سورة آل عمران | حـ 432 | 85 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الإسلام في حقيقته له معنيان يسبب سوء فهمهما اصطداماً بين الناس.
- •المعنى الأول: أن الإسلام هو دين الله الذي أرسله لجميع الأنبياء من آدم إلى محمد عليهم السلام.
- •الرسل جميعهم كانوا مسلمين، ودينهم الإسلام، وهذا ما يفتقر إليه كثير من المسلمين بالرغم من إجماع العلماء عليه.
- •المعنى الثاني: أن الإسلام في تمامه أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ما لا يؤمن به غير المسلمين.
- •أصول الإسلام التي يتفق عليها معظم أهل الأرض: الإيمان بإله واحد خالق، وإرسال الرسل بالكتب، والتكاليف الأخلاقية، والحساب بعد الموت.
- •عند شرح حقيقة الإسلام بهذه الطريقة، يجد المسلم توافقاً من غير المسلمين.
- •كثير من غير المسلمين يظنون أن المسلمين متشددون، لكن عند توضيح الأصول المشتركة يتبين أنهم يؤمنون بذات الأسس.
- •معنى قوله تعالى "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه" يشمل هذه الأصول المشتركة.
مقدمة وآية من يبتغ غير الإسلام دينا في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]
إذن فالإسلام هو دين الله، هذه الكلمة لها معنيان؛ الناس لا تريد أن تفهمهم، وبناءً على عدم فهمهم سالت الدماء وحدث اصطدام.
المعنى الأول للإسلام: دين جميع الرسل من آدم إلى محمد
المعنى الأول هو أن الدين الذي أرسله الله إلى الناس من لدن آدم إلى خاتمهم صلى الله عليه وسلم سيدنا محمد اسمه الإسلام. فهم [كثير من الناس] لا يرضون أن يصدقوا ذلك.
ربنا يقول عن سيدنا إبراهيم، بعض المفسرين يقولون هكذا:
﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]
سيدنا إبراهيم ما أتى به كان اسمه إسلامًا، سيدنا آدم، سيدنا نوح، سيدنا عيسى، سيدنا موسى، هذا هو الإسلام. يقول لك [بعضهم]: لا، ليس اسمه إسلامًا، هذا الإسلام هو الدين المحمدي. هذه فكرة خاطئة؛ وإن هذه أمتكم أمة واحدة.
موكب الرسل جميعهم مسلمون وكثير من المسلمين يفتقرون لهذا الفهم
فيكون إذن هذا موكب من الرسل كلهم كانوا مسلمين جميعًا، دينهم هو الإسلام.
فلما نأتي إلى هذا الفكر، هذا الفكر يفتقر إليه كثير من المسلمين، بالرغم من أن العلماء قرروا هذا ووضحوه واتفقوا عليه وأجمعوا فيه وعليه؛ إلا أن كثيرًا من المسلمين لا يعيش هذا المعنى، فوضع فواصل بينه وبين الآخرين، ورأى أن الدين الإسلامي هو الدين الذي أُنزل على محمد وحده، وأنه هو خير دين، وأنه هو الذي عند الله، إذا الباقي مرفوض ملغى.
بالرغم من أن القرآن ينطق بغير ذلك، فهذا المعنى الأول.
المعنى الثاني للإسلام: تمام الدين الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم
المعنى الثاني هو أن الإسلام في تمامه أتى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أيضًا لا أحد راضٍ أن يؤمن بذلك من غير المسلمين.
أي أن المرة الأولى يريد المسلم نفسه أن يتعلم ما معنى الإسلام؛ لأن هذا سيفيده في خطابه مع العالمين، سيفيده في خطابه مع الناس أجمعين، سيفيده في عرض إسلامه للناس؛ لأن أمرًا مهمًا جدًا أنك تقول له: بالمناسبة أنا مؤمن بك وبالذي قبلك وبالذي قبلك وبالذي قبلك، أنا مؤمن بكل شيء.
سوء فهم غير المسلمين للإسلام وظنهم أنه دين صدام وعنف
هو [غير المسلم] لا يفهم هكذا، هو يفهم أنك تحاربه من أجل أن تخرجه من دينه إلى دينك. هو يفهم أن هناك صدامًا قائمًا وما زال يقوم ولا بد أن يقوم، وأنها طبيعة الإسلام والمسلمين.
كثير من المسلمين على هذا [الفهم الخاطئ]، والقرآن يحكي غير هذا فيقول:
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]
إذن ما الذي أتى به الرسل؟ هذه القضية الأولى التي تعبر عن الإسلام الذي نعرضه على الناس ابتداءً، فلا يتعجبون منه، ونجد أكثر الناس نجدهم موافقين عليه.
عرض أصول الإسلام على الناس: الإيمان بالخالق الواحد الأحد
أغلب أهل الأرض عندما نقول لهم ما هو الإسلام هكذا، يقول [لهم المسلم]: الإسلام أن هناك لهذا الكون خالق.
ما رأيك؟ فيقول له: نعم، أنا مؤمن بأن لهذا الكون خالقًا.
وأن هذا الخالق واحد أحد فرد صمد، ما رأيك؟ يقول: نعم، أنا مؤمن بذلك، أن [الله] واحد أحد فرد صمد. قال: نعم، أنا مؤمن بذلك.
إذن لماذا نحن نسمع أشياء أخرى؟ نسمع أن هناك من يقولون عنه اثنان، وهناك أناس يقولون عنه ثلاثة، وهناك أناس يقولون عنه تسعة. قال: لا، هذه أشياء لها دراسات خاصة، ولكن نحن نقول إن هناك ربنا وإن ربنا هذا عظيم الشأن، إنه هو الذي خلق هذا الكون.
الاتفاق على إنزال الكتب والتكليف بالأوامر والنواهي والوصايا العشر
وما تركنا [الله] هكذا وحدنا مع عقلنا، بل أوحى الوحي وأنزل الكتب.
موافقون؟ سيقول: نعم، متفقون.
وفي هذه الكتب كلّفنا؛ قال لنا: افعل ولا تفعل، لا تَزْنِ، لا تسرق، لا تقتل، صلِّ، صُم، افعل الخير.
متفقون؟ هناك شيء يسمى الوصايا العشر في العهد القديم، وصايا أنزلها الله على موسى.
متفقون عليها هذه؟ يقول: نعم، متفقون. هل يوجد أحد يقول غير ذلك؟
لكنك أيضًا تنحرف؟ قال: هذه معصية، أنا أُقرّ بأن هذه معصية، هذا خطأ.
لكن أنت قتلت قبل ذلك؟ قال: لا، خطأ، هذا ليس كلام الله، هذا خطأ منا نحن.
ولكنك أنت سرقت ذات مرة؟ سرقت الشعوب وسرقت الناس من غرب أفريقيا وفعلت أشياء كثيرة مماثلة. قال: لا، هذا خطأ، كل هذا خطأ.
حقيقة الإسلام: إله واحد أرسل الرسل وأنزل الكتب وسيحاسب الناس
إذا رأوا كيف أن الإسلام هو أن هناك إلهًا واحدًا أحدًا قادرًا خالقًا رازقًا، ولم يتركنا لحالنا. ولكن هناك أناس ومذاهب أخلاقية تقول أنه تركنا، مذاهب أخلاقية تقول هكذا: إنه تركنا في حالنا ليس له دعوة [بنا]، لكن لا، أغلب الأرض تقول: وأوحى، أرسل الرسل ومعهم كتب ومعهم تكليف.
هل سيحاسبنا؟ أم بعد أن نموت انتهى أمرنا وذهبنا إلى الهلاك؟ قال: لا، هناك يوم آخر يسمى عندنا يوم الدين ويسمى عندهم يوم الدينونة؛ دين ودينونة، هذه قريبة من نفس المادة اللغوية.
هل هناك جنة ونار؟ نعم، هناك جنة ونار.
كيف شكلها؟ قال: إن هناك عقابًا وثوابًا.
لكن كيف شكلها؟ هذه كل إنسان يصفها بطريقة.
هل هي روحانية أم جسدية؟ كذلك هذا كلام ليس هو في أصل الحكاية.
الأسئلة الكبرى التي يجيب عنها الإسلام وموافقة أغلب الناس عليها
أصل الحكاية تجيب لك عن الأسئلة الكبرى التي حيّرت البشرية:
- أن هناك إلهًا صفته كذا.
- أنه قد خلق الخلق.
- أنه أنزل الكتب وأرسل الرسل.
- أنه قد قام بتكليف البشر ووضع لهم حدودًا لا يتجاوزونها.
- أنه في يوم آخر سنعود فيه إلى ربنا.
عندما أجلس أنا هكذا في العالم وأتحدث مع الناس وأقول لهم: ما رأيكم في هذه الحكاية؟ يقولون: آمنّا.
يا الله! إذن أنتم معنا إذن وليس ضدنا.
تصحيح الصورة النمطية عن المسلمين وموافقة الآخرين على حقيقة الإسلام
قال: هل أنتم تقولون هكذا؟ نعم والله نقول هكذا.
هل أنتم تقولون هكذا فعلًا؟ إذا ماذا أتظنون أننا نقول؟ قال: لا، نحن نظنكم أنكم ممسكين سكاكين وتجلسون تذبحون الناس، أي أحد يخالفكم تذبحونه؛ مسلم، كافر، مؤمن، ملحد، أي أحد.
قلنا لهم: لا والله، ما نحن هكذا ولا تربينا هكذا.
فهل تتفقون معنا الآن، هل أنتم معنا أم علينا كخطوة أولى؟ قال: لا، معكم.
قلنا له: حسنًا، ما رأيكم في الذي ليس كذلك؟ قال: لا، من ليس كذلك هذا سيء جدًا.
قلنا له: إذا هل نستطيع أن نقول:
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلْإِسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]
قالوا: نعم.
موافقة غير المسلمين على معنى الآية دون معرفتهم أنها من القرآن
انتبه! وهم لا يعرفون أنه [أي هذا الكلام] هذه آية [من القرآن الكريم].
ما هو؟ ومن يبتغِ غير الذي قلناه هذا يكون خاسرًا يوم القيامة. قال: نعم، إذن نحن معكم في هذا.
حسنًا، صدق الله، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
