سورة آل عمران | حـ 431 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 431 | 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يأمر الله نبيه والمؤمنين بقول "آمنا بالله" وهذا الإيمان هو القضية الأساسية في الدين.
  • الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالرسل والكتب والوحي والتكليف واليوم الآخر.
  • يرفض المتحدث فكرة ترك الحلال والحرام لأنها جزء من منظومة متكاملة تبدأ بالإيمان بالله وتنتهي بالجزاء في الآخرة.
  • دعوة ترك الحلال والحرام دون بديل منطقي يجيب عن أسئلة الإنسان الأساسية: من أين؟ لماذا؟ وإلى أين؟ هي دعوة غير مقنعة.
  • تؤكد الآية على وحدة الأمة عبر التاريخ، فالمسلمون يؤمنون بما أنزل على النبي محمد وما أنزل على إبراهيم وأبنائه من المرسلين.
  • الإسلام هو الدين المقبول عند الله ويتمثل في الإيمان بالله والتكليف واليوم الآخر.
  • من يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في منهج التعامل مع الله من خلال سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرشد نبيه والمؤمنين من بعده إلى يوم الدين إلى منهج التعامل مع رب العالمين، فيقول:

﴿قُلْ﴾ [آل عمران: 84]

فهو فعل أمر؛ أمر الله به نبيه، فأُمر به المؤمنون من بعده إلى يوم الدين. ماذا نقول؟

﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 84]

أول شيء هو رقم واحد، هو القضية هكذا: آمنا بالله.

الإيمان بالله أساس متسلسل يترتب عليه كل شيء

يعني هو كان الإيمان بالله يعني كل شيء هكذا؟ الإيمان بالله؟ قالوا: نعم؛ لأن آمنا بالله فآمنا بأنه يرسل الرسل وينزل الكتب، آمنا بالوحي فآمنا بالتكليف، آمنا بالتكليف فآمنا بالالتزام: افعل ولا تفعل، حلال وحرام.

آمنا بذلك فآمنا بيوم آخر نعود فيه إلى ربنا. آمنا بهذا فأقدمنا وأحجمنا؛ أقدمنا على الطاعة وأحجمنا عن المعصية. والهيئة هذه فيها أساس للكلام [الذي سيأتي بعد ذلك].

الرد على من يطالب بترك الحلال والحرام دون بديل واضح

يأتي [أحدهم] يقول لك: هل أنتم كل شيء عندكم حلال وحرام؟ لا، اتركوا الحلال والحرام. طيب، هيا فقط لنتناقش: ماذا تريدنا أن نفعل؟ أنت كلامك الناس لا يطيعونك فيه، فلماذا نترك الحلال والحرام؟

لأنك لا ترسم لي بقية الحكاية. أنا رسمتها في عقلي ففهّمني: راسمٌ أن هناك ربًّا، وأن هناك وحيًا، وأن هناك تكليفًا، وأن هناك التزامًا، وأن هناك جنة ونارًا. أنت الآن سترسم وتقول لي: دع الحلال والحرام هذا، فماذا بعد؟

من ينكر الجنة والنار لا يملك ما يمنع الفساد في الأرض

أنت عندما تأخذه [الحلال والحرام] مني يصبح معنى ذلك أنك تريد أن تدخلني النار، فيجب أن تقول لي: دع حكاية الجنة والنار أيضًا. حسنًا، لو قلت لي: دع الجنة والنار، أي لا توجد جنة ونار، حسنًا.

إذا لم تكن هناك جنة ونار فما الذي يجعلني أتركك ولا أفسد في الأرض؟ يجعلني لا أسرق ولا أقتل؟ إنسانية هكذا يا أخي؟ أخلاق؟ قال: فأنا لديّ أخلاق وآخر ليس لديه أخلاق، فماذا سنفعل إذن؟ أهناك ربٌّ أم لا؟

تسلسل الإيمان المنطقي من الرب إلى الجنة والنار

قال: الله هو كل شيء أكلمك فيه تقول لي: أهناك ربٌّ أم لا؟ نعم، لأنها هكذا أصلها متسلسلة: ربنا، فيه وحي، فيه تكليف، فيه التزام، في جنة ونار. فهّمني إذن!

لا أحد يرضى أن يفهمنا أبدًا، ويخاف أن يقول لي: حسنًا، ما أنا لو قلت لا يوجد جنة ونار ستقول لي أنت كافر. قلت له: لن أقول لك [ذلك]، ولكن قال لي: لا، أنت تستدرجني. فقلت له: إذن فهّمني، ما هو؟ الناس لا تفهم، ما هو؟ الناس عندما تقرأ لكم وتسمعكم لا يفهمون ماذا تريدون.

مطالبة من يرفض الحلال والحرام بتقديم منظومة بديلة واضحة

عندما تقول: دع الحلال والحرام، فما الذي يوجد في هذه المنظومة؟ اصنع لي منظومة أخرى فهّمها لي! وهذه المنظومة آتية من القرآن أم آتية من عقلك؟ فقال لي: لا، من عقلي.

قلت له: حسنًا، ما هو الناس غير راضية! الناس تريد قرآنًا؛ لأن القرآن يقول لهم شيئًا واضحًا، والقرآن يقول لهم شيئًا متسقًا مع الإجابة على أسئلتهم. يقولون: نحن من أين؟ نحن نفعل ماذا هنا؟ أين سنكون بعد ذلك؟ أجبهم!

عجز المنظومة البديلة عن الإجابة على أسئلة الوجود الكبرى

قال: والله من أين أتينا ليس لنا بها شأن. قلت له: حسنًا، ماذا نفعل هنا؟ قالوا: لا شيء، نصنع ونتاجر ونعمل ونعمّر دنيانا هكذا ونصبح أقوياء. قلت له: جيد، وبعد الموت؟ قال: ليس لنا شأن.

قلت له: إذن ألا ترى أن الناس غير موافقة على ذلك؟ الناس غير مرتاحة من هذا الكلام الذي تقوله، هذا الناس غير مرتاحة له يا أخي! ماذا نفعل؟ أين الفكرة التي تقولها لنا، ولو كانت من رأسك، حتى نحل هذه المشكلة؟

المنطق الراسخ في النفس البشرية لا يُزال إلا ببينة واضحة

فتجده لا يرضى أكثر من ذلك. قال: لأنه خائف من أن نكفّره. لا، الحكاية ليست لأننا سنكفّره ولا هو يكفّرنا. الحكاية منطق راسخ في نفس البشر؛ عندما تريد أن تزيله، أزله بكلام واضح حتى يكون هناك بيّنة.

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

ولكن هكذا بلا منطق سنظل بهذا الشكل نتكلم كلامًا لا معنى له، ولن تكون هناك مناقشة مجدية.

قل آمنا بالله مفتاح النظام الإيماني كله من أوله إلى آخره

﴿قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 84]

ياااه! يعني كأن هذه الكلمة مفتاحًا كبيرًا جدًّا.

﴿قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 84]

هذه ليست شيئًا سهلًا، ليست شيئًا من نافلة القول. هذا شيء أساسي لكل هذا النظام من أوله إلى آخره، وهو الأساس بين الناس: قولوا آمنا بالله.

تأكيد القرآن على وحدة الأمة والإيمان بجميع الأنبياء والرسل

ويؤكد [القرآن الكريم] مرارًا وتكرارًا على وحدة الأمة عبر التاريخ، وعلى أن المسلمين هم الذين فتحوا صدورهم للعالمين:

﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 84]

ما هذا! جمال لا مثيل له! آمنا بالله وآمنا بالوحي، وليس الوحي الذي أُنزل على محمد ﷺ فقط، بل والوحي الذي أُنزل على إبراهيم وأبنائه من المرسلين، فهو أبو الأنبياء.

معنى الإسلام لله والإيمان بالتكليف واليوم الآخر وخسران من ابتغى غيره

ونحن له، لله رب العالمين مسلمون؛ مسلمين أمرنا لله، يعني مؤمنين بالتكليف، معتقدين باليوم الآخر.

هذه الآية قد لا ينتبه لها واحد ويظن أن فيها أسماء كثيرة يعني هكذا، أبدًا! هذا أساس الجدال كله الذي بين البشر. يبقى هذا [الدين] من صنع محمد ﷺ؟ طيب، وربنا [يقول]؟ أبدًا!

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]

الإسلام هكذا شكله: إيمان بالله، إيمان بالتكليف، إيمان باليوم الآخر، وهو في الآخرة من الخاسرين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.