلمنا الله تعالى فتح الصدر والنسق المفتوح في الحوار، والتحلي بالأدب وعدم التعجل في الحكم على الآخرين.
  • الآية تخبرنا عن نوايا بعض أهل الكتاب دون تعميم، مع التنبيه أن من يحاول الإضلال إنما يضل نفسه.
  • يستنكر القرآن على أهل الكتاب كفرهم بمحمد ﷺ مع إيمانهم بالإله والوحي والرسل والكتب واليوم الآخر.
  • النبي ﷺ أيده الله ونصره وحفظ كتابه وعترة أهل بيته.
  • يعلمنا القرآن المنهج الصحيح بعدم خلط الحق بالباطل، وعدم كتمان الحق مع العلم به.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في منهج التعامل مع الآخر من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين، وهو يرسم لنا طريقة التعامل مع الآخر؛ أي مع غير المسلمين. وهو يعلمنا الإنصاف ولو كنا في أدق الظروف من سوء الفهم والتشويه والعدوان.

ولكن المسلم يجب أن يكون منصفًا، يبحث عن الحق والحقيقة دائمًا، في زمن الحرب قبل زمن السلم، في زمن الضيق قبل زمن الرخاء.

دلالة قوله تعالى ودت طائفة على الإنصاف وعدم التعميم

﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 69]

ولم يقل "ودّ أهل الكتاب"، بل قال "ودّت طائفة". ما رأيك؟ هذا [الفرق] واحد يريد أن يتحاور؛ لو قال "ودّ أهل الكتاب" لأُغلق الباب، انتهى، أهل الكتاب ضدنا ونحن ضدهم.

لكنه قال "ودّت طائفة"، ولم يقل من هذه الطائفة [بالتحديد]. لم يقل عندما نجلس مع هؤلاء [أهل الكتاب] نقول لهم: ما هو "ودّت طائفة"، فيقولوا: نحن لسنا هكذا، نقول لهم: حسنًا، الحمد لله، جيد. إذن سنفتح مع بعضنا البعض حوارًا.

نذهب إلى الآخرين، الطائفة الثانية، يقول [أحدهم]: لا، التي أنتم تتحدثون عنها هذه [هي نحن]، نقول لهم: حسنًا، جيد.

تعليم الله لنا فتح الصدر والأدب وعدم التعجل في الحوار

فعلّمنا الله فتح الصدر، النسق المفتوح؛ يعني [جعل الأمر] واسعًا علينا. وعلّمنا شيئًا آخر من الآداب؛ أن أنا لا أقسو على الذي أمامي، وأن أنا أحنو عليه، ما دمنا سنجلس.

ما يمكن الحوار يا أخي يأتي بشيء هكذا [بالقسوة والتعجل]، جيدة.

﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ﴾ [آل عمران: 69]

إذن فهو [القرآن] يعلمني الإنصاف، ويعلمني الأدب، ويعلمني ألا أتعجل.

الإخبار عن نية الإضلال وحسن الظن بالمحاور في الحوار

﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: 69]

هذا يخبرني عن شيء في القلب؛ في طائفة كذلك لا بد أن أصدّق الله، قل صدق الله. إنما لا أستطيع أن أقول: أنت الذي أمامي الآن ومعي على الطاولة في الحوار تريد هذا [الإضلال].

أنا سأظن فيك خيرًا؛ لأن ربنا أمرنا بحسن الظن. وكذلك أخفى عني من هي هذه الطائفة [بالتحديد]، فأنا سأصبر ونرى.

من أراد الإضلال فإنما يضل نفسه ولا يضر المؤمنين

﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 69]

هذا [المُضِل] يخدع نفسه وهو حر. نحن نبحث عن الحق والحقيقة، ومن أراد أن يُعمي على نفسه الطريق فقد ظلم نفسه.

﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [آل عمران: 69]

هذه الصفات كلها عند المنصف؛ لو كان واحدًا من هذه الطائفة وجاءته حالة كهذه من الإنصاف، ووجد ما يشعر به في صدره، فإنه يصدّق بكلام الله؛ لأن لها فائدة أخرى، لأن هذا الكتاب للعالمين وليس للمسلمين فقط.

القرآن يخاطب العالمين ويكشف ما في النفوس عبر القرون

فهو [غير المسلم] يقرأ هكذا [كلام] الله، طيب، وما يعرف محمد بالأمر الذي في نفسي؟ هذا محمد الذي كان من أربعة عشر قرنًا، والأمر هذا موجود في نفسي أنا الآن.

هذا يعني أن الذي يقول هذا هو ربنا [سبحانه وتعالى]. وهل هذا ما سيحدث مع كل واحد؟ لا، سيحدث مع واحد يريد الله أن يهديه.

مخاطبة أهل الكتاب بالحجة لاعترافهم بأصول الإيمان

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: 70]

ما أنتم ترون؟ ها أنتم اعترفتم بالإله، واعترفتم بالوحي، واعترفتم بالرسل، واعترفتم بالكتب، واعترفتم بالوحي، واعترفتم بالتكليف، واعترفتم باليوم الآخر.

ما أنتم تشهدون، ها، وشاهدون على معنى هذا كله، فلماذا تكفرون إذن بالباقي وهو محمد [صلى الله عليه وسلم]؟

تفرد النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالتأييد الإلهي والنصرة

فهل محمد هذا مثله مثل هذا [أي شخص عادي]؟ محمد هذا صلى الله عليه وآله وسلم ما له مثيل يا إخواننا. هذا ربنا أرسله وأيّده ونصره وبارك فيه وفي أهله وفي قومه.

هذا [النبي ﷺ] قال:

«تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»

فإذا بكتاب الله محفوظ، وعترة أهل البيت محفوظة.

استحالة اندثار الإسلام لأن الله أيد نبيه ونصره

فهل كان هذا [الحفظ] بيده ﷺ أم لم يكن ممكنًا؟ هذا الكتاب [كان يمكن] أن يندثر؛ إنه لم يكن من الممكن أن ينتصر الفرس والروم على المسلمين ويقضوا عليهم تمامًا، بحيث يصبح محمد شيئًا مثل عنترة أو امرئ القيس. كان ذلك ممكنًا [في الظاهر].

ولكن لأنه مؤيَّد من ربه صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الذي نصره هو الله، وبارك فيه، وأكثر من أتباعه.

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]

وأكثر من أهل بيته، وأبرز قبره الشريف صلى الله عليه وسلم، وأجرى الخير على يديه، فكان رحمةً للعالمين إلى يوم الدين. وفي يوم الدين سيشفع في الخلق سيدنا رسول الله، ظاهرًا [و] باطنًا رسول الله [صلى الله عليه وسلم].

النهي عن لبس الحق بالباطل ومنهج الإنصاف مع أهل الكتاب

فلِمَ تكفرون؟

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]

انظر كيف يكون [الأمر]؛ إذا كان عندهم حق، هذا ربنا يقول هكذا. وعندما نأتي نتكلم يقولون: والله أنتم لا تصدقون بالحق الذي عندنا. لا، طبعًا نصدّق بالحق الذي عندكم.

نحن فقط لا نصدّق بما أخبرنا الله عنه أنه باطل، إنما نحن لا نخلط أيضًا الحق بالباطل.

﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ [آل عمران: 71]

إذن وهو [القرآن] يعلمنا المنهج، فإن من المنهج الصحيح ألا نلبس الحق بالباطل.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.