سورة آل عمران | حـ 421 | 75 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يحذر الله تعالى في سورة آل عمران من التعميم في الأحكام، داعياً للإنصاف والعدل في تقييم الناس.
- •ينبغي رؤية الواقع كما هو، فمن أهل الكتاب أمناء يؤدون القنطار إذا اؤتمنوا عليه.
- •القنطار جاء مطلقاً ليشمل الذهب وما هو أغلى منه، فقلة القيود تكثر الموجود.
- •يوجد صنفان من الناس: من يؤدي الأمانة العظيمة (القنطار)، ومن يخون في الأمانة الصغيرة (الدينار).
- •سبب الخيانة عند الصنف الثاني قولهم "ليس علينا في الأميين سبيل"، واختلاقهم الكذب على الله.
- •هذا الانفصال عن العقيدة هو أساس الفساد الأخلاقي.
- •يحذر المسلمين من الوقوع في نفس أخطاء الأمم السابقة التي ضلت بسبب عدم التزامها بكلمة الله.
- •المسلم مأمور باجتناب المفاسد وتحقيق المصالح، وألا يكون مثل من ضل من قبله.
مقدمة الدرس وبيان أن القرآن يقرر حقيقة في طبيعة البشر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة في البشر أجمعين عندما لا يلتزمون بمراد الله من خلقه ومن أوامره ونواهيه؛ طبيعة في البشر هكذا.
وجوب الإنصاف وتجنب التعميم في الأحكام على أهل الكتاب
يقول [الله تعالى]:
﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 75]
يعلمنا بهذه الكلمة الإنصاف؛ لا بد أن تكون عادلًا، لا بد أن تقيم الواقع على ما هو عليه. لم يقل إن أهل الكتاب كلهم هكذا، فمنهم من يعلمك ماذا؟ تجنب التعميم في الأحكام.
لا بد أن ترى الواقع على ما هو عليه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
بيان معنى القنطار في القرآن وقيمته المالية الضخمة
ومن [أهل الكتاب] يعني بعض أهل الكتاب:
﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِٓ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75]
والقنطار يزن حوالي ثمانين كيلوغرامًا من الذهب، قنطار ذهب. يعني بقنطار، وبعد ذلك أطلق ولم يقل بقنطار ماذا؟ قنطار ذهب أم بقنطار قمح أم بقنطار ماذا بالضبط؟ قنطار قطن؟ قنطار القطن في حدود مائتي جنيه.
قنطار الذهب لا، بكثير؛ لأن الكيلوغرام بكم الآن؟ الغرام بكم؟ مائة، والكيلوغرام بألف، إذن بمائة ألف. مائة ألف في ثمانين، إذن بثمانية ملايين، إذن ملايين مملوءة.
سبب إطلاق لفظ القنطار بدون تحديد وإعجاز القرآن في ذلك
حسنًا، ولماذا ترك قنطارًا هكذا بدون تحديد؟ لأن القنطار عند العرب عندما تُطلق يُقصد بها الذهب، إذن إعجاز في إعجاز.
القنطار على الفور يذهب ذهن العرب ليس إلى قنطار القطن، بل يذهب إلى قنطار الذهب حالما يقول له قنطار. من أن تؤمنوا بقنطار، قنطار على الفور قنطار ذهب.
إذن لماذا لم يقل ذهب للمزيد من الإيضاح؟ قال: ربما شيء يظهر أغلى من الذهب بعد ذلك. وظهر، ظهر البلاتين أغلى من الذهب؛ البلاتين قيمته يمكن ثلاث مرات أكثر.
ظهور مواد أغلى من الذهب والبلاتين كاليورانيوم والمواد المشعة
ويمكن أن يظهر شيء أغلى من البلاتين، يظهر! تخيل مثلًا اليورانيوم والمواد المشعة التي تصنع [السلاح] النووي، الذي يأتي بمشاكل؛ يقول لك سلمي ومش سلمي وحربي وغير حربي.
فما هي أغلى كثيرًا بملايين الملايين عن ماذا؟ عن الذهب. إذن إذا كان القصد من عدم التعميم [في لفظ القنطار فقد تحقق الإعجاز].
قاعدة قلة القيود تكثر الموجود وتطبيقها على إطلاق لفظ العلم
قال [الله تعالى]:
﴿هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
ماذا؟ أي علوم؟ يعني الكونية أم العقلية أم الرياضية أم الشرعية أم التاريخية أم الإنسانية؟ فيكون أي علم مفيد؛ لأنه أطلق، فتكون قلة الحدود [أي] قلة القيود تكثر الموجود.
قلة القيود: لم نقل ذهب، فيدخل فيها الذهب والبلاتين واليورانيوم وكل شيء. قلة القيود تكثر الموجود، قاعدة هكذا: قلة القيود تكثر الموجود.
القسم الأمين من أهل الكتاب والقسم الخائن والفرق بينهما
﴿مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِٓ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75]
هذا أمين، نعم؛ لأنه يراعي ربنا، كل الناس تراعي ربنا أبدًا.
ومنهم هذا القسم الثاني ها هو:
﴿مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِٓ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75]
الدينار هذا من أي شيء؟ من الذهب. الدينار مصنوع [من الذهب]، تأمل طوال عمره في الجاهلية والإسلام. الوداعي رجّح أن القنطار الذي فوق [أي في الآية الأولى] قنطار هو ذهب؛ لأنه قال في المقابل الدينار الذي هو الذهب.
وكان وزن الدينار أربعة غرامات وربع، فيبقى الفرق ما بين أربعة غرامات وربع وما بين ثمانين كيلوغرامًا؛ هذا بالغرام وذاك بالكيلوغرام، لا فرق كبير [بل فرق هائل].
المقارنة بين من يؤدي الملايين ومن يبخل بمائة جنيه
﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ﴾ [آل عمران: 75]
مائة جنيه! هناك قلنا كم؟ ثمانية ملايين، هنا كم؟ مائة جنيه. يعني واحد تضع عنده ثمانية ملايين، سبحان الله، يعطيها لك، هاتها يعطيها لك. وواحد تضع عنده مائة جنيه يبخل عليك بها.
﴿لَّا يُؤَدِّهِٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا﴾ [آل عمران: 75]
ذاهبًا آيبًا. فما يكون صنف هذا الثاني؟ ما صنفه؟ إن هو رجل ضال يأكل حقوق الناس.
أساس الضلال هو الانفصال عن العقيدة وادعاء عدم المسؤولية
طيب، مثال صالح ومثال طالح، فأين المفاهيم الأساسية التي وراء الصلاح والطلاح هذا؟
ذلك [أن] هذه الحالة لأنها رجعت لنفسية كل واحد؛ انتزعت أساس القيم:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75]
يعني نحن فقط [لا نُحاسب على أموال غيرنا].
﴿وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75]
الكتب المقدسة لم تقل هذا! الكتب المقدسة أمرت بألا تسرق وألا تكذب وألا تخون وألا كذا وكذا. حسنًا، وهذا من أين يأتي؟ الانفصال عن العقيدة.
تحذير المسلمين من تكرار أخطاء الأمم السابقة ودعاء ختامي
حسنًا، وأنزل لنا [الله هذا القصص] لماذا هكذا؟ يقول لنا إياكم أن تفعلوا أنتم هكذا؛ يكرّهنا في هذا. حسنًا، وإن فعلنا فقد انتهى الأمر فيصبح [المسلم] مثلهم.
المسلم ليس متميزًا [بذاته بل بالتزامه]؛ المسلم مأمور أن يفر من كل مفسدة وأن يؤدي كل مصلحة. فانتبه ألا تكون هكذا! هذا يقول لك: إنما ضلت هذه الأمم من قبلكم من أجل أنهم لم يلتزموا بكلمة الله، وهذه هي كلمة الله.
يا رب وفّق المسلمين لأن يفهموا كتاب ربهم، وأن تخرجهم من الظلمات إلى النور كما أخرج أسلافهم، يا رب العالمين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
