سورة آل عمران | حـ 438 | 93 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •كتاب الله ليس كتاباً للتاريخ بل للهداية، وما يرد فيه من قصص الأمم السابقة يهدف لتعليم المسلمين ألا يقعوا في أخطائهم وأن يتبعوا خيرهم.
- •القاعدة الفقهية المستنبطة من الآية "كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل" هي أن الأصل في الأشياء الإباحة.
- •يستثنى من هذا الأصل أربعة أمور: الضار كعش الغراب السام، والمخدرات التي تعطل العقل، والمسكرات كالخمر، والنجاسات.
- •أشارت الآية إلى استثناء "ما حرم إسرائيل على نفسه"، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والد يوسف، وكان قبل موسى وقبل نزول التوراة.
- •أمر الله بالرجوع إلى التوراة للتحقق من صدق هذا الأمر، وهذا يرشد المسلمين إلى ضرورة الرجوع للقرآن لمعرفة أحكام الله، وليس للأهواء والرغبات والانطباعات.
مقدمة الدرس والغاية من قصص الأمم السابقة في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقصّ علينا القصص ويعلّمنا من هداية الأمم السابقة ما يخاطبنا به إلى يوم الدين. فليس القصد من قصص الأمم السابقة من أنه يقصّ علينا قصص الأمة والأمم السابقة، لا أن يؤرّخ لهم، ولا أن يتكلم عنهم، ولا أن يوجد بيننا وبينهم العداوات، ولا يُعلِّل التاريخ أو ينتقله أو يحلّله.
فهذا كتاب هداية وليس كتاب تاريخ، لكن ما ورد فيه من تاريخ هو الحق، وما ورد فيه من خبر هو الصدق. إنما غاية الأمر أن يرشدنا فينبّهنا ألّا نقع في أخطاء الأمم السابقة كما وقعوا، وينبّهنا إلى أن نفعل الخير وأن نثبت على الحق كما فعلوا وثبتوا، فنأخذ من خيرهم ونتّقي أخطاءهم.
القرآن كتاب هداية مستقبلي يخاطب المسلمين إلى يوم الدين
فهذا الكتاب إنما هو هداية للعالمين لمن أراد أن يستهدي به إلى يوم الدين، كتاب مستقبلي وليس كتابًا موضوعيًّا ينظر إلى الماضي ويحلّله ويعلّله وينتقده، لا. إنما هو يريد بذلك أن يخاطب المسلمين إلى يوم الدين.
فقال [الله تعالى]:
﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [آل عمران: 93]
خبرٌ هو، كان قصة، فهو خبر وهو نبأ وهو قصة، لكن لا بدّ أن نبحث فيها عن هداية لنا؛ لأننا قد خوطبنا بها.
قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة واستنباطها من الآية الكريمة
هو هذا:
﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [آل عمران: 93]
وهذا يُستنبط منه قاعدة فقهية: الأصل في الأشياء الإباحة. خلق الله هذا الكون فكان مائدة للرحمن يعرضها للإنسان.
إذن المانجو حلال أم حرام؟ ما دام لم يرد ذكرها في القرآن ولا في السنة، فالمانجو حلال؛ لأنها مخلوقة. وماذا عن الجوافة؟ وهل سننتهي من هذا الأمر؟ أم سنظلّ نخبرهم فاكهة فاكهة وصنف صنف؟ ما هو، لا يصلح.
إذن فربنا خلق لنا هذا الكون، فبأصل الخلقة هو حلال، فيصبح: اشرب مياهًا ولا أقول الماء حلال؛ لأنها مخلوقة، وكُلْ واشرب واعمل هكذا دائمًا.
المستثنيات من الإباحة: تحريم الأشياء الضارة كعش الغراب السام
قال: لا، هناك مستثنيات. قلت له: ما هي المستثنيات؟ قال لي: أول شيء الشيء الضار.
ما خلق أيضًا عشّ الغراب، وعشّ الغراب هذا شيء جميل هكذا، وحتى غالٍ، ومنه السامّ. لو أكلته أموت. خلق السمك وأباحه لنا وكل شيء، وفي السمك توجد غدة صغيرة هكذا، إذا أكلتها تموت، فيجب أن نزيلها قبل أن نأكل، أو إذا كنت لا تعرف كيف تزيلها فابتعد عنها.
والسبب في ذلك هو ماذا؟ في الحقيقة، نحن أُمرنا بالحفاظ على الحياة والحفاظ على الصحة؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار. فإذا كان الضرر حرامًا، فهذا عشّ الغراب طاهر؛ لأنه نبات، وليس هناك شيء مثله، فهو طاهر، ومع ذلك فهو حرام [لضرره].
تحريم المخدرات والمسكرات لأنها تذهب العقل الذي بُني عليه التكليف
قال إن المخدرات، هل هذه المخدرات تقتل؟ لا، ولكنها تعطّل العقل وتخدّر المخ، تُذهب العقل. والتكليف مبنيّ على العقل، فينبغي يا أخانا أن يكون عقلك سليمًا. ولذلك حرّم الله المخدرات التي نستطيع أن نصفها بالمُفتِّرات، وكذلك حرّم المسكرات.
فعندما آتي ببعض العنب وأعصره ثم يتخمّر عصير العنب، فماذا يصبح؟ يصبح خمرًا، فيصير شرابًا محرّمًا فلا تشربه. يكاد عقلي أن يتخبّط من هنا، وتذهب رجلي إلى اليمين واليسار، واليسار إلى اليمين، وتجد الرجل يترنّح هكذا، فيُقال له: إنه سكران.
حكم نجاسة الخمر وتحريم النجاسات كالبول عند جمهور العلماء
فإذن، إذا حُرِّم علينا المسكرات، وهذه المسكرات بهذه الحالة، هل تكون نجسة أم طاهرة؟ جمهور العلماء يقولون لك إنها نجسة، هذه الخمرة نجسة.
فقد حُرِّمت علينا النجاسات أيضًا، مثل البول -والعياذ بالله- البول، هذه نجسة. أيجوز أن الإنسان -والعياذ بالله- يشربها؟ قال: وجدَ ماذا؟ ما هذا التقزّز؟ لماذا؟ ما الذي حُرِّم بسبب نجاسته؟
فيكون إذن أن هذه المائدة، الأصل فيها ماذا؟ الحلّ [الإباحة]، هو ألّا يكون فيها، ألّا يكون فيها إلا إذا كانت ضارّة، إلا إذا كانت نجسة، إلا إذا كانت مُسكِرة، إلا إذا كانت مُذهِبة للعقل.
تفسير آية تحريم إسرائيل الطعام على نفسه ونسب سيدنا يعقوب
ولذلك ربنا ينبّهنا لهذه الحكاية، نعم، ولكن هناك ولكن أخرى. قال تعالى:
﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93]
نعم، صحيح هكذا، يكون صحيحًا. إذن، إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه.
إسرائيل هذا هو سيدنا يعقوب، ويعقوب هذا هو ابن إسحاق، وإسحاق هذا هو ابن سيدنا إبراهيم. يعقوب هذا هو والد سيدنا يوسف. سيدنا يوسف عندما جاء إلى مصر وأقاموا فيها في عهد الهكسوس، وظلّ النسل هناك حتى جاء سيدنا موسى.
إسرائيل حرّم على نفسه قبل نزول التوراة والسرد التاريخي الصحيح
سيدنا موسى نزلت عليه التوراة، فهل سيدنا إسرائيل الذي هو سيدنا يعقوب كان قبل سيدنا موسى أم بعده؟ قبله. فقال [الله تعالى]: من قبل أن تنزل التوراة.
انظر هاتين الكلمتين: من قبل أن تنزل التوراة. لكنه أرشدني إلى السرد الصحيح للتاريخ، وخلفها منهج: أن تكون صادقًا، أن تكون موثّقًا، أنك لا تخلط في التواريخ.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 93]
هذه التوراة هي التي نزلت على موسى، وتعالوا وانظروا ماذا قالت.
إرجاع الناس إلى المنهج الصحيح لمعرفة أحكام الله من كتابه
إذن هنا إرجاع الناس إلى المنهج. أنت تريد أن تعرف أحكام الله؟ تعرفها من أين؟ من القرآن.
وبنو إسرائيل كانوا يريدون أن يعرفوا أحكام الله، يعرفونها من أين؟ من التوراة، وليس من عقولهم. لا، ليس من عقولهم ولا من أهوائهم ولا من رغباتهم ولا من انطباعاتهم.
إذن هذا يعلّمنا أنني كمسلم أريد أن أعرف أحكام الله، فلا تخلط الأمور أرجوك، اعرف أحكام الله من كتاب الله.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
