سورة آل عمران | حـ 450 | 103 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير القرآن في سورة آل عمران إلى أهمية الاعتصام بحبل الله والوحدة، حيث حوّل الله أعداء الجاهلية إلى إخوة متحابين.
- •كان العرب في الجاهلية يعيشون على العصبية القبلية والحمية، ومنهم من اشتهروا بالشر كسليك بن السلكة وتأبط شراً، وكانوا يعرفون بشياطين العرب.
- •تحول هؤلاء بعد الإسلام إلى قادة عظام وصحابة كرام، كما ظهرت بينهم قصص الإيثار كقصة الصادي الذي آثر غيره بالماء حتى مات عطشاً.
- •الصحابة ليسوا معصومين من الخطأ ولا مصدر تشريع، لكن يجب احترامهم وتقديرهم لمكانتهم العظيمة التي شهد بها النبي ﷺ.
- •التأدب مع الصحابة لا يتعارض مع الحرية، فالحرية الحقيقية تأتي مع الاحترام وليست تفلتاً من الأدب.
- •ينبغي تعليم الشباب احترام الصحابة وتقديرهم مع معرفة أنهم بشر يصيبون ويخطئون.
افتتاح الدرس بآية الاعتصام بحبل الله من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِٓ إِخْوَٰنًا﴾ [آل عمران: 103]
حال العرب قبل الإسلام بين العصبية القبلية وشياطين العرب
جيل الصحابة الكرام كانوا من قبائل عدة، وكان الأصل بينهم هو حمية الجاهلية، وكان الأصل بينهم هو العصبية القبلية، وكان أحدهم يقتل أخاه من غير ندم ومن غير تأخر.
كانوا يعرفون عندهم ما يُسمى بـشياطين العرب؛ تأبط شرًّا كان من شياطين العرب، والسُّلَيك بن السُّلَكة كان من شياطين العرب. وكانت لديهم قدرة عجيبة على العدوان، ويُحكى عنهم عجائب وغرائب.
قصة السليك بن السلكة وقدرته العجيبة على الجري في شيخوخته
السُّلَيك بن السُّلَكة هذا كان في الجاهلية، وغيره أيضًا عنترة بن شداد ولا أدري ماذا أيضًا، يعني أناس كثيرون. فكان يجري، كان هو لصًّا يعمل لصًّا؛ يسرق الشيء ويجري فيجرون وراءه كي يأخذوا الشيء، فرجله وقعت في جذع شجرة فكسرتها مثل المنشار! يعني أنصدق هذا؟ سواء صدقناه أم لم نصدقه، ليست هذه هي القضية.
يقولون له: عندك تسعون سنة يا سُلَيك، ماذا بقي لك؟ فإنك كنت من شياطين العرب تسعون سنة، اكبر الآن! فلبس درعين فوق بعضهما وقال: هاتوا شباب القبيلة ولنجرِ ولنرَ من الذي سيسبق، فسبقهم وهو عنده تسعون سنة! قالوا: أنُجري الخيل؟ فقال لهم: اجروا الخيل، وهو يرتدي ذلك الشيء [الدرعين]، فسبق الخيول! فقال: هذا الذي أصبح ماذا منه، فكان شكله ماذا، الله أعلم. أشياء يحكون أشياء غريبة عجيبة.
تحول العرب من اللصوصية والشر إلى الأخوة الإيمانية بنعمة الله
فيقول لهم [ربنا سبحانه وتعالى]:
﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِٓ إِخْوَٰنًا﴾ [آل عمران: 103]
وليس لصوصًا مثل السُّلَيك بن السُّلَكة. انظر حتى الاسم: تأبط شرًّا معناه وضع الشر تحت إبطه هكذا وآتيك يا شر، اشترِ! سبحان الله!
فهؤلاء صاروا يتحولون فجأة إلى سيدنا عمر وسيدنا أبي بكر وسيدنا عثمان وسيدنا فلان وسيدنا علّان.
قصة الصادي الذي آثر إخوانه بالماء حتى مات عطشًا
وكان من ضمن السادة الكرام الذين صاروا إخوانًا من يُسمى بعد ذلك بصفة الصادي، ولا تزال عائلته موجودة، وموجودة في مصر عائلة الصادي. والصادي هذا، الصادي يعني العطشان؛ صادي يعني واحد يريد الماء.
فكانوا في معركة ويريد الماء، فجاء ليشرب، فالذي بجانبه قال له: آه ماء! فذهب وأنزل الماء من فمه ولم يشرب، أعطاه له. الماء قليل، فصاحبنا الآخر هذا يريد أن يشرب أيضًا، وقد سمع زميله الذي بجانبه يقول: آه، فقال: لا، هذا أحق مني. وظلت تدور عليهم حتى وصلت إلى الأول فوجدته قد مات، فسموه الصادي الذي مات عطشًا.
التحول العظيم من شياطين العرب إلى سادة ملؤوا الأرض نورًا
الذي في القصة يلفت النظر أنه هؤلاء هم الشياطين [الذين كانوا في الجاهلية]: تأبط شرًّا، وعنترة بن شداد. وعنترة يعني ماذا؟ عنترة يعني ذبابة، الذبابة الزرقاء! عنترة، انظر الأسماء! والجمع عنتر يعني الذبابة الزرقاء.
فالذبابة الزرقاء، والسُّلَيك بن السُّلَكة، وتأبط شرًّا، ما هذا؟! تحولوا إلى هؤلاء الذين ملؤوا الأرض نورًا، والذين ما زلنا نأخذ من سيرهم الجميلة الحميدة ما الله به عليم.
الرد على من يعترض على تلقيب الصحابة بسيدنا وبيان الفرق بين التقديس والاحترام
سيدنا عمر وهو واحد يقول: يا الله أنتم تقدسون الأشخاص! يتحدث هكذا في الكلام. نقول له: لا، نحن نحترم هؤلاء الأشخاص.
نحن نعلم أنهم ليسوا مصدر تشريع؛ لأن المشرِّع هو سيدنا رسول الله ﷺ فقط.
وكل أحد يُؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر الشريف.
ويشير الإمام مالك بيده إلى قبر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
نعلم أنهم ليسوا مصادر تشريع، فهل هم معصومون من الخطأ؟ أبدًا، منهم من شرب الخمر، ومنهم من ارتكب الذنب، ومنهم [من أخطأ].
وجوب احترام الصحابة وعدم التسوية بينهم وبين غيرهم بنص حديث النبي
فلماذا تقول سيدنا؟ أليس رأسي برأسه؟ اصمت، كفى سوء أدب! رأسك برأسه؟!
قال رسول الله ﷺ: «والله لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهبًا لا يبلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»
هذا كلام سيدنا رسول الله ﷺ. من هذا الذي يقول هكذا؟ سيد الخلق الذي يعرفهم، الذي أنزل الله على قلبه:
﴿رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]
الحرية الحقيقية تأتي مع الاحترام والأدب في التعامل مع الصحابة والعلماء
فلماذا تقول سيدنا عمر؟ وكيف إذن نعلم شبابنا وأبناءنا الحرية؟ أي حرية؟ الحرية تأتي مع الاحترام، هل الحرية معناها التفلت؟
سيدنا عمر هو سيدنا عمر، وسيدنا أبو بكر هو سيدنا أبو بكر، والسيدة عائشة الجليلة هي السيدة عائشة الفقيهة الجليلة أم المؤمنين.
أدب الخلاف مع الصحابة والفرق بين الأدب وقلة الأدب في العلم
عندما يحدث أمر كهذا [خلاف فقهي مع أحد الصحابة] ويكون هناك خلاف في الرأي بيني وبينه، أقول ماذا؟ تأدبًا: هذا مبلغ علم سيدنا عمر.
أيضًا سيدنا عمر نقول ماذا؟ والله حسنًا، الشافعي يخالف عمر، هكذا، نعم. ما هو إلا مبلغ علم سيدنا عمر هكذا. والمعنى أي: ما معنى مبلغ علم سيدنا عمر؟ هو بشر، نعم هو قد يخطئ.
ولكن هناك أدب وهناك قلة أدب؛ فيكون لدينا شيء يُسمى أدب، وشيء يُسمى قلة أدب أيضًا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
