سورة آل عمران | حـ 437 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •قوله تعالى "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" يحدد طريق البر في العطاء، فالحب هو العطاء.
- •الإنفاق مما نحب من علامات الحب الحقيقي، فليس الحب مجرد كلام شفهي بل عطاء من الوقت والجهد والمال.
- •من علامات الحب أيضاً: طاعة الحبيب، وذكره دوماً، وعدم مجاهرته بالمعصية.
- •الحبيب المطلق هو الله سبحانه، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو حبيب المؤمنين الذي ارتضاه الله.
- •اسم "الحبيب" من الأسماء المشتقة لله تعالى، مأخوذ من الآيات التي تبين أنه يُحِب ويُحَب.
- •البر طريق له درجات: الإنفاق مما لا نحب، ثم الإنفاق مما نحب مع عدم الرضا، ثم الإنفاق مما نحب عن طيب نفس.
- •من وصل للدرجة العليا شعر بلذة وحلاوة وانشراح لا يعدلها شيء.
- •ما ننفقه من شيء فإن الله به عليم، ومثقال ذرة من الخير أو الشر سنراه.
مقدمة وتلاوة آية البر من سورة آل عمران وبيان طريق البر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]
إذن فقد حدد [الله سبحانه وتعالى] طريق البر وطريق الله في العطاء. وما العطاء؟ قالوا: الحب عطاء. إذن لن تنال البر حتى تنفق مما تحبون، أي تحبونه.
الحب الحقيقي يتجلى في العطاء والإنفاق لا في الكلام الشفهي
ولذلك لكي يلفت [الله سبحانه وتعالى] انتباهكم إلى الحب الكامن في الإنفاق؛ ما هو الحب؟ الحب عطاء، ولا تبقوا تحبون إلا إذا أعطيتم.
الحب الشفهي هذا [أن تقول] أحبك وأنت لست راضيًا أن تعطي شيئًا من ملامح الحب؛ تعطي من وقتك، من جهدك، من نفقتك، من مالك. كل ما تقدر عليه، ليس ضروريًا المال هذا، أي شيء أيضًا.
قال [الله تعالى]: «مما تحبون»، يعني يلفت نظرنا إلى ما يتضمنه الإنفاق. إذن نستطيع أن نقول إن علامة الحب الإنفاق؛ لأنه ركن الحب، فالحب عطاء.
من علامات حب الله طاعته وذكره وعدم معصيته
طيب، وما أيضًا من علامات الحب غير الإنفاق؟ الطاعة؛ أن تطيع، أن تكون أي تنفذ الأوامر الخاصة بالحبيب [الله سبحانه وتعالى]. انتبه! تعصي الإله وأنت تدعي حبه؟ هذا لعمري في القياس بديع:
لو كنت حقًا حبه لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع.
أنت تدعي أنك تحب ربنا، لا يصح أن تحبه ثم تنساه؛ لأن الذي يحب أحدًا يكون ذاكرًا له. وما ينبغي أن تتذكره وتجاهره بالمعصية؛ لأن الإنسان ماذا يحدث له؟ ينسى. وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيه، وما أول الناس إلا أول الناس [آدم عليه السلام]، فعاهد آدم ربه في الناس.
ملخص علامات الحب الثلاث: الذكر والطاعة والإنفاق من أجل الحبيب
إذن من علامات الحب ثلاث:
- ذكر الحبيب [الله سبحانه وتعالى].
- طاعة الحبيب.
- الإنفاق من أجل الحبيب.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
إن كنتم تحبون الله، فمن الحبيب على الإطلاق؟ هو الله. ومن الذي ارتضاه الله من البشر حبيبًا للمؤمنين؟ محمد رسول الله ﷺ.
اسم الحبيب من الأسماء المشتقة لله سبحانه وتعالى وبيان معناه
ولذلك أول ما أقول الحبيب قوم بعضكم يقول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من الحبيب إن يعني انصرف في البشر فعلى رسول الله ﷺ، وإلا فمطلقًا فإنما هو لله سبحانه وتعالى.
وهو [اسم الحبيب] من الأسماء الحسنى؟ قال: لا، ولكنه من الأسماء المشتقة.
﴿يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]
﴿يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
فيبقى القرآن جاء بماذا؟ بالأفعال ونسبها إلى الله. فيبقى الحبيب مشتقًا من الآية، من الأفعال المسندة إلى الله سبحانه وتعالى في أنه يُحِب ويُحَب. فهو الحبيب، فعيل يعني من أحبَّ ومن أحبه الناس، يعني اسم فاعل واسم مفعول في نفس الوقت. فالله يُحِب ويُحَب فهو حبيب، وهذا من الأسماء المشتقة.
البر بالعمل لا بالكلام والإنفاق مما تحب لا مما تكره
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ﴾ [آل عمران: 92]
يعني أريحوا أنفسكم، إن البر ليس بالكلام، البر بالعمل. طريق البر لن تناله إلا وحتى تنفق وتعطي وتخرج مما تحب.
فلنفترض أنك مما كرهتم كل شيء قديم عندكم تعطونه للفقراء والمساكين، أما الشيء الجديد أتمسك به بقوة. لا يصلح! هذا ليس حبًا هذا، [هذا مجرد] تخلص من الأشياء المستهلكة ومن النفايات ومن الأشياء التي مصيرها الاستبدال، يعني كل شيء قديم تعطونه.
لا! هذا مما تحبون، مما تحبونه، حتى تنفقوا مما تحبونه من الأشياء العزيزة عليكم، تنفقوها وتتبعوا هذا بنفس راضية وقلب موافق على العطاء هذا.
الوصول إلى البر يحتاج مجاهدة النفس والتدرج في درجات الإنفاق
فكيف يأتي هذا [الإنفاق بنفس راضية]؟ هذا يحتاج إلى مجاهدة، أن يجاهد الإنسان نفسه؛ لأن هذا ليس بالأمر السهل.
﴿لَن تَنَالُوا ٱلْبِرَّ﴾ [آل عمران: 92]
يعني لا أحد منا بعد إن شاء الله سينال البر؟ قال: لا، ما في [أن] البر في العطاء الأولي، أي افترض أنك جاءك عطاء ولكن عطاء ليس مما تحب وقلبك راضٍ به، فقد بدأت البر ولكن لا تناله.
والبر تناله يعني ماذا؟ يعني تأخذه كله، أي تصل فيه إلى أن تتشبعوا به، بهذا البر تناله. ونال الشيء أي حصل عليه ووصل إلى غايته.
درجات البر من الإنفاق مما لا تحب إلى الإنفاق مما تحب عن رضا
فالبر هذا طريق وله خطوات:
- •أنفقت مما لا تحب؛ هذه درجة أحسن من الذي لم ينفق.
- •أنفقت مما تحب رغمًا عنك وأنت قلبك غير راضٍ وتقول من أجل الله؛ نعم من أجل الله، ونعم أيضًا هي درجة.
- •أنك أنفقت مما تحب ولكن يجب أن يكون هذا عن رضا.
وكيف تصل إليها [هذه الدرجة]؟ بالمجاهدة والتدريب. فإذا وصلت إليها شعرت بلذة في قلبك وبحلاوة في حياتك لا تعدلها لذة ولا تعدلها سعادة، ويحصل للإنسان انشراح وفرح.
فرح القلوب بالإنفاق مما تحبون بلا منّ ولا كبر وختام الموعظة
وربنا يفرح قلوبكم وسيفرح قلوبكم عندما تفرحون قلوب الناس، وعندما تصبح قلوبكم فرحة بالإنفاق مما تحبون من غير مَنٍّ ولا كِبر ولا منازعة ولا تضجر، وكفاهم ذلك.
كل هذا الكلام لأن الملك لله [سبحانه وتعالى]:
﴿وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]
فإذا عملتم خيرًا مثقال ذرة تروه، وإذا عملتم شرًا مثقال ذرة تروه. والله يقينا الشر ويؤتينا من الخير.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
