سورة آل عمران | حـ 428 | 80-81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 428 | 80-81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • القرآن الكريم يقرر حقيقة أن الله لم يأمر الناس باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً من دونه، فالعبد عبد والرب رب، والفارق واضح بين المخلوق والخالق.
  • الملائكة معصومون عن الخطأ بأصل خلقتهم وفي حالة طاعة دائمة، مما قد يدفع البعض لتقديسهم ثم تنزيههم ثم تأليههم.
  • انحرف كثير من الأمم كاليونانيين فحولوا الملائكة إلى آلهة متعددة للعدل والمطر والرياح والجمال والحرب وغيرها.
  • النبيون من البشر لكنهم معصومون في تبليغ الوحي وعلى حالة طيبة من السيرة، مما قد يؤدي لتقديسهم ثم تأليههم.
  • احترام الملائكة والنبيين مشروع، لكن لا يصل إلى حد التأليه لأن الرب واحد أحد.
  • الله خلق الكون ليتجلى عليه بصفاته لا ليحل فيه أو يتحد معه.
  • الخلط بين الخالق والمخلوق يقضي على القضية الأساسية وهي أن الرب رب والعبد عبد، ويؤدي إلى الكفر.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية النهي عن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر الحقائق للبشر من أجل التفكير المستقيم والخروج عن التفكير المنحرف:

﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـنَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: 80]

هذه حقيقة أن الله سبحانه وتعالى وأن عباده المرسلين لم يأمروا الناس أن يتخذوا النبيين أربابًا من دون الله، ولا الملائكة أربابًا من دون الله؛ لأن العبد عبد والرب رب، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

بيان عود الضمير في الآية على المرسلين وعلى الله سبحانه وتعالى

ولذلك فلما قال [الله تعالى]:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 79]

ثنّاها وقال:

﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ [آل عمران: 80]

يبقى «لا يأمركم» عائدة على المرسلين وعلى البشر الذي أوحى الله إليه، وبالتالي على الله [أيضًا]؛ فإن الله أيضًا لا يأمر أبدًا في شرعه أن نتخذ الملائكة ولا أن نتخذ النبيين أربابًا من دون الله.

الفرق بين الملائكة والبشر في العصمة والطاعة الدائمة بأصل الخلقة

الفرق بين الملائكة والبشر في هذا المقام هو أن الملائكة معصومة عن الخطأ، وأنهم:

﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

فهم لا يقعون في المعاصي، وبأصل خلقتهم هم على طاعة دائمة. ولذلك ورد أن الملائكة منهم راكع أبدًا، ومنهم ساجد أبدًا، ومنهم قائم أبدًا، ومنهم طائف أبدًا، ومنهم ذاكر أبدًا، وهكذا.

إذن فهو [المَلَك] في حالة طاعة، يبقى لا يقع في المعصية وبأصل خِلقته هو على طاعة أبدًا بالخلقة هكذا، فتبقى الدقائق والثواني التي تمر عليه وهو في طاعة.

كيف انتقل الناس من تقديس الملائكة إلى تأليههم وعبادتهم من دون الله

فيعتقد الناس فيهم [في الملائكة] العصمة من الزلل ومن الخطأ، وإذا كان كذلك يقدسونه، وإن قدسوه فإنهم ينزهونه، فإن نزهوه فإن ذلك يقرب من أن يؤلهوه.

ولذلك عبد الناس الملائكة، حتى أن بعض الدارسين يقول أن الآلهة الكثيرة التي كان يعبدها اليونانيون هي في حقيقة الأمر في أوصافها ملائكة؛ فهناك إله للعدل، وهناك إله للمطر، وهناك إله للرياح، وهناك إله للسماء، وهناك إله للخصب، وهناك إله للجمال، وهناك إله للحب، وهناك إله للحرب، أي ملائكة، فحولوا الملائكة إلى آلهة.

سبب تقديم الملائكة في الآية وبيان حال النبيين في العصمة والتبليغ

﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ﴾ [آل عمران: 80]

يعني الملائكة تقدَّموا هنا [في الذكر] لما فيهم من تنزُّه ولما فيهم من بُعد عن المعصية والقيام بالطاعة، ولأنهم بذلك أقرب إلى الطهر الذي ألَّه الناس بموجبه من ألَّهوه.

والنبيين، النبيون من البشر لكنهم أيضًا على حالة طيبة من السيرة الحميدة، من الفطنة والذكاء، من الأصل الطيب، من العمل الصالح، وأيضًا هم في حالة عصمة، وأيضًا هم في حالة تبليغ للوحي، فهم لا يخطئون. وحينئذٍ يُقَدَّسون، وحينئذٍ فإنهم يُنَزَّهون، وحينئذٍ يكون ذلك أقرب إلى التأليه.

الفرق بين التقديس المباح للملائكة والنبيين وبين التأليه المحرم

فيقول لهم [الله سبحانه وتعالى]: لا يوجد فرق بين التقديس وهو مباح، فنحترم الملائكة وحتى نقول هكذا سيدنا جبريل لما نزل على سيدنا محمد ﷺ، ونحترم النبيين ونقول سيدنا، ولكن لا يصل ذلك إلى حد التأليه.

ما كان ذلك أبدًا؛ لأن الرب رب والعبد عبد. هناك رحمن وهناك أكوان.

الملائكة والنبيون من أين هم؟ من الأكوان [أي من المخلوقات]. والرحمن ليس متعددًا، هو واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، فلا يمكن أن يلخبطكم [يخلط عليكم].

الخلط بين الرحمن والأكوان كفر وتفكير غير مستقيم

ويقول [الله سبحانه وتعالى] إن الخلط الذي يحدث بين الرحمن وبين الأكوان هو خلط بشري وفكر غير مستقيم:

﴿أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 80]

هذا كفر. والكفر يأتي من أين؟ من تحطيم قضية الكون وخلقه؛ فقد كان الله ولم يكن شيء معه، ثم أراد أن يُعرف فخلق الخلق وتجلى عليه.

فالله عليم فتجلى على الكون بعلمه، وحكيم فتجلى على الكون بحكمته، وجميل فتجلى على الكون بجماله، وقدير فترى القدرة وراء كل شيء، وهو واحد أحد فترى ذلك، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

الله خلق الخلق ليتجلى عليه لا ليحل فيه ولا ليتحد معه

إذن، فقضية هذا الخلق أن الله خلق ليتجلى عليه، لا ليحل فيه ولا ليتحد معه، ولا لأن تقول أن الملائكة أو النبيين أو غير ذلك من الشجر أو الحجر أو المدر أو الشمس أو النجوم أو الكواكب آلهة.

هذا لا يصح؛ فقد حدث هنا خلط بين الخالق والمخلوق، وبذلك قضيت على القضية الأساسية وهي أن الرب رب والعبد عبد، وأن هناك تكليفًا قد صدر من ربنا لهذا العبد: افعل ولا تفعل، وأن الله سبحانه وتعالى باقٍ وأنه بخلاف الحوادث، وأنه وأنه وأنه إلى آخر ما هنالك من صفات الله التي بيّنها عن نفسه في القرآن الكريم وأمرنا بالإيمان بها.

لماذا سُمِّيت صفات الله بالأسماء الحسنى وانصرافها إليه عند إطلاقها

وسماها [الله تعالى] لكمالها وتمامها وعلو شأنها بالأسماء [الحسنى]، هي في الحقيقة صفات. هو الله، لكن صفاته: الرحمن والرحيم والقدير والمريد، هذه الصفات سُمِّيَت بالأسماء.

لماذا [سُمِّيت بالأسماء]؟ لأنها تنصرف إليه سبحانه عند إطلاقها. واحد منا رحيم، لكن من هو الرحيم؟ الله. فانتقلت من دائرة الصفات إلى دائرة الأسماء.

ولذلك، فجلَّ جلال الله ولا نعبد إلا إياه. والحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.