سورة آل عمران | حـ 452 | 105-107 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 452 | 105-107 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يحذرنا الله في سورة آل عمران من التفرق والاختلاف، ويأمرنا بدراسة تاريخ الأمم السابقة للاستفادة منه.
  • الفرقة تنشأ من الهوى والبدعة والمصالح الشخصية، مما يستوجب التنزه عن الجهل وتحري العلم الصحيح.
  • من أسباب الاختلاف القضاء المقاصدي وتضييق المفاهيم وعدم فهم مراد الله من تشريعه.
  • توعد الله المفترقين بالعذاب العظيم يوم القيامة، وليس للبشر تعذيب بعضهم بعضاً مهما كانت الأسباب.
  • ليس من حق الإنسان أن يعذب أخاه الإنسان تحت أي ظرف، فتعذيب البشر حرام قطعاً.
  • كرامة الإنسان من مقاصد الشرع العليا التي اتفقت عليها الشرائع كلها.
  • يوم القيامة تبيض وجوه وتسود وجوه، والمقصود بالبياض والسواد هنا الكناية عن النور والظلمة، وليس حقيقة اللون.
  • من يعذب الناس عليه التوبة، ومن لم يتب فهو آثم ينتقم الله منه.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

النهي عن التفرق والاختلاف في سورة آل عمران والأمر بدراسة التاريخ

مع كتاب الله، وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينهانا ويأمرنا:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَٱخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَأُولَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]

حسنًا، النهي واضح: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾، إذن أين الأمر؟ الأمر في إشارة الآية وليس في عبارتها. ما هو؟ هناك شيء اسمه الإشارة وهناك شيء يُسمى العبارة.

ماذا في العبارة؟ يا جماعة: لا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا. والإشارة: ادرسوا التاريخ واستفيدوا منه. ما الذي عرّفني من هم هؤلاء الذين اختلفوا؟ فكيف اختلفوا؟ ولماذا اختلفوا؟ وما نتيجة هذا الاختلاف؟

وجوب دراسة اختلاف الأمم السابقة لتجنب الوقوع في نفس الأخطاء

فيجب أن أقرأ وأذهب لأقرأ عن اختلاف الخلق فيما مضى، وأرى أن أناسًا قد اختلفوا؛ فاختلفوا في نبيهم، واختلفوا في كتابهم، واختلفوا في ربهم، واختلفوا في شريعتهم واختلفوا.

فما سبب ذلك؟ إنني يجب أن أقرأ وأرى ما الذي حدث حتى لا أقع فيه؛ لأنه يقول لي:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَٱخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: 105]

حاضر، إذن السؤال الآن: هذا الذي قال ربنا، فالسؤال إذن: أنا أريد أن أعرف من هم هؤلاء الذين تفرقوا؟ من هم هؤلاء الذين اختلفوا؟ كيف اختلفوا؟ حتى لا أقع في نفس القصة. تفرقوا في ماذا؟ ما بداية الفرقة؟ متى حدث؟ ماذا حدث عندما بدؤوا يتفرقون؟

أسباب الفرقة من الهوى والبدعة والجهل والمصالح وكيفية تجنبها

فاعلم أن الفرقة تأتي من الهوى، الفرقة تأتي من البدعة، الفرقة تأتي من الجهل، تأتي من المصالح.

فأقول لنفسي هكذا: أنا يجب أن أنزّه نفسي في ديني عن الجهل فأتعلم، وعن البدعة فأتمسك [بالسنة]، وعن الغباوة والجهل، وعن كذا وكذا مما درسته في غيري [من الأمم السابقة].

طيب، فيبقى الحق الحقيقي شكله ما هو؟ أهو شكله بهذا الشكل؟ وتقوم الدراسات بهذه القضايا.

من موارد الفرقة القضاء على مقاصد الشريعة وتضييق النصوص الواسعة

من موارد الفرقة: القضاء على المقاصد [مقاصد الشريعة]. يقول لك النص هذا يقول كذلك، فتقول له: لا، هذا النص يقصد شيئًا معينًا، فيقول: ليس لدي شيء اسمه يقصد شيئًا معينًا.

فيبقى إذا ضيّق واسعًا ولم يعرف مراد الله من تشريعه؛ فلا يوجد شيء اسمه علة، ولا يوجد شيء اسمه حكمة، ولا يوجد شيء اسمه سبب. فتجده أنه يريد سحب الماضي على الحاضر.

والله سبحانه وتعالى أمرنا أن نعيش حياتنا وأن نكون أقوياء فيها؛ فلا بد من معرفة موارد القوة والالتزام بها.

دراسة التفرق والاختلاف في الأمم السابقة واتقاء العذاب العظيم

وهكذا كل هذا يتضح عندما نرى دراسة التفرق ودراسة الاختلاف، والاستفادة من هذا الذي حدث في الأمم السابقة في التاريخ، ونتقي هذه الفرقة وهذا الاختلاف.

﴿وَأُولَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]

وعظيم هذه من صفات الجلال، يعني شيء شديد جدًا وصلب جدًا.

العذاب العظيم ليس من اختصاص البشر بل هو لله يوم القيامة

حسنًا، حدث الخلاف وحدثت الفرقة، وعرفنا أن المفترقين المختلفين مغضوب عليهم من عند الله وأنهم يستحقون العذاب العظيم.

هيا بنا إذن نعذبهم! ننظر إليهم إذا كانوا موجودين نعذبهم؟ لأنه قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، لم يقل: "وسأعذبهم عذابًا عظيمًا"، قال ماذا؟ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

إذن أنا أمسكهم وأعذبهم عذابًا عظيمًا؟ قال لي [الله سبحانه وتعالى]: ليست هذه وظيفتك، ليست هذه وظيفتك. هكذا بدأت تتجاوز حدودك التي أُمرت بها كبشر، وتنتقل إلى حدود أخرى هي لله عالم الغيوب ويعلم ذات الصدور.

ليست من اختصاصك أن تعذب الخلق عذابًا عظيمًا لأنك رأيتهم من العصاة أو رأيته من المنحرفين.

العذاب العظيم يوم القيامة وليس للبشر أن يتولوه في الدنيا

أما العذاب العظيم فمتى؟

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]

ليس الآن [في الدنيا]. ولذلك قال [الله تعالى] له [للنبي ﷺ]:

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلْأَمْرِ شَىْءٌ﴾ [آل عمران: 128]

aصمت، ليس لك شأن. قال له: حاضر. ليس لك من الأمر شيء.

إذن ما كان لبشر أن يعذب بشرًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمارس التعذيب أبدًا.

إنكار تعذيب البشر والرد على من يستبيح ذلك باسم الدين

ولذلك عندما يأتينا بعض الشباب ويريدون أن يعذبونا ويعذبوا البشر، مسلمين وغير مسلمين، مؤمنين وملحدين، يريدون أن يعذبوهم لأنه [المعذَّب] ليس على ملته وذهنه وكذلك، نقول له: يا أخانا، الله يقول:

﴿وَأُولَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 105-106]

أنت ما شأنك؟ قال: أنا لا، لست قادرًا، أنا أريد أن أجعلها دمًا. نعم، فأنت إذن لا تصبر مع أمر الله، لست قادرًا، ولكن لست قادرًا على الصبر على ماذا؟ على أمر الله.

يقول لك: اصمت، فيجب أن تصمت. هو يقول لك اصمت فتقول: لا سأتكلم! فتصبح إبليسًا على الفور، ويكون من عمل الأبالسة.

وجوب التوبة عن تعذيب الناس وحرمة ذلك في الشريعة الإسلامية

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]

الذين يعذبون الناس في أي مكان في الأرض يجب أن نقول لهم: اتقوا الله؛ لأنكم تفعلون فعلًا فظيعًا يستوجب التوبة، ويستوجب عدم هذا الفعل في الأيام القادمة تحت أي ظرف من الظروف.

فلا يجوز أن يأتوا ليعذبوه ويقولوا إننا نأخذ أقواله؛ فأقواله لا تؤخذ بالتعذيب يا أخانا. أقواله تؤخذ بما فتح الله علينا من التضييق عليه بكثرة الأسئلة وتحليل الإجابة كما هو شأن البشر.

أما أن يُعذَّب الإنسان فهذا حرام قطعًا.

كرامة الإنسان من مقاصد الشرع العليا ووجوب التوبة من التعذيب

وعلى ذلك فلا بد للإنسان أن ينتهي من تعذيب أخيه الإنسان؛ لأن كرامة الإنسان من مقاصد الشرع العليا التي اتفقت عليها الشرائع كلها منذ آدم الأول حتى سيدنا محمد ﷺ حتى يوم الدين.

ومن فعل هذا من العذاب فعليه بالتوبة، ومن لم يتب فهو آثم ينتقم الله منه، أي هو ملعون في كل كتاب.

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 106-107]

من هذا الذي يقول هذا؟ رب العالمين سبحانه وتعالى.

البياض والسواد في الآية كناية عن النور والظلمة لا عن لون البشرة

﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [آل عمران: 107]

والبياض والسواد كناية عن النور وعن الظلمة، وليس على حقيقته [أي ليس المقصود لون البشرة].

فإن سيدنا لقمان كان أسود اللون، وسيدنا بلال [بن رباح] كان أسود اللون، وهناك أربعون من الصحابة الكرام من أهل الحبشة.

والحبشي النجاشي أسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وصلى عليه النبي ﷺ في المدينة بعد أن رفع الله له سريره في الحبشة فرآه، فصلى عليه صلاة الجنازة، يعني مات في حياة النبي ﷺ وهو راضٍ عنه.

فالبيض والسود هنا إنما هو للكناية والمجاز. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.