سورة آل عمران | حـ 451 | 104 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تتحدث الآية "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" عن أهمية الجماعة في بناء الحضارة الإسلامية.
- •ينبغي بناء حضارتنا من نموذجنا المعرفي ورؤيتنا الكلية وعقيدتنا وأحكام ديننا وهويتنا.
- •المقصود بـ"منكم" هم المؤمنون بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، مع احترام حرية الاختيار للآخرين.
- •الأصل في الدعوة هو الجماعة لا الفرد، والفرد استثناء كما كان إبراهيم عليه السلام أمة.
- •يجب أن تكون القيادة جماعية لا فردية حتى لا تضيع القضية بتغير حال شخص واحد.
- •هذه الجماعة مقيدة بالدعوة للخير، فإن أجمعت على الشر خرجت عن كونها منا.
- •الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل التخطيط والتنظيم والرقابة والمحاسبة والتقويم.
- •هذه المفاهيم موجودة في تراثنا بمصطلحات تربطها بالله، وليست مستوردة كما نظن.
- •الإسلام يؤكد على المسؤولية الفردية والحرية الدينية مع وجوب البلاغ والدعوة للخير.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]
آية واحدة كأنها عندما يقرأ المرء القرآن ويتأمل.
كلام الإمام الشافعي عن كفاية سورة العصر وعظمة كل آية في القرآن
قومٌ يقول كلام الإمام الشافعي أن: والله لو أن الله اقتصر على سورة والعصر:
﴿وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]
لكفى! يعني لو ربنا ما أنزل إلا هذه السورة لكفت.
فما رأيك [في باقي القرآن]؟ المرء يشعر مع كل آية بهذا الشعور، يقول لك: ماذا سنفعل وماذا نسوّي؟ وهذا ما يعنيه أن الله عندما أنزل لنا ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين آية، ماذا يعني ذلك؟ ألا تفهمون أم ماذا؟ هذه واحدة تهديكم إذا تدبرتم فيها التدبر السليم الصحيح.
بناء الحضارة الإسلامية من الذات ومن النموذج المعرفي والهوية الخاصة
الحل هو:
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ﴾ [آل عمران: 104]
وليس من غيركم؛ فعندما نريد أن نبني حضارتنا نبنيها من أنفسنا، من نموذجنا المعرفي، من رؤيتنا الكلية، من عقيدتنا الصحيحة، من أحكام ديننا، من ثقافتنا الموروثة، من هويتنا.
قال: ﴿وَلْتَكُن﴾ أمة. ما هو ممكن [أن يُفهم من ذلك]؟ ﴿وَلْتَكُن أُمَّةٌ﴾ موجودة، يعني لا [بد أن توجد]. هذا يقول: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ﴾ ليس من غيركم.
هوية الأمة المسلمة وإيمانها بالله والرسل والتكليف واليوم الآخر
وأنتم من؟ نحن والله مؤمنون بأن هناك إلهًا، وأن الإله أوحى وأنزل الكتب على الرسل وكلّف، وأننا هنا في التكليف، وبعد ذلك سيأتينا يوم آخر نُحاسب فيه.
هذا الذي نحن عليه؛ فلا يصح أن يكون منكم هؤلاء ملاحدة، أي لا يصح. لا يصح منكم [أن تكونوا كذلك].
حرية الاعتقاد في الإسلام وعدم الإكراه في الدين مع البلاغ فقط
هم نحن كذلك، الذي عندنا أنه:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
والذي عندنا أيضًا نحن أنفسنا أعطينا الحرية للناس:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]
بلّغوا فقط، ما لك من شأن [في إجبارهم]. هذا الذي عندنا نحن أيضًا كذلك:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]
إلى آخره. نحن كذلك.
الأمة المسلمة التي آمنت بجميع الأنبياء والرسل وقالت سمعنا وأطعنا
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ﴾ من الناس هؤلاء الذين اعترفوا بالأنبياء جميعهم وبالرسل كلهم:
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
نحن معروفون، نحن من [نكون]؟ يعني نحن، فنحن هؤلاء. لن نصطدم ولا شيء مع الحرية.
حتى تقول لي: الله أنت الآن ومن يكفر فماذا ستفعل به؟ ما نحن قلنا:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
إنما هذه النخبة التي توجّه الناس.
الأصل في التكليف الجماعة لا الفرد وإبراهيم عليه السلام كان أمة استثناءً
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: 104] أي جماعة.
يبقى الفرد الواحد ينفع أم لا بد من الجماعة؟ قال: لا، هذا الأصل هو الجماعة. الفرد الواحد هذا يكون في فترة قليلة جدًا؛ أن:
﴿إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾ [النحل: 120-121]
إبراهيم [عليه السلام] كان أمة، نعم. أحيانًا هكذا تستدعي الحالة أن يقوم أحدٌ بما لا يقوم به كثيرون، لكن هذا ليس الأصل.
التكليف الأصيل هو العمل الجماعي لا الاستبداد ولا الانفراد بالقيادة
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: 104]. ما هم؟ هذا هو التكليف الأصيل هكذا: جماعة من الناس يكونون لا يستبدّون ولا ينحصرون ولا يضيّعون القضية، ولا تكون هذه القضية في يد شخص والله أعلم إن استمر على الخير أو تغيّر قلبه.
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ ما قال: ولتكن منكم نفرٌ وواحد، [بل قال] ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾.
﴿يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ﴾ [آل عمران: 104]، مهمة هذه الأمة هي: النخبة، الصفوة، القيادة. ولا بد أن تكون قيادة جماعية إلا في حالات استثنائية فُقدت هذه الجماعة، فيقوم واحد حتى يربّيهم ويربّي الأمة ويتركها من بعده.
إبراهيم عليه السلام ربّى أمة عظيمة نُسب إليه الأنبياء جميعًا
ولذلك ربنا فتح الله على سيدنا إبراهيم [عليه السلام] وربّى أمة عظيمة، لدرجة أنه قد نُسب إليه الأنبياء جميعًا؛ أولاد إسحاق وأولاد إسماعيل.
إذن ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: 104]، جماعة ترشدنا إلى الطريق الصحيح، ما من ديكتاتورية.
الدعوة إلى الخير ليست ديمقراطية مفتوحة بل لها حدود شرعية واضحة
﴿يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ﴾ [آل عمران: 104]، وليس الأمر ديمقراطية مفتوحة، بل يدعون إلى الخير، أي لهم حدود؛ فلو أجمعوا على الشر لا يبقون معنا، ولو أجمعوا على الانحراف لا يبقون معنا، لا يبقون منا.
﴿وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104].
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو التخطيط والتنظيم والرقابة والمحاسبة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد أن فصلوه عن الدين ووجدوا أنه لا بد منه في كل شيء، قومٌ سمّوه أسماء أخرى: سمّوه ماذا؟ التخطيط، التنظيم، الرقابة.
حسنًا، وهذه الأسماء تعني ماذا؟ لن يخطر على بال أحد: المحاسبة والتقويم والمساءلة.
هذا والله أنت تتحدث في علم الإدارة أم ماذا؟ ما هو هذا [هو] الأمر بالمعروف، وهذه عناصر النهي عن المنكر.
كيفية تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الخطة والتنظيم والرقابة
فكيف سآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وعلى أي أساس؟ عندما تكون هناك خطة، عندما تكون هذه الخطة منفّذة بتنظيم، عندما يكون التنظيم هذا نراقبه.
في ماذا نراه؟ انحرف أم لم ينحرف؟ فإن انحرف فعلينا أن نعيده، وإن لم ينحرف فعلينا أن نؤيّده.
ففي حوافز وفي عقوبات وفي توبة. والتوبة هذه خاصة بالدين، التوبة هذه خاصة بالدين. لا، بل هناك مساءلة ومحاسبة ومراجعة وتصحيح المسار وإصلاح.
العلوم الإدارية موجودة في ديننا بألفاظ تربطها بالله والتكليف الشرعي
أليست كل هذه ألفاظًا نستعملها يوميًا؟ لأننا قد استوردناها، ولأننا ظننا أن هذه العلوم لا أساس لها عندنا، بالرغم من أنها موجودة عندنا بألفاظ أخرى تربطها بالله وبالحقيقة أنني مخلوق لخالق، وأنني مكلّف من رب العالمين.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
