سورة آل عمران | حـ 445 | 100 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 445 | 100 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يوضح القرآن في سورة آل عمران تحذيراً من طاعة فريق من أهل الكتاب الذين يسعون لرد المؤمنين إلى الكفر.
  • يتحدث القرآن عن أهل الكتاب مبيناً صفاتهم المحمودة والمذمومة، ويدعونا للاستفادة من تجاربهم بالاقتداء بالصحيح والابتعاد عن القبيح.
  • المسلمون أيضاً من أهل الكتاب، فكما أُنزلت التوراة على اليهود والإنجيل على النصارى، أُنزل القرآن كعهد أخير للبشرية.
  • القرآن لا يسب أهل الكتاب بل يبين أحوالهم ويؤكد أنهم ليسوا سواء، فمنهم من يأمر بالمعروف ويؤمن بالله.
  • يستنكر القرآن كيف يكفرون وهم تُتلى عليهم آيات الله، والقرآن هو النبي المقيم المحفوظ.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم بذاته وتجري على يديه المعجزات العديدة، وقد جمع الشيخ النبهاني ألف معجزة له.
  • كان النبي مهيباً حتى كان الصحابة يغضون أبصارهم عنه هيبة وإجلالاً.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

تلاوة آيات من سورة آل عمران في التحذير من طاعة أهل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 100-101]

منهج القرآن في عرض صفات أهل الكتاب المذمومة والمحمودة للاستفادة منها

عندما يتحدث ربنا عن أهل الكتاب يتحدث عن صفات مذمومة وعن صفات محمودة، ويأمرنا أن نستفيد مما كان في الأمم من قبلنا؛ فيجب علينا أن نبتعد عن القبيح وأن نتصف بالصحيح.

يجب علينا أن نستفيد من التجربة، والاستفادة من التجربة تكون بهذين معًا: بالاستفادة من الصحيح والابتعاد عن القبيح.

المسلمون أهل كتاب أيضًا والقرآن هو العهد الأخير للبشرية

فأنت أيضًا من صنف أهل الكتاب. ما معنى أنه يركز على أهل الكتاب؟ لأنك أنت أيضًا أهل كتاب؛ فإذا كان اليهود قد منّ الله عليهم بالتوراة وجعل لهم فيها نورًا وهدى، وإذا كان النصارى قد منّ الله عليهم بالإنجيل، فإن الله منّ عليك بالفرقان، بالقرآن الذي أنزله عهدًا أخيرًا للبشرية.

التوراة وما معها يسمونه بالعهد القديم، والإنجيل وما معه يسمونه بالعهد الجديد؛ هذا عهد قديم وهذا عهد جديد وهذا [القرآن] عهد أخير.

فكرة العهد الأخير وتسمية القرآن كتابًا وإكثار الله من ذكر أهل الكتاب

وفكرة العهد الأخير وفكرة الفرقان والقرآن وفكرة الكتاب:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ﴾ [البقرة: 2]

سماه كتابًا، فأنت أهل كتاب أيضًا. ولذلك أكثر الله سبحانه وتعالى من ذكر أهل الكتاب؛ ما لهم وما عليهم، وقال في شأنهم كما ذكر:

﴿لَيْسُوا سَوَآءً﴾ [آل عمران: 113]

في هذا وفي هذا، ففيه الصحيح وفيه غير الصحيح.

الرد على من يزعم أن القرآن يسب أهل الكتاب وبيان منهج القرآن في النقد

فنحن نجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن. لا يعترض أحدهم علينا بأن القرآن يسب أهل الكتاب؛ هذا كلام غير صحيح. القرآن يبيّن حال أهل الكتاب ويقول أنهم ليسوا سواءً، ويأمرنا ويأمر البشرية معنا ويأمرهم في ذاتهم -وهم يوافقون على ذلك- أنه لا يصح إلا الصحيح، وأنه يجب على الجميع أن يتخلوا عن القبيح.

فهل يقف أحد في البشر ضد هذا [المبدأ]؟ يبقى لما نأتي لنقول أن الكتاب [القرآن] ذكر أهل الكتاب بما يسوء، لا، هذا ذكر سوء قوم من أهل الكتاب بما يسوء ونهانا عنه؛ فهو ينهانا عن الشر وينهانا عن القبح.

الرد على دعوى تحامل القرآن على أهل الكتاب وبيان أنه مدح وذم

أما الذي يصف القرآن بأنه قد تحامل على أهل الكتاب، خلاص، إذا كان أهل الكتاب ليسوا كما هو موصوف في القرآن فليكن ذلك الوصف وصفًا تاريخيًا أو وصفًا محذّرًا لئلا يقع فيه أي شخص من أهل الكتاب.

نحن ننهى عن القبيح ونأمر بالصحيح، هذه هي الحكاية. أما إن القرآن يعني نقد أهل الكتاب، فهو يمدح فيهم وأيضًا يقدح في بعضهم وينبّه.

دلالة لفظ فريقًا في الآية على أن الذم ليس لكل أهل الكتاب

وقد ذكرنا مرارًا أنه [قال تعالى]: "فريقًا من الذين أوتوا الكتاب" ولم يقل "كل الذين أوتوا الكتاب"، فريقًا. وفريقًا فما يكون الباقي إذن؟ الباقي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله ويسارع في الخيرات.

يبقى حسنًا جيدًا، أليس هو ذلك الذي ننتقده؟ الذي ننتقده هو عكس ذلك [أي من يأمر بالمنكر ويترك الخيرات].

معنى تلاوة آيات الله واستمرارها وتسمية القرآن بالنبي المقيم

ولذلك قال ربنا بعدها:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: 101]

تُتلى عليكم آيات الله وستبقى تُتلى عليكم آيات الله. ولذلك نسمي القرآن ماذا؟ النبي المقيم. القرآن هذا هو كلام الله والنبي المقيم، شيء عجيب! كتاب في كلام ولكنه محفوظ من عند الله:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

باقٍ، منتشر، موجز، معجز، واضح، يحفظه الجميع: العربي والأعجمي، الصغير والكبير.

القرآن بالعربية أصله وترجمة معانيه تخرجه من حد القرآنية والإعجاز

أصله [القرآن] بالعربية؛ فإذا تُرجمت معانيه خرج من حد القرآنية وأصبحت هي رؤية وفهم المترجم، وليس هو المعجز المنزل، النبي المقيم فينا.

وجود الرسول ﷺ بذاته بين الصحابة ومعجزاته المتواترة التي بلغت ألفًا

وفيكم رسوله صلى الله عليه وسلم، في وقت بعثته كان فيهم بذاته. قال: كيف تكفرون وأنا فيكم؟ كان صلى الله عليه وسلم تجري على يده المعجزات تترى، حتى عددنا له ألف معجزة.

ألف معجزة جمعها الشيخ يوسف النبهاني في كتاب كبير اسمه «حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين»، كبير هكذا سميك هكذا هو، ألف صفحة أورد فيه ألف معجزة لسيدنا رسول الله ﷺ.

أمثلة من معجزات النبي ﷺ في تكثير الطعام والماء والإخبار بالغيب

فيقول لهم [النبي ﷺ]: ما أنتم ترون؟ ها هو يمسك الطعام فيكثر الطعام، فيكفي طعام الواحد والاثنين المائة والمائتين. يدخل يده في المياه فيفور الماء فيفور الماء كالعين الجارية.

ينبئ بالغيب فيحدث ما [أخبر به] وهذا على الفور. أصبح يقول لكم: سيدخل عليكم من هنا رجل الآن فيدخل. يقول لهم: هذا انتصروا هناك فينتصرون. فيقول لهم: والله هذا إخوانكم اضربوا فيضربون، وهكذا هذا على الفور.

معجزات النبي ﷺ مع الجمادات والحيوانات من بكاء الجذع وسجود الشجرة وكلام الذئب

ترك جذع النخلة [الذي كان يخطب عليه]، كان يفعل ماذا؟ قام فبكى الجذع وأنطق الله له الحيوان والنبات. وأسرعت إليه شجرة فسجدت له صلى الله عليه وسلم، وكلّمه الذئب وكلّمه الغنم وكلّمه الإبل واشتكى إليه، فأمر عجيب طوال النهار!

قال: وفيكم رسوله، كيف تكفرون وأنا فيكم؟ يعني هذا أصبح لا تعرفون [الحق مع كل هذه المعجزات]؟

مهابة النبي ﷺ التي منعت الصحابة من رفع أبصارهم إليه ووصفه

ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان جميل المحيا وكان مهاب الهيئة، حتى إنهم لم يرفعوا أعينهم إليه من شدة مهابته. فلم يستطع أن يصفه منهم أحد إلا هند بن أبي هالة ربيبه [ابن السيدة خديجة] الذي تربى في البيت.

وأم معبد كانت مشركة، فمرّ عليها [النبي ﷺ] في رحلة الهجرة مع أبي بكر [الصديق]، فبسطت له وعرفت أنها تصفه. والباقون [من الصحابة] كانوا يفعلون ماذا؟ كانوا يغضّون أبصارهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من جماله ومهابته.

سؤال التابعين للصحابة عن وصف النبي ﷺ وعجزهم عن الإجابة لشدة المهابة

فلما جاء التابعون وقالوا لهم: سيدنا رسول الله ﷺ كان وصفه كيف؟ ففكروا قليلًا وقالوا: الله، كان وصفه كيف؟ لسنا منتبهين أن هذا كان شيئًا آخر. هو نعم يعني وصفه كيف؟ أنفه كيف وعيناه كيف ولحيته كيف؟ لا، هذا شيء ثانية.

نعم كان شيئًا آخر. كيف يعني؟ لا، هذا شيء، من أين هذا؟ فتأملوا. قال: طيب ونحن لا نعرف أن نصفه، لماذا؟ قال: لأنهم كانوا يغضّون أبصارهم، وجدوا أنفسهم هكذا، ما كانوا لا يحدّقون فيه، هكذا هو.

وفيكم رسوله صلى الله عليه وسلم. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، عليكم السلام ورحمة الله.