سورة آل عمران | حـ 423 | 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تحذر الآية في سورة آل عمران من الذين ينقضون عهودهم لأجل منافع دنيوية، فيحرمون من خمسة أمور في الآخرة.
- •العهد يشمل ما بين الإنسان وربه، وما بين الإنسان وأخيه، فنقض العهد مع الناس هو نقض للعهد مع الله.
- •أمرنا الله بالوفاء بالعهود والعقود، وكل عهد سيكون مسؤولاً عنه العبد.
- •ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالاً عظيماً في الوفاء بالعهد في صلح الحديبية.
- •وافق الرسول على شروط قاسية منها رد المسلمين الذين يأتون إليه، ولم يُنقض العهد حتى عندما جاء أبو جندل مسلماً.
- •رد النبي أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو التزاماً بالعهد رغم اعتراض الصحابة.
- •علمنا النبي كيفية إدارة الأزمات بالتوازن بين الخطاب الداخلي والخارجي.
- •اتباع منهج النبي في الوفاء بالعهود والتعامل بحكمة ينهض بالأمة ويرفع شأنها.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الوعيد لناقضي العهد من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰٓئِكَ لَا خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77]
خمسة أشياء [ذُكرت في هذه الآية عقوبةً لناقضي العهد]: خمسة [عقوبات شديدة توعّد الله بها من يشتري بعهد الله وأيمانه ثمنًا قليلًا].
نوعا العهد: العهد بين الإنسان وربه والعهد بين الإنسان وأخيه
إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا، يبقى إذن في نقضٍ للعهد. هناك عهدٌ بين الإنسان وبين ربه، وهناك عهدٌ بين الإنسان وبين أخيه من بني البشر.
أمر الله سبحانه وتعالى في العهد الذي بينه وبين البشر أن نوفي بالعهد الذي بيننا وبين إخواننا من البشر:
﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]
هكذا يصبح إذن: من نقض العهد الذي بينه وبين أخيه [من البشر]، فقد نقض العهد الذي بينه وبين الله.
كل عهد مسؤول عنه الإنسان سواء كان مع الله أو مع الناس
ولذلك يأتي [القرآن] ليقول لك: ما هو أن العهد كان مسؤولًا؟ العهد نفسه، أيُّ عهد.
ما هو العهد الذي بينك وبين الله ينقض بنقضك بالعهد الذي بينك وبين الناس؟ في أيِّ عهدٍ؛ العهد الذي بينك وبين الناس، أو العهد الذي بينك وبين الله، ستُسأل عنه.
﴿إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 34]
كلُّ العهد، جنس العهد، ما دام فيه عهدٌ فلا بدّ أن توفي بالعهد.
صبر النبي ﷺ على الوفاء بالعهد في صلح الحديبية وبنود المعاهدة
ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء الكثير، وصبر صبرًا لا صبر بعده عندما تعلقت المسائل بالعهد، وعلّمنا ذلك.
جاء في عهد الحديبية الذي اسمه صلح الحديبية؛ عهدٌ فجلس في كلامٍ طويلٍ سهيل بن عمرو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكُتبت الوثيقة.
تقول [الوثيقة] إنه لو جاء أحدٌ من المشركين مسلمًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّه إلى أهل مكة؛ لأنهم يعتبرونها أي عيبًا شديدًا ألّا يكون لهم سلطانٌ وسيطرةٌ على أولادهم. وإن ارتدّ أحدٌ من المسلمين عن الإسلام ولحق بأهل مكة فلا يردّونه إليهم.
موقف النبي ﷺ من بند ردّ المرتد وقبوله بحرية الاختيار
حسنًا، هذا مقبول؛ مسلمٌ لا يريد أن يبقى على الإسلام فليذهب بسلامٍ إلى المشركين فهو حرّ:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
ولن نُبقي معنا أحدًا لا يرضى أن يؤمن؛ فإذا أظهر الإيمان [وهو كاره] كان منافقًا، والمنافق في الدرك الأسفل من النار، فعلى ماذا نبكي؟ يعني مع السلامة.
لكن المسلم هذا الذي يأتي يستغيث بي ويقول له: أغثني من المشركين، قال له [النبي ﷺ]: هكذا [هو الشرط في المعاهدة]، ما يوجد مانع [من ردّه].
قصة أبي جندل واعتراض الصحابة على ردّ المسلم إلى المشركين
وقبل أن يوقّع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ويختم بخاتمه الوثيقة، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو مسلمًا. فقال له [سهيل بن عمرو]: هذا أول العهد يا محمد.
فقال الصحابة: نحن نردّ مسلمًا إلى المشركين يا رسول الله؟! وماذا يريدون؟ أن يُخرجوا السيوف ويجعلوها حميّةً [لنصرته].
لم تُختتم بعد [المعاهدة]! هم الصحابة ينبّهون رسول الله، يقولون: يا رسول الله أنت لم تختتم بعد [أي لم تُوثّق المعاهدة بعد]، ما زالت المعاهدة لم تُوثّق.
فنّ التفاوض النبوي والتفريق بين خطاب الداخل وخطاب الخارج
فقال [النبي ﷺ] لسهيل: لم أنتهِ بعد. انظر، يعلّمنا التفاوض، ويعلّمنا كيف نعمل، وكيف نوسّع صدورنا، وكيف ندير الأزمات.
كيف ندير الأزمات؟ فنظر [النبي ﷺ] إلى سهيل. انتبه! نظرته إلى سهيل هذه تعلّمنا نحن أن هناك خطابًا للداخل وخطابًا للخارج.
خطاب الداخل: المحافظة على المسلمين؛ المسلمون متعبون أنهم أيضًا ما لن ينصروا المسلم الذي جاءهم. والآخر [خطاب الخارج]: هذا ابنه [أي أبو جندل ابن سهيل].
فقال [النبي ﷺ]: لم أختتم، يعني لا أقول لهم لا، لن يرجع. لا، هو يقول له الذي قاله له [أمام] الرأي العام الذي قاله له [هو]: الرأي العام اختتم، أنت ما ختمت يا رسول الله. قال: أنا ما ختمت، حقيقةً أنا ما ختمت يا سهيل.
تنازل النبي ﷺ عن أبي جندل وفاءً بالعهد وتهدئةً للفتنة
قال [سهيل]: والله يا محمد لو لم تردّ إليّ ابني لأخاصمك أبدًا. فما معنى أن يخاصم سهيل بن عمرو سيد الخلق [صلى الله عليه وسلم]؟ أي ما يخاصمه ولا يخاصمه؛ إنما كان العهد مسؤولًا.
وأنزل رسول الله [صلى الله عليه وسلم] التهيئة للعهد مقام العهد، كأنه مُوقَّعًا؛ أي قال له: انتهى الأمر، ردّوه إليه. وذهب [أبو جندل] مُوقَّعًا كذلك.
لماذا؟ لكي يُسكت الرأي العام. يا رسول الله أنردّ مسلمًا لمشرك؟ قال: ردّوه إليه. هدّأ الفتنة، دعهم يأخذوه، لك الله يا هذا.
دروس مستفادة من صلح الحديبية في إدارة الأزمات بمنهج نبوي
الكلام [السابق في قصة صلح الحديبية] يجب أن نستوعبه ونحن في هذا العصر، ونحن جالسون نقع في نفس المشكلات هذه. وانظروا كيف عالجها سيد الخلق [صلى الله عليه وسلم].
لو جلسنا نعالج أمورنا وأزماتنا بالعاطفة لن ننجح، لو عالجناها بمنهج رسول الله [صلى الله عليه وسلم] سننجح. أتمنى المسلمين هكذا؛ لو ألقى ربنا في قلوبهم منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا أقوى الناس وأعلى الناس وأحسن الناس كما كانوا من قبل.
ردّ أبي جندل كان خيرًا للجميع وختام الدرس بالتأمل في حكمة النبي ﷺ
وردّوا مسلمًا إلى مشركٍ عبدِ وثن، آه! وكان هذا الردّ خيرًا لأبي جندل، وخيرًا لسهيل بن عمرو، وخيرًا للمسلمين، وخيرًا للبشرية أجمعين. سبحان ربّ العالمين!
في قصةٍ طويلةٍ، المتأمل فيها يجد أن الخير كلّ الخير فيما فعله سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم.
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
