سورة آل عمران | حـ 446 | 101 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 446 | 101 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يحذر الله المؤمنين في سورة آل عمران من الانحراف عن طريق الإيمان قائلاً: "وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله".
  • وجود الرسول فينا يكون بذاته في حياته وبسنته بعد وفاته، فقد حفظ الله السنة كما حفظ القرآن.
  • كان النبي قرآناً يمشي على الأرض، وكان خلقه القرآن كما وصفته السيدة عائشة.
  • ترك النبي ﷺ للأمة ما إن تمسكت به لن تضل: كتاب الله وسنته وعترة أهل بيته.
  • شهد النبي وفاة أبنائه الذكور والإناث في حياته، وبقي نسله من الحسن والحسين ابني فاطمة.
  • استمرار نسل النبي من الحسن والحسين إلى يومنا هذا يؤكد تحقق قوله تعالى: "إنا أعطيناك الكوثر".
  • ملأ أهل البيت الأرض نوراً في المشرق والمغرب، وهذا ليس بيد النبي بل بيد الله.
  • الاعتصام بالله هو أساس الهداية ووحدة القلوب، فمن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

تحذير الله للمؤمنين من الانحراف عن طريق الإيمان في سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحذر المؤمنين من الانحراف عن طريق التفكير المستقيم، وعن طريق الإيمان القويم، فيقول:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: 101]

فيكم رسوله بذاته، وفيكم رسوله بمعجزاته، وفيكم رسوله بتوجيهه وهدايته، وفيكم رسوله صلى الله عليه وسلم في حياته.

بقاء الرسول في أمته بسنته بعد انتقاله وحفظ الله للسنة كما حفظ القرآن

فإذا انتقل [النبي ﷺ] إلى الرفيق الأعلى ومات، فإنه فيكم بسنته. فحفظ الله السنة كما حفظ القرآن، وإن كان على درجة أخرى؛ لأن حفظ القرآن حفظٌ على مستوى الأداء الصوتي، شيء عالٍ جدًا.

لكن حُفظت السنة باعتبارها المبيِّن المعصوم لكلام الله. فقد كان النبي ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]

فتقول السيدة عائشة رضي الله عنها:

«كان خُلُقه القرآن»

معنى وجود الرسول فينا في حياته وبعد مماته بسنته وهديه وعترته

إذن "وفيكم رسوله" معناها أن الرسول ﷺ موجود فينا في أثناء حياته، وفينا بعد مماته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى بسنته وهديه وتوجيهه:

قال النبي ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي»

وفي رواية الترمذي:

«كتاب الله وعترة أهل بيتي»

وفينا [كذلك] بعترته الكرام صلى الله عليه وسلم.

وفاة أبناء النبي في حياته وحكمة الله في قطع النسل الذكوري عنه

فقد شاهد [النبي ﷺ] بعينيه في حياته وفاة أبنائه من الذكور والإناث. فمات الصبيان صغارًا حتى يكون ليس له رجل من نسله:

﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ [الأحزاب: 40]

وماتت زينب الكبرى، وماتت رقية، وأم كلثوم، وبقيت فاطمة [رضي الله عنهن]. فمات الجميع أمامه، أي في حياته صلى الله عليه وسلم.

ثقة النبي بوعد الله في بقاء عترته رغم موت أبنائه جميعًا أمامه

لما مات الجميع أمامه، أي في حياته، أي كان أيضًا من لو لم يكن [هذا الأمر] من عند الله لخاف، أي قال: والله هذا أنا يبدو أنني لن يعيش لي أحد، أم ماذا؟

إنما يقول [النبي ﷺ]:

«وعترة أهل بيتي»

هذا تحدٍّ! فمن الذي قال إن عترة أهل بيتك سيعيشون؟ فالحسن والحسين وهما ابنا فاطمة عليها السلام، جاء منهما النسل الشريف على هيئة عجيبة، تبيّن لنا أن الأمر بيد الله وليس بيد أحد من البشر، ولو كان محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم.

بقاء نسل الحسن والحسين بقدر الله رغم موت أغلب الذرية صغارًا

فالحسن [رضي الله عنه] يُخلِف زيد الأبلج والحسن المثنى — والمثنى يعني الثاني: الحسن بن الحسن — وبقية أولاده لم يعودوا موجودين، لقد ماتوا.

حسنًا، ألم يكن من الممكن أن يموت زيد والحسن المثنى هذا وانتهى الأمر؟ ولم يموتا.

والحسين [رضي الله عنه] يُنجب كثيرًا، جميعهم يموتون ولا يُنجبون وهم صغار، هكذا يُذبحون. ويبقى علي زين العابدين السجّاد.

حسنًا، كان من الممكن أن يموت هو الآخر وانتهى الأمر، وينقطع نسل محمد ﷺ ولا يبقى في عترة ولا يبقى في أهل البيت. لكن ذلك لم يحدث، ومن هؤلاء الثلاثة يملأ أهل البيت الأرض وإلى يومنا هذا.

تحقق وعد الله بالكوثر وبقاء نسل النبي وانقطاع ذكر من عاداه

﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]

يعني الشيء الكثير جدًا.

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 2-3]

ما له نسل، ما له ولد. قال له [الله تعالى]: أبدًا، هذا الذي يقول عليك هكذا لا أحد سيعرف من هو! وما نحن عارفون من الأبتر هذا؟ مرة يقول لك [المفسرون]: أمية بن خلف، مرة يقول لك: المغيرة بن الوليد بن المغيرة، مرة يقول لك: فلان وعلان. في التفسير هكذا ثلاثة أربعة خمسة، من هو الأبتر هذا؟ ليس له ذكر.

بقاء ذرية النبي وتكاثرهم في الأرض تحقيقًا لوعد الله بالكوثر

طيب، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم له ذكر وله أولاد، وأولاده فينا وباقون إلى يوم الدين، وتكاثروا جدًا حتى ملؤوا الأرض نورًا في المشرق والمغرب، وإلى يوم الناس هذا وإلى يوم الدين إن شاء الله رب العالمين.

وهذا [الأمر كله] بيد الله [وحده]. كن عاقلًا! هل محمد ﷺ يستطيع أن يجعل أولاده يعيشون أو يموتون؟ ليس بيده. هذه [آية الله]، فجاءك ما أخبر [الله به]:

﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: 101]

الاعتصام بالله أساس الهداية ووحدة القلوب وهو بيد الله وحده

﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101]

اعتصموا بالله؛ لأن الاعتصام بالله هو الأساس. واعتصموا بالله، هذه موجهة لكل البشر؛ إذا أردتم الخير وإذا أردتم الوفاق فاعتصموا بالله، فقد هُدي الذي يعتصم بالله.

﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101]

حسنًا، والهداية بيد من؟

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

إذن فحتى الاعتصام بالله — وهو الأساس لوحدة القلوب — يكون بيد الله ولا يكون بيد سواه سبحانه وتعالى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.